تشهد العاصمة الأمريكية، واشنطن عاصفة تعرف بـ”فضيحة سيغنال”، حيث استخدم مسؤولون بارزون في إدارة الرئيس دونالد ترامب تطبيقًا تجاريًا للتواصل فيما بينهم وتبادل الأخبار والأفكار حول الضربات الأمريكية على اليمن.
الواقعة التي أثارت صدمة وجدلًا كثيفًا، كشفتها مجلة “ذي أتلانتيك” الأمريكية إذ نشرت تفاصيل محادثة سرية جرت على تطبيق “سيغنال”، ضمّت مسؤولين رفيعي المستوى في إدارة ترمب من بينهم نائبه جي دي فانس ووزير الدفاع بيت هيغسيث ومدير وكالة المخابرات المركزية CIA جيم راتكليف، إلى جانب مستشار الأمن القومي مايكل والتز، وتناولت المحادثة خططًا يفترض أنها سرية لضربات عسكرية ضد جماعة الحوثي في اليمن بهدف حماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وفقًا لتوصيف الإدارة الأمريكية.
حدثت الفضيحة بعدما أضاف والتز رئيس تحرير المجلة، جيفري غولدبيرغ، وآخرون إلى مجموعة Houthi PC small group عن طريق الخطأ، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه للتشكيك في جدوى الاعتماد على التطبيقات التجارية، حتى ولو كان تطبيق سيغنال الذي يوصف بأنه “الأكثر أمانًا”.
وأشار جولدبرج في مقال نشرته المجلة حول كيفية إضافته إلى محادثة تضم 18 شخصًا على التطبيق في وقت سابق من هذا الشهر لمناقشة الضربات العسكرية في اليمن، موضحًا أنه في البداية “لم يعتقد أن المجموعة حقيقية” عندما تلقى يوم الثلاثاء، 11 مارس/آذار طلبًا للاتصال عبر تطبيق “سيغنال” من مستخدم عرّف نفسه باسم “مايكل والتز”.
وكشف أنه خطر بباله أن يكون هناك شخص ما يتظاهر بأنه مستشار الأمن القومي “والتز” في محاولة للإيقاع به، خاصة في ظل محاولات استدراج الصحفيين للكشف عن معلومات قد تُستخدم ضدهم، وفي ظل العلاقة المتوترة بين إدارة ترمب والصحفيين.
في النهاية، قرر جولدبرج قبول الطلب، على أمل أن يكون هو مستشار الأمن القومي، وأنه يريد مناقشة مواضيع مهمة مثل أوكرانيا أو إيران أو غيرها من القضايا الكبرى، ثم بعد يومين، تلقى إشعارًا يفيد بأنه تم إضافته إلى مجموعة محادثة عبر تطبيق “سيجنال” تحت اسم “مجموعة الحوثيين – لجنة تنسيق مصغرة”.
في أول رسالة من مستشار الأمن القومي جاء النص التالي: “فريق العمل – نقوم بتشكيل مجموعة مبادئ للتنسيق بشأن الحوثيين، لا سيما خلال الـ 72 ساعة القادمة. نائبي أليكس وونغ يقوم بتجميع فريق طوارئ على مستوى نواب الوزراء ورؤساء الأركان بالوكالات لمتابعة النقاط التي نوقشت في اجتماع غرفة العمليات هذا الصباح، وسيرسل التحديثات لاحقًا هذا المساء.”
ثم أضاف في رسالته: “يرجى تزويدنا بجهة اتصال من فريقكم للتنسيق خلال اليومين القادمين وعطلة نهاية الأسبوع. شكرًا”.
وتابع أنه بعد تلقي رسائل القروب “مجموعة الحوثيين – لجنة تنسيق مصغرة”، استشار عددًا من زملائه لمناقشة احتمال أن تكون هذه الرسائل جزءًا من حملة تضليل، مثل جهاز استخبارات أجنبي أو منظمة إعلامية تبحث عن إثارة الجدل، مثل المجموعات التي تحاول وضع الصحفيين في مواقف محرجة.
وما ضاعف من شكوك جولدبرج في أن تكون هذه المجموعة النصية حقيقية أنه لم يصدق أن قيادة الأمن القومي في الولايات المتحدة قد تتواصل عبر سيغنال بشأن خطط حرب وشيكة، كما أنه لم يستوعب أن مستشار الأمن القومي للرئيس قد يكون متهورًا إلى درجة أنه يضم رئيس تحرير مجلة “ذي أتلانتك” في مثل هذه المناقشات مع كبار المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم نائب الرئيس.
وزير الدفاع الامريكي بيستخدم Signal، مش بشكل شخصي، لا، دا شارك عليه بيانات الضربة اللى عملها الجيش الامريكي على اليمن واللى تمت يوم ١٥ مارس ٢٠٢٥ قبل ما تحصل في جروب خاص وحد قام ضايف صحفي (بالغلط) للمجموعة!
دا اللى اتكلمت عليه فى بوست اختراق واتساب من يومين وكان السيناريو “تخيلي”…
— ₿asset (@SymbianSyMoh) March 24, 2025
هل “سيغنال” تطبيق آمن؟
يُعد تطبيق “سيغنال” تطبيقًا مشفرًا ومجانيًا مفتوح المصدر لأنظمة تشغيل أندرويد وiOS وكذلك لأنظمة تشغيل كمبيوتر سطح المكت، حيث يحظى بشعبية واسعة بين الصحفيين وغيرهم من الأفراد الذين يسعون إلى ضمان خصوصيتهم بعيدًا عن التطبيقات الأخرى مثل واتساب التطبيق الأكثر شعبية.
ذلك أن خدمة المراسلة التي يوفرها “سيغنال” آمنة تستخدم تشفيرًا كاملًا من البداية إلى النهاية، ما يعني أن مزود الخدمة (شركة الاتصالات) لا يستطيع الوصول إلى المحادثات والمكالمات الخاصة للمستخدمين على تطبيقه وقراءتها، وبالتالي ضمان خصوصية مستخدميه، وفقًا لصحيفة الغارديان البريطانية.
على عكس تطبيقات المراسلة الأخرى، لا يتتبع تطبيق “سيغنال” بيانات المستخدم أو يخزنها، البيانات الوحيدة الخاصة بالمستخدم التي يتم تخزينها على خوادم التطبيق هي أرقام الهواتف، وتاريخ بدء استخدام التطبيق ومعلومات تسجيل الدخول الأخيرة.
كما لا تستخدم الشركة أي إعلانات أو مسوقين تابعين، ولا تتبع بيانات المستخدمين، وإضافة إلى ذلك تمنح المستخدمين أيضًا إمكانية إخفاء أرقام هواتفهم عن الآخرين، واستخدام رقم أمان إضافي للتحقق من أمان رسائلهم، بحسب المصدر السابق.
للأسباب أعلاه، يستخدم تطبيق “سيغنال” على نطاق واسع من قبل أنصار الخصوصية والناشطين السياسيين، حيث تحوّل في السنوات الأخيرة من تطبيق مراسلة غير مألوف يستخدمه المعارضون إلى شبكة سرية للصحافيين ووسائل الإعلام، ثم إلى أداة مراسلة للوكالات والمنظمات الحكومية.
وشهدت الشركة نموًا “غير مسبوق” في عام 2021 بعد تغيير مثير للجدل في شروط الخصوصية الخاصة بشركة “واتساب” المنافِسة، إذ انسحب دعاة الخصوصية من واتساب؛ بسبب مخاوف من أن يضطر المستخدمون إلى مشاركة بياناتهم مع كل من “فيسبوك” و”إنستجرام”.
وتصنف وكالة رويترز تطبيق “سيغنال” كأحد الأدوات التي يمكن للمرشدين استخدامها لمشاركة إرشادات إخبارية سرية مع صحفييها، مع الإشارة إلى أنه “لا يوجد نظام آمن بنسبة 100%”.
ويدرج منتدى مجتمع “سيغنال”، وهو مجموعة غير رسمية تنص على أن إدارتها تتكون من موظفي الشركة، المفوضية الأوروبية أيضًا كمستخدم للتطبيق.
وقال بن وود، كبير المحللين في شركة “سي.سي. إس إنسايت”، إنه “على الرغم من أن سيغنال يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه يوفر اتصالات آمنة للغاية للمشتركين بسبب تشفيره الشامل، ولأنه يجمع القليل جدًا من بيانات المستخدم، فإن من الصعب تصديق أنه مناسب لتبادل الرسائل المتعلقة بالأمن القومي”، في إشارة إلى الاختراق الذي شمل كبار مساعدي ترمب، الذين ناقشوا خططًا لشن ضربات عسكرية على الحوثيين في اليمن.
الحكومات تستخدم أنظمة خاصة
لعل السؤال الذي يبرز هنا وهو ما أثار تساؤلات الرأي العام في الولايات المتحدة وخارجها: لماذا يلجأ مسؤولو حكومة دولة مثل الولايات المتحدة إلى استخدام تطبيق عام مجاني للتواصل بينهم؟
أبدى حسين- خبير أنظمة اتصالات استغرابه من لجوء المسؤولين الأمريكيين إلى استخدام تطبيق سيغنال، مبينًا أنّه من المعروف أن الأجهزة الحكومية الرسمية في كل البلدان تستخم تطبيقات وأنظمة اتصالات خاصة بها.
وقال لـ”نون بوست” إن كبار المسؤولين في دول الخليج على سبيل المثال يستخدمون تطبيقات مطورة خصيصًا لهم، مشيرًا إلى أن تلك التطبيقات لا تكون متاحة للعامة على متجري IOS وجوجل بلاي، بل يتم إرسالها عبر روابط حصرية لأعضاء الفريق الذين يراد إنشاء قناة للتواصل فيما بينهم.
وأضاف حسين “اسم مستعار” أن تفعيل التطبيق حتى بعد تنزيله لا يتم إلإ بعد إدخال “كود” تحقق خاص، وكل خطوات العملية تتم بموافقة وإشراف قائد الفريق الحكومي لزيادة الخصوصية والتأمين، مبينًا أنه مهما كانت درجة موثوقية وتشفير سيغنال فإنه يبقى قابلًا للاختراق طالما أنه متاح للعامة.
مستشارو ترمب قصدوا استخدام سيغنال
ردًا على سؤال من “نون بوست” حول معزى استخدام المسؤولين الأمريكيين لتطبيق سيغنال، قال خبير الأمن السيبراني بولاية تكساس هيثم حمّور إن تلك الخطوة غالبًا ليست خطأً أو سوء تقدير لمستشار الأمن القومي وكبار المسؤولين الأمنيين بل قصدوا ذلك، لأن استخدامهم للأنظمة الرسمية يفرض عليهم تسجيل كل المناقشات في الأرشيف الفيدرالي، موضحًا أن الحكومات الأمريكية تحتفظ بسجل المحادثات والمناقشات على كل المستويات بما في ذلك الأنشطة الخاصة بالرئيس الأمريكي واجتماعاته السرية ومكالماته الهاتفية طالما أنها رسمية وتندرج تحت بند العمل.
وأضاف حمّور أنّه يرجح أن يكون مستشار الأمن القومي أراد تجنب تسجيل المحادثات الخاصة بالضربات على الحوثيين أو منع اطلاع الآخرين عليها، لكنه لم يستبعد فرضية أن يكون الأمر مجرد استخفاف من مايكل والتز وسوء تقدير منه.
تابع خبير الأمن السيبراني في حديثه ل”نون بوست” أن الوضع الطبيعي لأي رئيس أمريكي في حالة خروج فضيحة تسريب المحادثة الجماعية على تطبيق “سيغنال” أن يقوم بإقالة مستشار الأمن القومي تمهيدًا لمحاسبته، موضحًا أن ترمب سأل مساعديه وحلفائه بالفعل “هل يجب أن أطرده؟”
وأشار إلى أن ترمب لا يريد أن يبدو وكأنه يرضخ لضغط الصحافة والرأي العام، لافتًا إلى أنه ما زال يتمتع بدعم الأغلبية في الكونغرس، وما لم يتحرك المدعي العام فإنه يستبعد أن يقوم الرئيس بإقالته، قبل أن يستدرك أن ترمب غير مضمون يمكن أن يغير رأيه في أي لحظة.
نفاق ترمب ومساعديه
لطالما انتقد ترمب وحلفاؤه الجمهوريون – بمن فيهم أشخاص وردت أسماءهم في سلسلة محادثات “سيغنال” – وزيرة الخارجية والمرشحة الرئاسية السابقة كلينتون لاستخدامها خادم بريد إلكتروني خاص لإجراء أعمال رسمية كوزيرة للخارجية في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما.
قال وزير الدفاع الحالي بيت هيغسيث على قناة فوكس نيوز عام 2016: “أي متخصص أمني – سواءً عسكريًا أو حكوميًا أو غير ذلك – سيُفصل فورًا بسبب هذا النوع من السلوك، وسيُحاكم جنائيًا لتهوره في التعامل مع هذا النوع من المعلومات”.
وقال ترامب نفسه في تجمع انتخابي في أكتوبر 2016 إبان حملته ضد المرشحة السابقة: “هيلاري هي من أرسلت واستقبلت معلومات سرية على خادم غير آمن، مما عرض سلامة الشعب الأمريكي للخطر”.
أظهرت الحادثة الأخيرة المعروفة باسم “فضيحة السيغنال” نفاق ترمب وفريقه فالرئيس الجمهوري الذي انتقد تصرفات كلينتون دافع عن مستشاره للأمن القومي قائلًا إن “رجل جيد” و”ليس عليه الاعتذار عن شيء”.
وقد وجدت الوزيرة والمرشحة السابقة التسريب فرصة للانتقام من ترمب وفريقه، إذ انتقدت هيلاري كلينتون يوم الجمعة الرئيس وإدارته بشدة بسبب تعاملهم مع التسريب المحرج لخطط الهجوم العسكري في مقال بصحيفة نيويورك تايمز اختارت له عنوان: “إلى أي حد سيصبح الأمر أكثر غباء؟”.
وكتبت وزيرة الخارجية السابقة: “نحن جميعًا مصدومون – مصدومون! – لأن الرئيس ترمب وفريقه لا يهتمون حقًا بحماية المعلومات السرية أو قوانين الاحتفاظ بالسجلات الفيدرالية” “لكننا كنا نعرف ذلك مسبقًا”.
وأضافت كلينتون: “الأسوأ من ذلك بكثير هو أن كبار مسؤولي إدارة ترمب عرضوا قواتنا للخطر من خلال مشاركة الخطط العسكرية على تطبيق مراسلة تجاري، ودعوا صحفيًا إلى المحادثة عن غير قصد، هذا خطير. إنه ببساطة غباء”.
فوضى متعددة الجوانب
يمكن القول إنّ “فضيحة السيغنال” ليست سوى إحدى مظاهر الفوضى متعددة الجوانب التي تشهدها الولايات المتحدة في عهد إدارة ترمب الثانية واستمراره في تقديم الولاء والطاعة المطلقة على الكفاءة والخبرة والمهنية.
وقد كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” مؤخرًا أن وزير الدفاع بيت هيغسيث، قام باصطحاب زوجته جينيفر إلى اجتماعات حساسة مع مسؤولين عسكريين أجانب، وهو ما أثار تساؤلات كبيرة حول انتهاك البروتوكولات الأمنية المتبعة في مثل هذه الاجتماعات.
يحدث ذلك بينما ينخرط وزير خارجية ترمب ومنذ توليه منصبه في حرب واسعة النطاق ضد مؤيدي فلسطين متفاخرًا بأنه ألغى 300 تأشيرة أو أكثر لطلاب وأكاديميين ومقيمين بطريقة شرعية في أمريكا، مثل الناشط الفلسطيني محمود خليل الذي لا يزال محتجزا في لويزيانا.
ويصر ماركو روبيو بأنّ الحملة ضد مؤيدي فلسطين باعتبارها قضية هجرة، وليست أمرًا يتعلق بحرية التعبير المضمونة في التعديل الأول للدستور الأمريكي.
أخيرًا، السياسات التي يتبناها ويقودها ترمب بدءًا من تقديم الولاء على الكفاءة -الذي أدى إلى فضيحة السيغنال، إلى جانب حروبه التجارية وتهديداته ضد الحلفاء والجيران برفع التعرفات الجمركية، والمعارك الداخلية مع خصومه من الديمقراطيين والمدافعين عن حقوق الإنسان- كلها أشياء تضاعف قناعة حلفاء واشنطن بتراجع الثقة والتعويل على الحليف الأمريكي تحت قيادة ترمب وفريق الهواة في إدارته.
وتبعًا لذلك، يتوقع المزيد من الفوضى والانعكاسات على الأمن الدولي والأزمات المتعددة في النظام العالمي، وهو ما يضاعف قلق الحلفاء المصدومين، الذين يراقبون بصمت ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع.