ترجمة وتحرير: نون بوست
مؤخراً، تناولتُ في مقال ما أطلقت عليه “مفارقة العبقري الكسول“؛ ذلك الشعور المزدوج بين التمكين وعدم الارتياح عند استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز إنتاجيتنا وإبداعنا. وأثار المقال نقاشًا أوسع حول التحولات التي يشهدها مفهوم الذكاء، والجهد، والملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي.
منذ السبعينيات؛ عُرّفت متلازمة المحتال بأنها الإحساس بأن النجاح غير مستحق، حتى في ظل الاعتراف الخارجي بالإنجازات. ويعاني المصابون بهذه المتلازمة من القلق من أنهم قد خدعوا الآخرين ليعتقدوا أنهم أذكى أو أكثر إبداعًا أو كفاءة مما هم عليه في الواقع.
لكن ماذا لو لم يكن الشك نابعًا من الإحساس بعدم الكفاءة، بل من سهولة الوصول إلى المعرفة ذاتها؟ في عصر الذكاء الاصطناعي، نشهد بروز مفارقة نفسية جديدة: متلازمة المحتال في الذكاء الاصطناعي، وهي حالة من التنافر المعرفي تنشأ عندما تعزز تقنيات الذكاء الاصطناعي قدراتنا، لكنها في الوقت ذاته تجعلنا نشك في شرعية إنجازاتنا الفكرية.
الأمر يتجاوز مسألة الإنتاجية؛ إنه يعيد تعريف التفكير نفسه. عندما يصبح الذكاء شيئًا يمكن تفويضه للآلات، فهل يجعلنا ذلك أكثر ذكاءً؟ أم أقل أهمية؟ أم أن له تأثيرًا أعمق على إحساسنا بقيمتنا الذاتية؟
متلازمة المحتال التقليدية مقابل متلازمة المحتال في عصر الذكاء الاصطناعي
في متلازمة المحتال التقليدية، يشعر الأفراد بأن نجاحهم غير مستحق رغم الجهد الكبير الذي بذلوه لتحقيقه. أما متلازمة المحتال في الذكاء الاصطناعي، فتنشأ عندما يصبح النجاح سهلًا جدًّا، وذلك عندما يولد الذكاء الاصطناعي الأفكار، ويكتب المقالات، بل ويقترح ابتكارات إبداعية بحد أدنى من التدخل البشري.
في المتلازمة التقليدية؛ يرتكز الشك على الاعتقاد بأن الإنجازات حدثت بالصدفة، وأن الجهد المبذول لا يبرر الاعتراف بالنجاح. أما في المتلازمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فتنقلب المعادلة: بدلًا من الشعور بأن الجهد غير كافٍ لتحقيق النجاح؛ يشعر الأفراد بالشك لأن النجاح لم يتطلب جهدًا يُذكر. هذه السهولة المفرطة تخلق نوعًا من التنافر المعرفي، حيث يتعايش الشعور بالإتقان مع الإحساس بعدم الشرعية.
-
الجهد: لطالما ارتبط التفكير بالعمل الذهني المكثف؛ حيث تُكتسب المعرفة من خلال الكفاح والتكرار والممارسة الشخصية، مما يجعل الإنجازات ذات قيمة.
-
الوصول: اليوم أصبح التفكير شيئًا نحصل عليه بضغطة زر؛ حيث يوفر الذكاء الاصطناعي المعرفة فورًا، مما يجعل الذكاء يبدو بلا مجهود وأحياناً بلا مجهود أكثر من اللازم.
في النهاية، يفرض هذا التحول تساؤلات جوهرية في كيفية إدراكنا لمساهماتنا الفكرية. فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على كتابة مقال، أو توليد فكرة، أو تحسين إستراتيجية في ثوانٍ، فمن الذي يتحمل المسؤولية الفعلية عن هذا الإبداع؟ المستخدم أم الخوارزمية؟
بالنسبة للكثيرين، يُربك هذا التصور معتقداً راسخاً وهو أن الذكاء مرتبط بالجهد؛ إذ يُحوّل الذكاء الاصطناعي التفكير من عملية بناء إلى عملية استرجاع، مما يجعل الذكاء يبدو أشبه بالاختيار والترتيب أكثر من كونه إبداعًاً أصيلًا.
والنتيجة؟ أزمة متزايدة في الملكية الفكرية والهوية المعرفية.
هذا يعكس مفهوم تبرير الجهد؛ فغالباً ما نُثمّن الإنجازات أكثر عندما تتطلب كفاحًا، لكن الذكاء الاصطناعي يقلب هذه المعادلة، مما يجعل الذكاء يبدو وكأنه تنسيق وتجميع أكثر من كونه توليدًا وابتكارًا. ومع تلاشي الحدود بين الجهد البشري والمساعدة الآلية، يتضاءل كذلك يقيننا بما يعنيه التفكير الحقيقي.
العبء النفسي المتزايد
ووفقًا لأبحاث مركز تصوّر المستقبل الرقمي، يعتقد ما يقرب من نصف مستخدمي الذكاء الاصطناعي أن مساعدهم الذكي أكثر ذكاءً منهم. في الوقت نفسه؛ أعربت نسبة كبيرة من المشاركين عن قلقهم بشأن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في التفكير واتخاذ القرارات.
ومع استمرار اندماج الذكاء الاصطناعي في مجالات الإبداع والعمل الاحترافي، من المرجح أن يزداد هذا الشعور بعدم الارتياح. فإذا كان التفكير ذاته يُفوض إلى الآلات، فماذا يتبقى من الهوية الفكرية البشرية؟
هل ستتلاشى متلازمة المحتال في عصر الذكاء الاصطناعي؟
عادةً ما يتلاشى القلق من التقنيات الجديدة مع مرور الوقت والتطبيع. فقد كنا في السابق نخشى الآلات الحاسبة، والتدقيق الإملائي، وأنظمة الملاحة الإلكترونية، لكنها أصبحت اليوم امتدادًا للقدرات البشرية وليست بديلاً عنها.
فهل سيسير الذكاء الاصطناعي على المسار نفسه، ليصبح مجرد أداة لتعزيز إمكانياتنا؟ أم أنه يتجاوز هذا الحد، ليؤثر في جوهر الإدراك البشري ذاته؟
إحدى الإمكانات تكمن في ما يمكن تسميته بالذكاء التكراري؛ فبدلاً من النظر إلى الذكاء باعتباره نتاجًا ثابتًا للجهد، قد نحتاج إلى رؤيته كعملية ديناميكية مستمرة؛ حيث يتفاعل الإنسان والتقنية في تحسين متواصل للأفكار والرؤى والفهم. وبهذا المفهوم، لم يعد الذكاء يُقاس فقط بمدى المعاناة الفردية، بل بقدرتنا على التطوير، والتحليل، وتوجيه إمكانات الذكاء الاصطناعي نحو نتائج ذات قيمة حقيقية.
هذا التحوّل يشير إلى أن علاقتنا بالذكاء نفسه آخذة في التغيّر. ومع اندماج التقنية بشكل أعمق في عملياتنا الذهنية، قد يتراجع الشعور بعدم الارتياح تجاه دورها، تمامًا كما حدث مع التحوّلات السابقة في تطور الأدوات الفكرية. ولكن السؤال الأهم هو: هل يمكننا تبنّي هذا التغيير دون أن نفقد جوهر التفكير البشري: إرادتنا، فضولنا، وغايتنا في عالم تزداد فيه قوة الأدوات الإدراكية؟
التعامل مع متلازمة المحتال في عصر الذكاء الاصطناعي
بدلًا من مقاومة هذه التقنية، من المفيد إعادة تعريف الذكاء ليتناسب مع الواقع الجديد؛ ليس فقط من حيث الجهد المبذول، بل من حيث العائد على التفاعل الفكري.
· إعادة صياغة مفهوم الذكاء: الذكاء ليس مجرد جهد، بل إستراتيجية، وقيمته لا تكمن في مدى المشقة المبذولة، بل في مدى فاعلية التفاعل مع المعرفة والتقنيات والأفكار.
· امتلاك العملية الفكرية: حتى مع وجود المساعدة التقنية، فإن عمق التفاعل البشري – من خلال الحكم، والمراجعة، والتطوير – هو الذي يحدّد القيمة الحقيقية للذكاء.
· الجهد مقابل الإستراتيجية: المسألة ليست الانتقال من التفكير إلى الكسل، بل من التفكير اليدوي إلى الدقة الإدراكية. الذكاء الاصطناعي ليس اختصارًا للجهد، بل أداة لتعزيز التفاعل الفكري.
وعبر تحسين العائد على التفاعل الفكري، يمكننا التخلي عن رؤية الذكاء الاصطناعي كتهديد، والبدء في توظيفه كقوة داعمة للتفكير العميق والإبداع.
الذكاء في عصر الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الذكاء البشري بل يعيد تعريفه؛ حيث إن بروز متلازمة المحتال في عصر الذكاء الاصطناعي يشير إلى تحوّل محتمل في الهوية المعرفية، مما يدفعنا لإعادة التفكير في معنى التفكير، والإبداع، والذكاء في عالم يزداد فيه استخدام الآلات لتعزيز قدراتنا الذهنية.
مع دخولنا عصر الإدراك المعزز، قد نحتاج إلى الانتقال من رؤية الذكاء كإنجاز شخصي إلى فهمه كعملية تكرارية، ومزيج من الحدس البشري، والتعزيز الاصطناعي، والقدرة على التعديل والتكيف.
التحدي الحقيقي ليس في إثبات ذكائنا في عالم مدعوم بالذكاء الاصطناعي، بل في تعلم كيفية تشكيله.
المصدر: سايكولوجي توداي