في أول أيام عيد الفطر، يجد أهالي مخيم اليرموك أنفسهم في مواجهة مأساة متجددة، حيث يتحول البحث عن قبور أحبائهم إلى رحلة شاقة وسط الدمار.
وخلال سنوات الحرب، دمر تنظيم داعش شواهد القبور في مقبرة الشهداء ومنع الأهالي من زيارتها، بينما تكفل نظام بشار الأسد بتدمير القبور نفسها عبر قصفها بالبراميل المتفجرة وقذائف المدفعية، ما أدى إلى تبعثرها واستحالة الوصول إلى العديد منها.
وعام 2018 أحكم النظام السوري سيطرته على المخيم بعد معارك دمرت ما تبقى من معالمه، تاركًا وراءه خرابًا يطارد ذاكرة سكانه.
تُظهر هذه القصة جانبًا آخر من معاناة سكان المخيم الذين فقدوا ليس فقط منازلهم، بل حتى أماكن دفن ذويهم، ليجدوا أنفسهم اليوم عاجزين عن إحياء ذكراهم أو حتى تحديد أماكن رفاتهم.
رحلة العودة إلى قبر غائب
“غادرتُ مخيم اليرموك مع أمي عام 2013، بعد أن استشهد والدي وأخي بقذيفة. كنتُ طفلة حينها، ولم يكن أمامنا سوى الهروب إلى لبنان، تاركين خلفنا كل شيء، حتى قبر من فقدناهم”… بهذه الكلمات تروي دلع قصتها لـ”نون بوست”، متحدثة عن السنوات التي مرت دون أن تتمكن من معرفة مكان دفن والدها وشقيقها.
تضيف: “لم نعد إلى المخيم طوال تلك السنوات، لم نعرف أين دفن أبي وأخي، ولم نستطع حتى توديعهم. عمي هو من قام بدفنهما، وحين وصلت أمي، كان كل شيء قد انتهى، بقيت ذكراهما في القلب، لكن القبر ظل مجهولًا.”
بعد ثماني سنوات من الفقد، عادت دلع لأول مرة إلى المخيم، وفي ذهنها هدف واحد: العثور على قبريهما، “مشيتُ بين الأنقاض، بحثتُ في الأرض التي تغيرت ملامحها، حتى عثرتُ عليهما أخيرًا. خلال الأيام الماضية، طلبتُ أن توضع شاهدة على قبريهما، حتى لا يضيع أثرهما مرة أخرى.”
ورغم الألم، تؤكد دلع: “على الأقل الآن، عرفتُ أين يستريحان.”
البحث عن القبور المفقودة
منذ أن سيطر نظام الأسد على المخيم في مايو/أيار 2018، بدأ البحث عن القبور وسط الخراب. يروي محمد ساطع لـ”نون بوست” تفاصيل هذه الرحلة التي استمرت ثلاث سنوات: “كنا نبحث بين الأنقاض، نحاول استرجاع ذكرياتنا القديمة لنهتدي إلى أماكن الدفن. لم يكن الأمر سهلًا، فكل الشواهد كانت قد تحطمت، وكأن أحدًا تعمّد طمس الذاكرة.”
ويضيف بحزن: “ذاكرتنا هي التي قادتنا في النهاية. استطعنا التعرف على بعض القبور التي لا تزال موجودة، وتمكنا من وضع شواهد جديدة لها، حتى لا تضيع مرة أخرى. لكن المشهد كان صادمًا.. انظر حولك، كل شيء مدمر، القبور بلا أسماء، وكأن المقبرة لم تكن يومًا.”
بالنسبة لمحمد، فإن تدمير القبور لم يكن مجرد عمل تخريبي عشوائي، بل كان محاولة ممنهجة لطمس وجود المخيم بأكمله.
“بدأ التدمير من المقبرة، لأنهم أرادوا محو كل أثر للمخيم، وحين تُزال معالم المقبرة، يختفي المخيم معها.”
ويختم قائلًا: “من فعل هذا؟ داعش؟ النظام؟ لا فرق بينهما، فداعش كان مجرد أداة بيد النظام. ومع ذلك، رغم كل ما حدث، نحن هنا اليوم، عرفنا أماكن قبورنا، وعدنا إلى المخيم… والسؤال الذي يبقى: هل يمكن أن يعود المخيم كما كان؟”
“في مخيم اليرموك، يُقتل الفلسطيني مرتين”
وهو خارج سور المقبرة، بعد أن أنهى زيارة القبور، التقينا مضر عودة، كان يسير بصمت، يحمل في ملامحه مزيجًا من الحزن والغضب، قبل أن يقول لـ”نون بوست”:
“أحب أن أهنئ الأمة الإسلامية بهذه المناسبة، فهي شعيرة من شعائر ديننا. اليوم، نحن هنا في مقبرة مخيم اليرموك، هذه المقبرة التي أصبحت الشاهد والشهيد على جرائم النظام. النظام الذي لم يكتفِ بقتل الأحياء، بل انتقم حتى من الأموات.”
يتحدث عن صعوبة العثور على قبور الأحبة والشهداء والقادة الذين احتضنتهم هذه الأرض، مؤكدًا: “رغم الدمار ومحاولات طمس هويتنا عبر إزالة الشواهد، إلا أننا حافظنا على هذا التقليد الذي كان جزءًا من حياة مخيم اليرموك.”
يشدد مضر على أن زيارتهم للمقبرة هي “رسالة وفاء منا لشهدائنا، وتكريم لعائلاتهم وأحبائهم”.
ذكريات لا تموت
فيما تجلس بجانب أحد القبور، منهكة من رحلة البحث الطويلة، اقتربنا من منى طباشة، وهي سيدة فلسطينية متقاعدة، لنسألها عن مشاعرها.
“منذ أن فُتح المخيم، جئنا نبحث عن بيوتنا، ولكننا لم نجد سوى الدمار. البيوت اختفت، وكل شيء دُمر وكأنه انتقام من الشعب الفلسطيني، وكأن أحدًا أراد أن يمحو كل أثر لنا هنا.”
تتأمل القبور التي بلا شواهد، وتتابع بغصة: “بحثنا عن قبور أحبائنا لثلاث سنوات، حتى قادتنا ذاكرتنا إلى أماكنهم. لم يبقَ شيء يدل عليهم، وضعنا شواهد جديدة بأسمائهم، كي لا يُنسوا كما نُسينا.”
تشير منى إلى الركام من حولها: “الدمار لم يميز بين الأحياء والأموات، بين البيوت والذكريات. 40 سنة من العمل والتعب ذهبت هباءً، ولا أحد سيعوضنا عن خساراتنا. من فعل هذا؟ الله وحده يعلم، حسبي الله ونعم الوكيل.”
“ورغم كل شيء، يبقى الأمل. تخلصنا من النظام البائد، ونأمل أن يكون القادم خيرًا. المخيم لن يموت، كما لم يمت أهله رغم كل ما جرى.”
في كل عام، يعود أبناء المخيم ليعيدوا بناء ما يمكن ترميمه من ذاكرتهم، ورغم الدمار، يبقى المخيم شاهدًا على نضال شعب لم يُهزم، وعلى حق لن يضيع.
بين الركام وشواهد القبور المبعثرة، يقف أهالي مخيم اليرموك أمام مأساة لا تنتهي، لم يكن تهجيرهم كافيًا، ولا تدمير منازلهم، إذ طالت المأساة حتى قبور أحبائهم، وكأن هناك من أراد أن يمحو كل أثر في ذاكرتهم.