ترجمة وتحرير: نون بوست
خلال فترة الإغلاق بسبب كوفيد، عندما أُغلقت دور الحضانة وأصبحت الحياة الاجتماعية مجرد ذكرى بعيدة، فوجئت بطفلي الصغير وهو يحاول إطعام صورة خفّاش بالحليب.
هذا الخفّاش، الذي أطلق عليه لاحقًا اسم الخفّاش الكبير، أصبح صديقه المقرب. كان خفّاشًا مكسيكيًّا طويل الذيل ظهر في الصفحة 121 من كتاب المهددون بالانقراض، وهو كتاب عن الحياة البرية أهداه إلينا أحد الأجداد.
على مدار عدة أشهر في عام 2020، كان طفلي (الوحيد آنذاك) يطلب رؤية هذه الصورة مرات عدة يوميًّا؛ حيث يحيّي الخفّاش الكبير، ويتحدث إليه، بل وقدّم له مشروباً منعشاً ذات مرة. في عزلة تلك الفترة؛ أصبح الخفّاش الكبير رفيقه.
تذكّرت الخفّاش الكبير هذا الأسبوع عندما تحدثت مع تريسي غليسون، أستاذة علم النفس في كلية ويلسلي، المتخصصة في دراسة ظاهرة الأصدقاء الخياليين، أو كما يسميهم بعض الخبراء، الرفقاء الخياليين.
وبينما يتخيل البالغون هؤلاء الرفقاء عادةً ككيانات غير مرئية يتحدث إليها الأطفال (وهو ما يفسر انتشارهم في أفلام الرعب)، فإن الصديق الخيالي قد يكون في الواقع مجرد غرض يمنحه الطفل صفات إنسانية ويتعامل معه كما لو كان كائنًا حيًّا، وفقاً لغليسون.
قد يكون هذا الغرض دمية محشوة، أو لعبة، أو حتى شيء غير مألوف تمامًا؛ حيث تقول غليسون: “سمعت عن طفل كان صديقًا مقربًا جدًّا لعلبة صغيرة من معجون الطماطم”.
قد يبدو الأمر غريبًا، لكن الأصدقاء الخياليين شائعون للغاية؛ ففي دراسة نُشرت عام 2004، أفاد 65 بالمئة من الأطفال بأنهم امتلكوا صديقًا خياليًّا واحدًا على الأقل بحلول سن السابعة.
أما عن سبب لجوء الأطفال إلى الأصدقاء الخياليين، فتوضح غليسون أنهم قد يشكلون وسيلة للأطفال لفهم تعقيدات الحياة الاجتماعية والتعامل معها في بيئة آمنة وخالية من المخاطر، فالصديق الخيالي، في النهاية، لا يمكن أن يغضب منك (إلا إذا أردت ذلك).
لكن هناك سببًا آخر أكثر بساطة يجعل الأطفال يخلقون مثل هذه الرفقة، كما أوضحت لي ناعومي أغيار، الباحثة التي شاركت في تأليف كتاب حول هذه الظاهرة؛ حيث تقول أغيار: “الدور الأساسي الذي يؤديه الأصدقاء الخياليون في حياة العديد من الأطفال هو ببساطة التسلية والترفيه… الأطفال يفعلون ذلك لأن الأمر ممتع”.
الفوائد الاجتماعية لصداقات الخيال
الأصدقاء الخياليون شائعون بشكل خاص في مرحلة الطفولة المبكرة، لكن يمكن لطلاب المرحلة الإعدادية وحتى البالغين أن يكون لديهم أصدقاء خياليون أيضًا، وفقاً لما ذكرته غليسون.
تتخذ هذه الرفقة أشكالاً متنوعة؛ ففي دراسة أُجريت عام 2004 على 100 طفل تتراوح أعمارهم بين 6 و7 سنوات، وُجد أن 57 بالمئة من الأصدقاء الخياليين كانوا بشريين، و41 بالمئة كانوا من الحيوانات، بينما كان أحدهم “إنساناً قادراً على التحول إلى أي حيوان يريده الطفل”.
وفي دراسة نُشرت عام 2017 أجرتها أغيار وباحثون آخرون، ذكر طفل يبلغ من العمر 9 سنوات أن صديقه كان “نمرًا سيبيريًّا غير مرئي” يتمتع بـ”ضربات قوية” لكنه كان بحاجة أيضًا إلى “الراحة في الليالي الممطرة”. أما طفل آخر فكان لديه مهر محشو يُدعى بوني، وُصف بأنه “عميل سري يتمتع برؤية بالأشعة السينية وكان بارعاً في كل شيء”.
في حين كان لدى طفل ثالث صديق غير مرئي على هيئة “علبة حليب”، وصفها بأنها “لطيفة جداً وتشبه الضمير إلى حد ما”، وقال هذا الطفل عن علاقته بصديقه الخيالي: “تعلمت الكثير عن ميلك، وميلك تعلم الكثير عني”.
يقول الخبراء إن الأصدقاء الخياليين، حتى وإن كانوا مجرد علب حليب، قد يساعدون الأطفال على فهم تعقيدات العلاقات الاجتماعية، فالصداقات قد تكون مخيفة بشكل خاص لأنها اختيارية وغير محددة النهايات، كما توضح غليسون. فبينما يظل والداك والديك دائمًا، “الصديق ليس مضطرًا للبقاء صديقًا لك”.
تختلف القواعد والديناميكيات التي تحكم الصداقات عن تلك الخاصة بالعلاقات العائلية، وقد لا تكون هذه القواعد واضحة دائمًا، وتوضح غليسون: “يمكنك أن تتخيل لماذا قد يرغب الطفل في امتلاك نسخة خيالية من الصداقة للتدرب عليها”، بحيث “حتى لو ساءت الأمور، يظل كل شيء تحت السيطرة”.
في الواقع؛ قد يتعرض الأصدقاء الخياليون أحيانًا لخلافات أو يرفضون اللعب مع الأطفال الذين اخترعوهم. ففي دراسة أجرتها أغيار، وصفت فتاة تبلغ من العمر 9 سنوات صديقها الخيالي بأنه “صبي صغير غير مرئي” كان عادةً “لطيفًا وكريمًا”، لكنه أحياناً كان يشدّ شعرها. بينما كان لدى طفل آخر صديق غوريلا كانا يختلفان أحيانًا حول ما إذا كان ينبغي عليهما الذهاب إلى الحديقة.
عندما يصبح الصديق الخيالي مزعجًاً بعض الشيء، “فهذا يعكس محاولة الطفل فهم معنى أن يرفضه أحدهم أو أن يواجه سلوكًا غير لطيف، كما تقول غليسون، التي أضافت: “كيف يشعر حين لا يريد الآخرون اللعب معه؟ وكيف ينبغي أن يتصرف في مثل هذه المواقف؟”.
ويؤكد الخبراء أنه لا يوجد ما يدعو للقلق إذا كان لدى الطفل صديق متخيل، إذ غالبًا ما تكون هذه الصداقات مجرد وسيلة ممتعة للعب واستكشاف العالم.
يُعد تكوين الأصدقاء المتخيلين جزءًا طبيعيًّا من نمو الأطفال، ورغم أنه كان يُنظر إليه في السابق على أنه علامة على الشعور بالوحدة أو وجود مشكلات نفسية، فإن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن الأطفال الذين لديهم أصدقاء متخيلون ليسوا أكثر عرضة للاضطرابات النفسية من غيرهم.
في بعض الحالات، قد يلجأ الأطفال الذين مروا بتجارب صعبة، مثل الصدمات، إلى اختراع أصدقاء متخيلين كآلية للتكيف. وتشير أغيار إلى أن الأطفال الذين تعرضوا للإيذاء، وخصوصًا الاعتداء الجنسي، قد يبتكرون شخصيات خيالية تلعب دور الحماة أو الحراس.
ووجدت إحدى الدراسات أن الأطفال اليابانيين زاد تفاعلهم مع أصدقائهم المتخيلين خلال جائحة كورونا مقارنة بالفترات السابقة، مما يشير إلى أن هذه الشخصيات قد تصبح أكثر حضوراً في أوقات العزلة (مع عدم توفر معلومات حول دور “الخفاش الكبير” في ذلك!).
أما عن الأمثلة الواقعية؛ فقد أخبرتني كريستين نغوين، وهي أم لطفلين من كاليفورنيا، أن ابنتها الصغرى، البالغة من العمر 12 عاماً، كانت على صداقة مع “هامي” منذ أن كانت في الرابعة. وهامي هو هامستر محشو معروف بكونه وقحًا وفظًّا (إذ شوهد ذات مرة يأكل “فتات الأوساخ”)، لكنه أيضاً “ثري بشكل خيالي”، حتى إن ابنة نغوين صنعت مقطع فيديو له وهو يقفز فوق سرير من الأوراق النقدية المخصصة للألعاب.
هامي يعيش الحياة بجرأة ويخوض المغامرات. فقد جرب القفز بالمظلات، بل وخضع ذات مرة لعملية تجميل تُعرف بـ”شد الأرداف البرازيلية“. كما أنه يصرخ على الركاب أثناء الرحلات بالسيارة، مما يؤدي أحيانًاً إلى نفيه إلى لوحة القيادة تهدئةً للأجواء.
وتقول نغوين إن ابنتها “لطالما كانت مشاغبة وتحب اختبار الحدود، وأشعر أن هامي كان وسيلتها لدفع هذه الحدود إلى أبعد مدى”.
وتشير أغيار إلى أن “الأطفال لا يتمتعون بالكثير من الاستقلالية أثناء نموهم”، إذ تُفرض عليهم قواعد تحدد كيفية القيام بالأشياء ومواعيدها.
لكن مع صديق خيالي؛ “يملك الطفل حرية إبداعية مطلقة لابتكار أي عالم يريده لنفسه”، كما تقول أغيار، فالعلاقة مع صديق خيالي هي واحدة من المجالات القليلة التي تمنح الطفل “حرية كاملة لفعل ما يشاء”.
المصدر: فوكس