ترجمة وتحرير: نون بوست
لا شك أنك قد سمعت قصيدة “أولًا جاؤوا”، وهي قصيدة شهيرة للقس الألماني مارتن نيمولر عن الطريق إلى ألمانيا النازية. إنها واحدة من النصوص التي تُقتبس كثيرًا لدرجة أنها قد تبدو مبتذلة. تبدأ القصيدة بـ”أولاً جاؤوا إلى الشيوعيين/ ولم أرفع صوتي/ لأنني لم أكن شيوعيًا”، ثم تتعدد المجموعات المستهدفة الأخرى قبل خاتمتها التي يُستشهد بها على نطاق واسع:
“ثم جاءوا إلى اليهود
ولم أرفع صوتي
لأنني لم أكن يهوديًا
ثم جاءوا إليّ
ولم يبقَ أحد
ليرفع صوته من أجلي”
رغم كثرة تداولها، تتسم قصيدة نيمولر ببراعة لا تحظى بالتقدير الكافي، شيء يتجاوز الرسالة المجردة بأن “حقوقك تعتمد على حماية حقوق الآخرين”، إنه يصف استراتيجية محددة استخدمها النازيون لتفكيك الديمقراطية الألمانية.
هناك سبب وجيه وراء استهداف النازيين للفئات التي تحدث عنها نيمولر: السياسة الألمانية سهلت شيطنتهم بشكل خاص؛ فقد كانوا إما أقليات ضعيفة (اليهود)، أو خصوما سياسيين للتيار الرئيسي (الشيوعيون والاشتراكيون والنقابيون).
بعد وصولهم إلى السلطة، صوّر النازيون ما قاموا به على أنها جهودٌ لمواجهة التهديدات المزعومة التي تُشكّلها عدة أطراف مثل “البلشفية اليهودية”، وسخّروا قوى التعصب والاستقطاب السياسي لحشد الألمان في مساعيهم لتدمير الديمقراطية.
ما يحدث في أمريكا حاليًا يُعيد إلى الأذهان هذا التكتيك القديم بشكلٍ مخيف، فعندما تنخرط إدارة ترامب في سلوك غير قانوني أو غير مقبول، فإن المبرر هو ملاحقة أهداف مثيرة للانقسامات أو لا تحظى بشعبية. تكمن الفكرة في تسييس الحريات المدنية الأساسية، لتحويل الدفاع عن سيادة القانون إلى دفاع عن فئات منبوذة على نطاق واسع أو إلى مسألة عادية تتعلق بالسياسات الحزبية.
استهدفت أول عملية ترحيل تنفذها الإدارة الأمريكية أحد المقيمين بالبطاقة الخضراء، وهو ناشط جامعي مؤيد للفلسطينيين من جامعة كولومبيا، والتي تعد مركزًا لبعض أكثر الأنشطة الراديكالية المعادية لـ”إسرائيل”. لهذا السبب، كانت جامعة كولومبيا أيضًا أول جامعة تستهدفها الإدارة بقطع التمويل.
كما استهدف ترامب أيضًا فئةً أكثر إثارة للاستياء: مجموعة من المقيمين الذين أُرسلوا إلى سجن في السلفادور، وقد ادعت إدارة ترامب دون تقديم أدلة أنهم أعضاء في عصابة ترين دي أراغوا.
يعتمد ترامب على قوتين توأمين، الشيطنة والاستقطاب، لتبرير جهوده لتوسيع سلطته التنفيذية والاعتداء على الحريات المدنية. الهدف هو صرف الانتباه عما إذا كانت قرارات ترامب مخالفة للقوانين أو تهدد حرية التعبير، والتركيز حول ما إذا كانت الفئة المستهدفة جيدة أو سيئة.
وهناك ما يشير إلى أن هذا النمط سوف يتواصل، وإذا فشلنا كمجتمع في فهم كيفية عمل استراتيجية ترامب وأهدافها، فإن الضرر الذي سيلحق بالديمقراطية قد يكون كارثيًا.
كيف تعمل استراتيجية ترامب؟
لتعرف كيف يتم تنفيذ استراتيجية ترامب بشكل عملي، شاهد مقابلة مساعد البيت الأبيض ستيفن ميلر الأخيرة مع كاسي هانت على شبكة “سي إن إن”.
خلال المقابلة، تضغط هانت على ميلر بسؤاله عما إذا كانت الإدارة الأمريكية قد انتهكت أمرًا قضائيًا بإرسال أعضاء ترين دي أراغوا المزعومين إلى السلفادور. يرفض ميلر الخوض في هذه القضية المحورية المتعلقة بقيم الديمقراطية. بدلًا من ذلك، يحاول إعادة صياغة النقاش حول ضرورة مواجهة العصابة، بحجة أن الإصرار على المجاملات القانونية يعني تسليم البلاد إلى اللصوص.
يجادل ميلر: “كيف سنقوم بطرد الغزاة الأجانب غير الشرعيين من بلادنا، الذين يغتصبون ويقتلون الفتيات الصغيرات، إذا كانت كل عملية ترحيل يجب أن يفصل فيها قاض في محكمة محلية؟. هذا يعني أنه ليس لدينا دولة. هذا يعني أنه ليس لدينا سيادة. وهذا يعني أنه ليس لدينا مستقبل”.
هذه بالطبع ليست حجة قانونية، بل تبدو محاكاة ساخرة لحجة سياسية: “إذا كنت تعارض إرسال أشخاص للتعذيب في معسكر اعتقال في السلفادور دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة، فأنت تدعم ترين دي أراغوا في قتل الفتيات الصغيرات”.
ولكن بقدر ما يبدو هذا الأمر سخيفًا، فقد ثبت أنه منطق مؤثر، وليس فقط في سياق الحالات الأكثر تطرفا مثل ألمانيا النازية.
في السنوات التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، استخدمت إدارة بوش وحلفاؤها حججًا مماثلة لتشويه سمعة منتقدي سياساتها، والذين أثبتت الأحداث صحة مواقفهم منذ ذلك الحين.
وُصف المراقبون الذين حذروا من تهديد الحريات المدنية والتجسس دون إذن قضائي ونددوا بما يحدث في معتقل غوانتانامو بأنهم متعاطفون مع الإرهاب، ووُصف المشككون في حرب العراق بأنهم مدافعون عن صدام، وقد نجح هذا النوع من الابتزاز الأخلاقي القائم على مبدأ “إما أن تكون معنا أو ضدنا” مع الكثيرين، سواء في الداخل أو الخارج.
الدور الحاسم للاستقطاب الحزبي
بالطبع، نجح هذا النوع من الإجراءات في عهد بوش نظرًا لحجم الأذى والغضب بين الأمريكيين في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول. ورغم أن الكثير من الأمريكيين يكرهون عصابة ترين دي أراغوا أو المتظاهرين المؤيدين لفلسطين في الحرم الجامعي، فلا يوجد شيء يضاهي مستوى الهستيريا العامة التي شهدناها في أعقاب واحدة من أكبر الكوارث التي شهدتها البلاد.
هذا هو السبب في أن الاستراتيجية الخطابية لإدارة ترامب تستفيد أيضًا من نوع آخر من منطق التفرقة: القوة النافذة للاستقطاب الحزبي.
لا يقتصر خطاب إدارة ترامب على محاولة ربط خصومه عمومًا بأفراد العصابات والإرهابيين، بل يحاول أيضًا ربط القضاة والسلطات الأخرى غير الحزبية بالديمقراطيين. على سبيل المثال، في مؤتمر صحفي عُقد يوم الأربعاء، أشارت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض كارولين ليفيت إلى القاضي الذي ناقش قانونية عمليات الترحيل في السلفادور على أنه “ناشط ديمقراطي“.
الفكرة هنا هي دمج مسألة المبادئ القانونية الأساسية في سياق حزبي مألوف – الديمقراطيون ضد الجمهوريين – ومن خلال التذرع بقوة الاستقطاب الحزبي، فإنهم يصورون تحدي سيادة القانون على أنه خلاف جديد بين الحزبين.
هناك أدلة كثيرة على أن هذا النهج يمكن أن ينجح في إضفاء الشرعية على سياسات ترامب.
كتب مؤرخ الهولوكوست البارز كريستوفر براونينغ عدة مقالات في مجلة “نيويورك ريفيو أوف بوكس” توثق ما يسميه “أوجه التشابه المقلقة” بين ألمانيا في فترة ما بين الحربين العالميتين وأمريكا اليوم، ومن النقاط الرئيسية التي تطرق إليها براونينغ هي أن صعود النازية كان إلى حد كبير إشارة تحذيرية من “الاستقطاب المفرط”.
كانت نخبة يمين الوسط الألمانية تكره الأحزاب اليسارية لدرجة أنها فضلت هتلر، الذي كان متطرفًا حتى بالنسبة لهم، وكانوا على استعداد لمنحه سلطات استثنائية لقمع الحريات المدنية في سبيل سحق الاشتراكية والشيوعية.
وبينما يركز براونينغ انتقاداته على النخب المحافظة – حيث يقارن السيناتور ميتش ماكونيل ببول فون هيندنبورغ، الرئيس الألماني الذي جعل هتلر مستشارًا – يخبرنا علم الاجتماع أن الاستقطاب يمكن أن يكون له تأثير مماثل على الناخبين.
في عام 2020، نشر عالما السياسة ماثيو غراهام وميلان سفوليك ورقة بحثية تختبر تأثير الاستقطاب على آراء المواطنين حول الديمقراطية. باستخدام بيانات عالية الدقة، خلص سفوليك وغراهام إلى أن عددًا قليلًا جدًا من الأمريكيين – حوالي 3.45 بالمائة – كانوا على استعداد للتصويت ضد مرشح من حزبهم المفضل حتى لو كان هذا المرشح منخرطًا في سلوك معادٍ للديمقراطية بشكل واضح.
يُجادل سفوليك وغراهام بأن ذلك هو نتيجةٌ للاستقطاب، فعندما تُكنّ كراهيةً شديدةً للطرف الآخر، تبدو رهانات الانتخابات السياسية عاليةً للغاية، ويكون الناخبون على استعدادٍ للتغاضي عن الانتهاكات الصارخة.
وكتب العالمان: “في المجتمعات المنقسمة بحدة، يضع الناخبون الأهداف الحزبية فوق المبادئ الديمقراطية”.
كان هذا التحليل مهمًا للغاية لفهم سبب فوز ترامب في 2024 حتى بعد وصمة 6 يناير/ كانون الثاني. أما اليوم، فهو يساعدنا في فهم كيف تعمل استراتيجيات ترامب الخطابية على تخدير الأمريكيين – وخاصة الجمهوريين – وتضمن تأييدهم للاعتداء على حرياتهم الأساسية.
المصدر: فوكس