ترجمة وتحرير: نون بوست
يعتمد تيك توك على خوارزمية تروج للمحتوى بناءً على تفاعل المستخدمين، مما يعني أن من يشاهد مقاطع حول الصحة النفسية سيجد نفسه محاطاً بفيض من المحتوى المشابه. وبينما تقدم بعض هذه المقاطع معلومات مفيدة، فإن كثيراً منها يبسط حالات معقدة، ما يؤدي إلى نشر معلومات مضللة وتشخيصات غير دقيقة.
على سبيل المثال، غالباً ما تختزل مقاطع الفيديو أعراض اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أو اضطراب الوسواس القهري في عبارات جذابة وسطحية. قد يخلق ذلك “حلقة تأكيد ذاتي“، حيث يبدأ المستخدمون في تفسير مشاعرهم العادية على أنها علامات لاضطراب نفسي، مما يؤدي إلى تشخيص ذاتي قائم على معلومات غير مكتملة.
ثقافة العلاج النفسي: بين التطبيع والتسطيح
ساهم انتشار ثقافة “العلاج النفسي” على تيك توك في تغيير وصمة الأمراض النفسية، لكنه أدى في الوقت ذاته إلى نوع من التسطيح، حيث يشارك صناع المحتوى، سواء كانوا مختصين أو هواة، أدوات ومفاهيم نفسية، لكنها غالباً ما تفقد دقتها العلمية عند تقديمها بطريقة مختصرة وسريعة.
ورغم أن هذا التطبيع يقلل من الوصمة، إلا أنه قد يؤدي إلى تحويل المشاعر اليومية العادية إلى اضطرابات نفسية. على سبيل المثال، قد يُنظر إلى الحزن بعد الانفصال على أنه اكتئاب، أو يُفسر التسويف على أنه اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.
هذا الخلط قد يؤخر الحصول على الرعاية الضرورية، حيث يعتمد المستخدمون على التشخيص والعلاج الذاتي استناداً إلى معلومات غير مكتملة.
مصيدة القبول الاجتماعي
يشجع تيك توك مستخدميه على البحث عن القبول والتفاعل من خلال الإعجابات والتعليقات والمشاركات، مما قد يعزز اتجاهات التشخيص الذاتي، حيث يجد المستخدمون تأييداً من أقرانهم بدلاً من مختصين مؤهلين.
تعزز خوارزمية المنصة هذا التأثير عبر حلقة تدفع المستخدمين نحو محتوى متزايد التطرف. على سبيل المثال، قد يبدأ مراهق بمشاهدة مقطع عن القلق، ليجد نفسه غارقاً في مقاطع عن اضطرابات الهلع أو اضطراب ما بعد الصدمة.
يمكن أن يؤدي ذلك إلى تفاقم المخاوف الموجودة مسبقاً، وإدخال المستخدم في دائرة من الوعي المفرط والشك الذاتي.
مخاطر المعلومات المضللة
يحمل التشخيص الذاتي عبر تيك توك مخاطر كبيرة، منها:
- التشخيص الخاطئ: قد يؤدي سوء تفسير الأعراض إلى علاجات غير مناسبة.
- التسطيح: يتم اختزال اضطرابات خطيرة مثل الاضطراب ثنائي القطب أو الفصام في قوالب نمطية.
- تأخير الرعاية: الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر للإرشاد قد يؤجل اللجوء إلى مختصين.
تشير الدراسات إلى أن أكثر من 83 بالمئة من النصائح النفسية على تيك توك مضللة (وايت، 2024). مع ذلك، يعتمد العديد من المستخدمين على هذه النصائح كحقائق مطلقة، وتزداد هذه المخاوف في ظل محدودية وصول جيل زد إلى خدمات الرعاية النفسية بأسعار ميسورة.
الجانب الإيجابي: التوعية وبناء المجتمع
رغم هذه المخاطر، هناك إيجابيات في محتوى تيك توك:
- زيادة الإدراك: تساهم مقاطع الفيديو في تعريف الجمهور بقضايا الصحة النفسية بطرق مبسطة وجذابة.
- المجتمع: تخلق شبكات الدعم بين الأقران إحساساً بالتضامن لمن يواجهون صعوبات نفسية.
- الدعوة للإصلاح: يساهم بعض صناع المحتوى في المطالبة بسياسات وموارد أفضل للصحة النفسية.
بالنسبة للبعض، يمثل تيك توك الخطوة الأولى نحو طلب المساعدة من المتخصصين، لكن التحدي يكمن في ضمان أن تؤدي هذه البداية إلى معلومات دقيقة ورعاية مناسبة.
تعزيز الوعي الرقمي
- لمواجهة أخطار تيك توك، يؤكد الخبراء على أهمية الوعي الرقمي من خلال:
- التقييم النقدي: تعليم المستخدمين كيفية التحقق من مصداقية المحتوى النفسي.
- الإرشاد العائلي: تشجيع النقاشات المفتوحة حول استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
- دور المختصين: حث المهنيين في مجال الصحة النفسية على تقديم محتوى دقيق وجذاب لمواجهة المعلومات المضللة.
كما أن على المنصات مثل تيك توك مسؤولية وضع إشارات تحذيرية على المحتوى المضلل والترويج لمصادر موثوق بها.
رغم أن تيك توك ساهم في جعل نقاشات الصحة النفسية أكثر انتشاراً، إلا أنه لا يمكن أن يكون بديلاً للتشخيص والعلاج لدى المتخصصين. من خلال تعزيز التفكير النقدي والوعي الرقمي، يمكننا مساعدة جيل زد على تجاوز المخاطر والاستفادة من الإمكانيات الإيجابية للمنصة.
المصدر: سايكولوجي توداي