في جانب بعيد من العالم، توجد دولة صغيرة جدًا، تدعى السلفادور، بلد في قلب أمريكا الوسطى، حكمه رئيسان من أصل فلسطيني، وتحضر فيه فلسطين بقوة في الواقع والتاريخ والشوارع، ويشهد فيه الإسلام نموًا مطردًا على مدى العقود القليلة الماضية، فكيف وصل المسلمون إلى هذا البلد؟
جاء المستعمر الإسباني إلى هذه الأرض الغارقة في الغموض منذ قرون، مدفوعًا بقوى مزدوجة من الغزو والتحول الديني، فحكم البلاد، وأباد الكثير من سكانها الأصليين، وتحول دين الناس هناك إلى المسيحية، وأصبح اسم هذا البلد “بلد المسيح مخلص العالم”، ثم اُختصر لاحقًا إلى “المخلص” (El Salvador).
ترسخت مظاهر الكاثوليكية في كل جانب من جوانب الحياة، بينما مُحيت أي آثار للمعتقدات الأخرى، سواءً كانت محلية أو أجنبية بشكل منهجي، وأصبحت الكنيسة المؤسسة المركزية، والحاكم على الأخلاق، والضامن للإيمان.
لكن تحت سطح هذه الجمهورية ذات الأغلبية الكاثوليكية والكثافة السكانية الأكبر في أمريكا الوسطى، تكمن قصة ظلت طي الكتمان لقرون، تهمس في أروقة الزمن، متحديةً الصمت الذي فرضه التاريخ على مدار قرون هيمنت خلالها الكنيسة الكاثوليكية على جميع مناحي الحياة في البلاد.

بذور الإسلام في تربة أمريكا الوسطى
لفهم جذور الإسلام في السلفادور، علينا أن ننظر إلى أنماط الهجرة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فخلال تلك الفترة، ومع إعادة تشكيل العالم بفعل الحروب والثورات والاضطرابات الاقتصادية، وصلت أعداد كبيرة من المهاجرين العرب إلى السلفادور، معظمهم من فلسطين ولبنان وسوريا، بحثًا عن حياة جديدة في الأمريكتين، إلا أن الغالبية العظمى منهم كانوا مسيحيين.
ومع وجود بعض العائلات المسلمة بين هؤلاء المهاجرين الأوائل، إلا أن أعدادهم كانت قليلة، ولم تُوثّق ممارساتهم الدينية على نطاق واسع، ما جعل الإسلام في السلفادور دينًا يكاد يكون غائبًا عن الأنظار في البلاد لسنوات عديدة، وظل تيارًا خفيًا هادئًا، لم يُعره التيار السائد اهتمامًا يُذكر لعقود.
لم يبدأ الإسلام في أرض بعيدة كل البعد عن تقاليد الشرق الأوسط بمسجد كبير أو تصريحات علنية، بل بتجمعات هادئة في غرف مستأجرة، وكانت العائلات المسلمة تجتمع للصلاة وممارسة عقيدتها، وكان ذلك إيمانًا خاصًا يُمارس خلف أبواب مغلقة بعيدًا عن أعين مجتمع لم يكن يعرف الكثير عن الإسلام.
وبحلول منتصف القرن العشرين، كان المجتمع الإسلامي في السلفادور قد نما بما يكفي لإنشاء دار عبادة، فقد بُني أول مسجد في العاصمة سان سلفادور، وأصبح مركزًا حيويًا للمجتمع، ومكانًا يجتمعون فيه، ويصلُّّون، ويربون أطفالهم على تعاليم دينهم.
كان هذا المسجد المتواضع أكثر من مجرد مبنى، لقد كان هوية مجتمعٍ لطالما أخفى إيمانه، ففيه كان بإمكانهم التحدث بلغتهم، وممارسة عاداتهم، وتعليم أطفالهم مبادئ الإسلام، ومع ذلك، ظلوا إلى حد كبير غير مرئيين للمجتمع الأوسع، أقلية داخل أقلية تمارس دينها في دولة ذات أغلبية كاثوليكية.
الأقلية المتنامية
عندما يتعلق الأمر بعدد المسلمين في السلفادور، تتفاوت التقديرات بشكل كبير، حيث تشير بعض المصادر إلى أن عدد المسلمين في البلاد يتراوح بين 1000 و1500 نسمة، إلا أن هذا الرقم قد يصل إلى 18 ألف نسمة، ويعود هذا التباين إلى عدم وجود مسوحات رسمية على مستوى البلاد تركز على الأقليات الدينية.
بغض النظر عن العدد الدقيق، من الواضح أن الجالية المسلمة في السلفادور آخذة في النمو، وفي حين أن المسلمين هناك لا يزالون يشكلون جالية صغيرة، إلا أن وجودهم متجذر بعمق في التاريخ والإيمان والمساهمات الثقافية الإسلامية.
يتكون جزء كبير من السكان المسلمين من مهاجرين، لا سيما من اليمن وأجزاء أخرى من الشرق الأوسط، وصل العديد منهم على دفعات خلال العقود القليلة الماضية بحثًا عن فرص جديدة، وخطط بعضهم في البداية للهجرة إلى أبعد من ذلك، لكنهم استقروا في النهاية في السلفادور، وأسسوا مجتمعاتهم، مع الحفاظ على هويتهم الدينية.
وفي مجتمع يعرّف غالبية السكان أنفسهم بأنهم مسيحيون كاثوليك أو إنجيليون، بدأ هؤلاء المهاجرون بهدوء في بناء حياتهم، ففتحوا متاجر، واندمجوا في الاقتصاد المحلي، ثم شكَّلوا تدريجيًا مجتمعات متماسكة، ورغم قلة عددهم، حملوا معهم تقاليد وطنهم، وممارساتهم الثقافية، ولغاتهم، وحمل بعضهم الدين الإسلامي.
مع ذلك، لا يقتصر الإسلام في السلفادور على المهاجرين فحسب، بل هناك أيضًا عدد ملحوظ من السلفادوريين الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام، ما يعكس الاهتمام المتزايد بالدين بين السكان المحليين، ويأتي هؤلاء من خلفيات مختلفة، ويجدون في الإسلام مسارًا روحيًا يتردد صداه في نفوسهم.
وفي السنوات الأخيرة، وجد عدد السلفادوريين الذين ولدوا على الديانة الكاثوليكية أنفسهم ينشأون على الإسلام. هذه التحولات، وإن كانت لا تزال قليلة العدد، إلا أن اعتناق هوية دينية جديدة أمر بالغ الأهمية في أرضٍ سادت فيها الكاثوليكية لقرون.
وعندما يتعلق الأمر بمكان عيش المسلمين في السلفادور، فإن الأغلبية تقيم في المناطق الحضرية، وخاصة في العاصمة سان سلفادور، حيث تلبي العديد من المساجد والمراكز الإسلامية احتياجات المجتمع المتنامي.
ولم تُنشأ رسميًا أول مؤسسة إسلامية مهمة إلا عام 1994. في ذلك العام، افتُتح المركز الإسلامي العربي السلفادوري في سان سلفادور، إيذانًا ببداية وجود إسلامي منظم في البلاد.
تأسس هذا المركز على يد مزيج من المواطنين السلفادوريين وأفراد من أصول فلسطينية سعوا إلى خلق مساحة حيث يمكن للمجتمع الإسلامي المتنامي أن يجتمع معًا للصلاة والدراسة والفعاليات المجتمعية.
بعد عقد من الزمان، وتحديدًا في عام 2004، اُتخذت خطوة هامة أخرى بتأسيس مركز آخر، وهو مركز فاطمة الزهراء، الذي لم يقتصر دوره على العبادة فحسب، بل أصبح أيضًا مركزًا لنشر المعرفة الإسلامية، ولعب دورًا محوريًا في نشر أول مجلة إسلامية في أمريكا الوسطى، وأنشأ أول مكتبة إسلامية في البلاد.
كانت هذه المبادرات تهدف إلى تثقيف المسلمين وغير المسلمين حول الدين، مقدمةً موردًا قيّمًا لأي شخص مهتم بمعرفة المزيد عن الإسلام، وبفضل مبادرات أخرى مثل التعليم الإسلامي في السلفادور، والدراسات الإسلامية، وانتشار الأدب الإسلامي، يزداد عدد الأشخاص الذين يتعلمون عن الدين وقيَمه.
وفي عام 2007، بُني أول مسجد في سان سلفادور، وهو مسجد “دار إبراهيم” الذي يخدم في المقام الأول المسلمين السنَّة، وعلى عكس المساجد التقليدية ذات القباب والمآذن، يُشبه تصميمه منزلًا بسيطًا، ومع ذلك، يعد مكانًا رئيسيًا لإقامة صلاة الجمعة والأنشطة الدينية وبرامج التوعية المجتمعية في السلفادور.

ومع ذلك، فإن سان سلفادور ليست المكان الوحيد الذي يتواجد فيه الإسلام، ففي سانتا آنا، وهي مدينة مهمة أخرى في السلفادور، يوجد مسجد يُعرف باسم “فلسطين”، مما يدل على أن المجتمع الإسلامي لا يقتصر على العاصمة، بل ينمو أيضًا في مناطق أخرى.
لا تقتصر هذه المساجد والمراكز الإسلامية في البلاد على كونها أماكن للعبادة فحسب، بل تعد أيضًا مراكز مجتمعية يجتمع فيها الناس لتعلم وتعزيز إيمانهم، وتهد كذلك أماكن تجمع رئيسية حيث يمكن للمسلمين ممارسة عقيدتهم، والتعرف على التعاليم الإسلامية، والمشاركة في الأنشطة الخيرية في جميع أنحاء البلاد.
وتُنظم هذه المراكز صلاة الجمعة، وتقدم دروسًا في التعاليم الإسلامية، وحتى دورات في اللغة العربية، مما يُتيح للمسلمين القدامى والمهتدين الجدد تعميق معرفتهم بالدين، وتدير أيضًا برامج تعليمية حول العقيدة والتاريخ الإسلاميين، وتلعب دورًا حاسمًا في تعزيز الفهم وضمان الحفاظ على التقاليد الإسلامية ونقلها إلى الأجيال القادمة.
وتعمل المنظمات وقادة المجتمع على نشر الوعي بالإسلام، وكسر الصور النمطية وتشجيع الحوار الداخلي، ويتم أيضًا نشر الأدبيات والمعلومات الإسلامية على نطاق أوسع في السلفادور من خلال المنشورات على منصات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
ومن أهم مكونات حياة المسلمين في السلفادور العمل الخيري والاجتماعي، حيث يشارك العديد من المسلمين هناك في مبادرات تهدف إلى مساعدة المحتاجين، سواءً كانوا مسلمين أو من خلفيات دينية أخرى.
وينشط مركز فاطمة الزهراء الإسلامي بشكل خاص في هذه المساعي الخيرية، وينظم مشاريع تشمل تقديم مساعدات غذائية ومالية وإمدادات أساسية للمجتمعات المحرومة، وتعود بالنفع على المسلمين وغير المسلمين على حد سواء.
فلسطين حاضرة
على الرغم من كونهم أقلية صغيرة، يرتبط المسلمون في السلفادور ارتباطًا وثيقًا بدينهم، ويواصلون المساهمة في المشهد الديني المتنوع في البلاد، ويحافظون على هويتهم الدينية، مع تعزيز الاحترام المتبادل والتفاهم مع المجتمع السلفادوري الأوسع.
لكن أحد الجوانب التي تُطرح غالبًا في النقاشات حول الإسلام في السلفادور هو الجالية الفلسطينية، ففي حين تعد أمريكا اللاتينية موطنًا لأكبر عدد من الفلسطينيين خارج العالم العربي، يعيش حوالي خُمسهم في السلفادور، وينحدر العديد من السلفادوريين الفلسطينيين من جزء واحد فقط من فلسطين، وهو مدينة بيت لحم الواقعة بين مدينتي الخليل والقدس.
ورغم أن أعدادهم الدقيقة غير معروفة، إلا أن هناك تقديرات بأن ما يقرب من 100 ألف شخص من أصول فلسطينية يعيشون في السلفادور، ويفوق عدد الفلسطينيين في السلفادور عدد سكان بيت لحم حاليًا، تلك المدينة المهددة بالمستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية، ولكن كيف وصلوا جميعًا إلى هناك؟
قَدِم الفلسطينيون إلى السلفادور في أواخر القرن التاسع عشر، وبدأوا في العمل باعة وتجار بسطاء متجولين، ولأنهم وصلوا بجوازات سفر تركية عثمانية، أُطلق عليهم اسم “لوس توركوس” أو “الأتراك” رغم كونهم عربًا من الشام، ولا يزال هذا المصطلح مستخدمًا حتى يومنا هذا، ويحمل أحيانًا دلالة سلبية.
في تلك الفترة، واجه هؤلاء الوافدين الجدد اضطهادًا عرقيًا وتمييزًا واضحًا وعنصرية مؤسسية وكراهية للأجانب، لا سيما من قِبل “الكريول” أو النخبة ذات الأصول الأوروبية، وترسخت حالة التمييز بينهم وبين المهاجرين من أصول أوروبية بعد انخراطهم في التجارة الصغيرة بين المدن والقرى.
وبعد أقل من 4 عقود على وصولهم، صدرت قوانين تمييزية ضدهم، ففي عام 1921، أدَّى تعديل على قانون الهجرة السلفادوري إلى تصنيف الصينيين والعرب على أنهم “أشرار”.
وفي عام 1933، أصدر الديكتاتور ماكسيميليانو هيرنانديز مارتينيز قانونًا للهجرة حظر فيه وصول السود والآسيويين والمهاجرين الجدد من شبه الجزيرة العربية ولبنان وسوريا وفلسطين وتركيا، والمعروفين عمومًا باسم “الترك”.
بعد 3 سنوات، ذهبت الحكومة إلى أبعد من ذلك، فحظرت على الصينيين والعرب فتح أعمال تجارية جديدة “لحماية المصالح الوطنية”، وتضرر السلفادوريون الفلسطينيون بشدة من هذا القانون لأن العديد منهم كانوا رجال أعمال مبتكرين.
واليوم، يمتلك السلفادوريون الفلسطينيون العديد من الشركات البارزة في السلفادور، وقد اندمجوا تمامًا في المجتمع السلفادوري، ورغم أن معظمهم لا يتحدثون العربية، إلا أنهم ما زالوا يحتفون بجذورهم.
وفي العاصمة سان سلفادور، يتخذ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من الأماكن العامة ساحة له، وتظهر فلسطين بأشكال مختلفة، فثمة ميدان عام أسسه السلفادوريون من أصول فلسطينية، أسموه “ميدان فلسطين”، تظهر فيه الخريطة كاملة من النهر إلى البحر، ولا وجود لما يسمى “إسرائيل”.
على الجهة الأخرى، وعلى بعد 200 متر فقط، ميدان آخر يحمل اسم “إسرائيل”، وهناك ميدان ثالث يقف فيه تمثال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات إلى جوار العلم الفلسطيني، يتوسط هذا الميدان شارعًا باسم “القدس”، والتسمية مكتوبة بالعربية والعبرية.

على الرغم من العدد الكبير من السكان الفلسطينيين، مارست “إسرائيل” تاريخيًا نفوذًا كبيرًا على السلفادور، من خلال علاقتها القوية مع الحكومات اليمينية المتطرفة التي حكمت السلفادور طوال معظم تاريخها.
من عام 1975 إلى عام 1979، وهي السنوات التي سبقت الحرب الأهلية في السلفادور التي استمرت 12 عامًا، كانت 83% من واردات السلفادور العسكرية تأتي من “إسرائيل”، كما ساعد الإسرائيليون في تدريب الشرطة السرية (ANSESAL) التي أرست أسس “فرق الموت” خلال حرب السلفادور.
وساهم السلفادوريون الفلسطينيون في رسم ملامح السياسة المعاصرة للبلاد، ولم تمنعهم معاناتهم من الوصول إلى مكانة مرموقة، فقد كان أول رئيس للسلفادور من أصل فلسطيني هو أنطونيو السقا، ذو الميول اليمينية المتطرفة.
عندما فاز في انتخابات عام 2004، تغلب على شفيق حنضل، وهو سلفادوري آخر من أصول فلسطينية ينتمي إلى حزب “جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني” اليساري، وكان قائدًا بارزًا في حرب العصابات، وتفاوض على اتفاقيات السلام لعام 1992 التي أنهت الحرب الأهلية في السلفادور، ودُفن بعد وفاته مع أعلام فلسطين والسلفادور والحزب الشيوعي.
وفي عام 2019، فاز السياسي ورجل الأعمال السلفادوري نجيب بقيلة في انتخابات السلفادور، ليصبح ثاني زعيم من أصل فلسطيني في البلاد، لكن على الرغم من هويته الفلسطينية، إلا أنه يحافظ على علاقة وطيدة مع “إسرائيل”، ففي عام 2015، عندما كان رئيسًا لبلدية سان سلفادور، وصفه السفير الإسرائيلي في السلفادور بأنه “شريك للتعاون”، وفي عام 2018، سافر في رحلة برعاية الحكومة الإسرائيلية لحضور المؤتمر الدولي لرؤساء البلديات في “إسرائيل”.
أرض التناقضات.. مسجد دون مسلمين
على عكس العديد من الدول التي امتد حضور الإسلام فيها لقرون، كان للإسلام في السلفادور تاريخ حديث ومتواضع نسبيًا، فقد تطور هناك على مدى العقود القليلة الماضية، وشكلت صلات الرؤساء ذوي الأصول الفلسطينية سردية ملهمة.
تبدأ القصة عبر رجل الأعمال أرماندو بقيلة، وهو أحد أبناء مهاجرين مسيحيين من فلسطين، التي كانت تتبع حينها الدولة العثمانية، جاءوا مطلع القرن العشرين بحثًا عن حياة أفضل.
والدة أرماندو من مواليد بيت لحم (الموطن الأصلي للعديد من السلفادوريين الفلسطينيين) لعائلة كاثوليكية، ووالده من مواليد القدس الشريف لعائلة أرثوذكسية، هاجرت عائلتهما، والتقيا في السلفادور، وتزوجا هناك، وعاشت الأسرة حياة كاثوليكية.
بدأت حكاية أرماندو مع الإسلام داخل مدرسة مسيحية مريمية حين كان طفلاً يدرس مع إخوته، واتهمه معلمه بالإسلام، ومنذ ذلك الحين، ظل اتهامه بالإسلام يطارده حتى شبابه، حين قرر أن يقرأ عن هذه “التهمة”.
أسلم أرماندو حين كان في الـ27 من عمره، ثم قرر لاحقًا بناء أول مسجد في السلفادور “مسجد النور”، لكن ما الذي يمكن أن يقدمه مسجد دون مسلمين باستثناء الإمام في بلد كاثوليكي كهذا؟
رأى أرماندو أن فتح النقاشات هو الوسيلة الأهم لكسر الحواجز والتعريف بالإسلام والمسلمين، فأطلق برنامجًا تلفزيونيًا بعنوان “توضيح المفاهيم”، ليتحدث فيه عن الإسلام، وعن وطنه الأم فلسطين.
اتسعت رقعة الإسلام في السلفادور حتى وصل إلى مجتمعات بعيدة عن العاصمة، أهمها في بلدة ناويسالكو، التي عانت باستمرار منذ وصول الاستعمار الإسباني الدموي، وتقطنها مجموعات من قبائل السكان الأصليين، ووصل الإسلام إلى هذا المجتمع حين طلب أحد زعمائه مساعدات من أرماندو، فوافق فورا على منحهم المساعدات.
المساجد التي بناها أرماندو، واستكملها نجله إيمرسون، زعيم مجتمع المسلمين في السلفادور، وصل عددها إلى 4 في السلفادور، إضافة إلى مسجد في كل من جواتيمالا وهندوراس، أما نجيب أخو إيمرسون، فلم ينفصل عن تاريخ هذه العائلة.
نجيب أيضًا لاحقته تهمة اعتناق الإسلام، حين ظهرت له صور قديمة يؤدي فيها الصلاة مع إخوته، لكنه تجاهل ما اعتبره دعاية سياسية مضادة بإجابات ذكية، وتمكن في النهاية من الوصول إلى كرسي الرئاسة في بلد المسيح المخلص.
وصول نجيب بقيلة إلى رئاسة السلفادور مثَّل منعطفًا جديدًا للمجتمع الفلسطيني السلفادوري، لكن ردود الفعل حوله جعلته منعطفًا مجهول الملامح، فرغم أصوله الفلسطينية، إلا أنه زار القدس المحتلة بدعوة رسمية من “إسرائيل”، وأدى طقوس يهودية عند حائط البراق.
في فترة سابقة كانت السلفادور واحدة من دولتين فقط توجد سفارتاهما في القدس المحتلة، لكن الأمر لم يبق على حاله، فمع وصول أنطونيو السقا ذي الأصول الفلسطينية إلى رئاسة السلفادور، تغيرت العلاقة، وانتقلت السفارة إلى تل أبيب.
وكما يبدو التناقض جليًا بين موقف نجيب ووالده، الذي كان أحد أهم المدافعين عن القضية الفلسطينية في أمريكا الوسطى، يضج هذا البلد الصغير بالعديد من التناقضات والأمور الغريبة، حيث يلتقي الماضي بالحاضر، وتمتزج المعتقدات القديمة بالهويات الحديثة التي اقترنت بالجريمة والعنف الذي بات تقليدًا في كل حي سلفادوري كإرث ثقيل من الحرب الأهلية.
من بلد الجريمة إلى الأمان
عند الحديث عن السلفادور، فإن الذاكرة تأخذنا برحلة سريعة لمشاهد الدماء والقتل ولقطات السرقة والمخدرات وخبايا السجون ونفوذ العصابات القوية التي سيطرت على مساحات شاسعة، وابتزَّت أيضًا المجتمعات والشركات وحتى الجماعات الدينية.
أما اليوم، فإن السلفادور باتت تنافس كندا على لقب البلد الأكثر أمنًا في الأمريكيتين، فكيف انقلب الحال في بلاد الجريمة لتصبح أرضًا خصبة للأمان؟
مع تسلم تسلَّم الرئيس نجيب بقيلة زمام الأمور في السلفادور، تعهدً بسحق رؤوس عصابات الخطف والجريمة، واتخذت الحكومة في نهاية المطاف إجراءات متطرفة ببناء أكبر سجن وتطبيق سياسات أمنية صارمة.
للقضاء على هذه الجماعات الإجرامية، خاض بقيلة ما هو أشبه بسياسة الأرض المحروقة، وتعهد بمضاعفة حجم الجيش، وسيطر على البرلمان، وأرسل قوات مسلحة رابطت في أكثر الشوارع خطورة، وأصدر قانونًا قضائيًا يلغي حق المواطن بالمساءلة عند اعتقاله، ما أتاح للسلطة اعتقال ما تريد بالوقت التي تريد، وسخَّر ميزانية السلفادور لخدمه الجيش والشرطة ومراكز الأمن وتوابعها، وحذر دول الجوار من التدخل بشؤون بلاده، وزرع على الحدود قوات مهمتها فقط رصد الخارج والداخل من الأفراد.
أثارت قبضة بقيلة الحديدية الرعب في سكان أحياء العاصمة، فعمليات الاعتقال تجاوزت 80 ألف شخص عام 2022، السنة التي أعلن فيها عن حالة طوارئ لاجتثاث الجريمة، وإحلال الأمن، وهو الأمر الذي نجح فيه لاحقًا بعدما كانت السلفادور عاصمة جرائم القتل في العالم عام 2015 حيث سجلت أكثر من 6500 جريمة قتل آنذاك مع أضعاف هذه الأرقام من جرائم السرقة وغيرها.
بقلية الرئيس “المودرن” الذي يهتم بالسوشيال ميديا كثيرًا، ولا يتجاوز عمره 43 عامُا، نجح خلال سنوات بتحويل السلفادور لبلد آمن حيث انخفضت معدلات الجريمة عام 2019 إلى حوالي النصف مقارنة بعام 2018.
وانخفض عدد جرائم القتل بنسبة 70% عام 2023، وفقًا لأرقام الحكومة، وهو أدنى معدل جرائم قتل في البلاد منذ 3 عقود لكن هذا كان بفاتورة ألقت بظلالها على جوانب أخرى في السلفادور.
على ألسنة السلفادور أنفسهم، يروي مقال للرأي كُتب في صحيفة “وال ستريت جورنال” كيف عانت آلاف العائلات من الظلم بعد حملة الاعتقالات الشرسة التي خاضتها السلطة يمينًا وشمالاً، فاختلط البريء بالمجرم، وسُجن الآلاف وهم أبرياء لمجرد أن الحكومة شكَّت بتورطهم بجريمة ما، وكان بينهم آلاف الأطفال الذين لم يعودوا ديارهم حتى اليوم.
هُمِّش المثقفون والمعارضون تمامًا حتى أن أكبر جامعه في البلاد، وهي جامعة السلفادور، باتت تعاني نقصًا حادًا في التمويل، وعلَّقت فصولها الدراسية، وبات الحرم الجامعي مخصصًا لمسابقات الرياضة وغيرها من الأنشطة.
في العموم، دفع المواطن في السلفادور ضريبة الأمان في نواحي أخرى لكنه حصد في المقابل ما كان يراه حلمًا في بلاد القتل، وبات رئيس البلاد الذي أُعيد انتخابه العام الماضي “ساحرًا بقبضة من حديد”، ويحظى بدعم شعبي تجاوز وفق استطلاعات الرأي حاجز 90%، بل إن بلدانا مثل تشيلي والأرجنتين باتت تطالب بحاكم مثله، وبنهج حكومي يشبه نهج السلفادور.
بالنسبة للمسلمين السلفادوريين، انعكست هذه الحملة الأمنية إبجابيًا عليهم، إذ سمحت لهم بممارسة شعائرهم الدينية دون خوف من الابتزاز أو تقييد الوصول إلى المساجد، ووفرت الأمن، وعززت بيئة أكثر سلمية للحياة الدينية، بما يتماشى مع التعاليم الإسلامية الداعية إلى النظام والوئام المجتمعي.
تحديات ماثلة
باعتبارهم أقلية في دولة ذات أغلبية مسيحية، يواجه المسلمون السلفادوريون أحيانًا سوء فهم وصورًا نمطية سلبية، إضافةً إلى ذلك، يواجه بعضهم التمييز من خلال السخرية من الألقاب أو الارتباط بجماعات متطرفة لا صلة لهم بها، وغالبًا ما يكون المظهر الجسدي، كالزي التقليدي، سببًا لمثل هذه المعاملة.
يعد نقص الوعي العام بالإسلام تحديًا رئيسيًا، إذ لم يسبق لكثير من السلفادوريين التفاعل مع المسلمين، لذا غالبًا ما تعتمد تصوراتهم على مصادر غير دقيقة، حتى أن البعض يرفض المعلومات المتعلقة بالإسلام رفضًا قاطعًا، مما يعكس التأثير العميق للصور النمطية، ويغذّي مخاوف وتحيزات لا أساس لها.

ومع ذلك، يكفل القانون السلفادوري الحرية الدينية لجميع المواطنين، ويحظر دستور البلاد صراحةً التمييز على أساس المعتقدات الدينية، ما يضمن للمسلمين، كغيرهم من أتباع الديانات الأخرى، ممارسة أنشطتهم وشعائرهم الدينية علانية وبحرية، وإنشاء أماكن عبادة دون قيود قانونية.
ويسمح عدم وجود قيود رسمية على الممارسات الدينية للمجتمع المسلم، وإن كان صغيرًا، بإدارة المساجد والمراكز الإسلامية والأنشطة الدينية دون تدخل من الدولة.
مع ذلك، لا تزال هناك تحديات، حيث يثير تصاعد الإسلاموفوبيا في أمريكا اللاتينية مخاوف بشأن حالات من التضليل والتحيز التي تعكس اتجاهات إقليمية أوسع، ومع ذلك، يعزز الحوار بين الأديان في السلفادور التفاهم بين الجماعات الدينية، مبرزًا التنوع الديني في السلفادور كقوة لا انقسام.
وعلى عكس بعض المناطق التي تتنامي فيها هذه الظاهرة، لا يوجد في السلفادور تاريخ يُذكر من المشاعر المعادية للمسلمين أو أنشطة معادية للإسلام، تتضاءل الأدلة على وجود جماعات منظمة مناهضة للمسلمين أو تمييز ممنهج ضدهم، ولا توجد قوانين أو سياسات معروفة تستهدف المسلمين تحديدًا، ولا توجد حركة مجتمعية واسعة النطاق ضد الإسلام.
ومع ازدياد انفتاح المجتمع على المعلومات الدقيقة عن الإسلام، وتزايد توافر الموارد الإسلامية وإنشاء المساحات المجتمعية، يُتوقع أن يحظى المسلمون السلفادوريون بقبول أكبر، ويكتسب الإسلام حضورًا أكثر وضوحًا وتنظيمًا في البلاد.
وفي الوقت الحالي، لا يزال هذا المجتمع المسلم الصغير في السلفادور قائمًا، ويواصل نموه واندماجه في هذا الدولة الصغيرة النائية ومجتمعها رغم محدودية المرافق، محافظًا على هويته الدينية، حتى أصبح الإسلام من جذوره التاريخية إلى ممارساته اليومية، ومن أماكن عبادته إلى التحديات التي يواجهها، جزءًا معترفًا به بشكل متزايد من المجتمع السلفادوري.