ترجمة وتحرير: نون بوست
أعود مجددا لإجراء حوار مع الدكتور مارك بيرلموتر بعد أشهر من المقابلة السابقة. كنا قد تواصلنا معه في “إنسايد أوفر” في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي ليحدثنا عن تجربته السابقة في غزة، وقد عاد إلى هناك قبل ثلاثة أسابيع.
يبتسم عندما أخبرناه أننا قبل أيام، حين توقف فجأة عن الرد على الهاتف، بدأنا نقلق بشأنه. يبدو وجهه مرهقًا كقميص كتان ثمين مكرمش، ويخبرنا أنه أخيرًا نام ثماني ساعات. هو الآن “في أمان” بعد أن وصل إلى الأردن، بانتظار العودة إلى منزله.
يقول الدكتور بيرلموتر: “السفن الحربية والطائرات المروحية أبقتني مستيقظًا طوال الليل. صوت طائرات إف-16 أو إف-35 وهي تحلق فوق الرأس مزعج للغاية. أصدقائي الفلسطينيون يقولون لي إن الميزة الوحيدة الآن هي أن الصوت صار بالنسبة لهم كأنه ضجيج أبيض”.
يخبرنا الطبيب أنه في كل مساء، عند لحظة الإفطار في شهر رمضان، كانت وتيرة نشاط الطائرات المسيّرة تزداد، حاملة قنابل تصل إلى 2000 رطل، قادرة على إصابة أكبر عدد من الناس.
لكن الأصوات لم تكن أكثر ما أزعجه خلال تلك الأسابيع؛ بل يخبرنا أنه شعر بتوتر أكبر أثناء رحلته من المستشفى إلى نقطة الخروج، مرورًا بإسرائيل والضفة الغربية.
لقد شعر بالخطر في تل أبيب بسبب مواقفه على وسائل التواصل الاجتماعي، أكثر مما شعر به تحت نيران الجيش الإسرائيلي في غزة. أصبح يخشى من الاستهداف بشكل شخصي، ويعترف بأنها قد تكون مجرد هواجس، لكن مخاوفه تضاعفت بعد أن علم بإمكانية تتبع الإشارات الهاتفية حتى عندما يكون الهاتف مغلقًا.
طلبت منه أن يحدثني عن الهجوم الذي كاد يودي بحياته في 25 مارس/ آذار الماضي. كان هجوما جويا إسرائيليا استهدف مجمع ناصر الطبي. أكد الجيش الإسرائيلي أنه استهدف “عنصرًا إرهابيًا تابعًا لحركة حماس” كان موجودا في المستشفى، لكنه لم يُفصح عن هوية الهدف.
وحسب ما أوردته قناة الأقصى التابعة لحركة حماس، قُتل إسماعيل برهوم، عضو المكتب السياسي لحماس، وابن أخيه إبراهيم، في الهجوم على مجمع ناصر الطبي في خان يونس.
يقول الدكتور بيرلموتر: “أعتقد أنهم أرادوا تدمير المستشفى، وإلا لما استخدموا طائرة مسيّرة”. ويضيف: “هناك تاريخ طويل من الهجمات على المستشفيات، تاريخ طويل جدًا. أعتقد أنهم هاجموا مستشفى في لبنان عام 2022 وقتلوا عددًا كبيرا من الأشخاص، وكان مستشفى للأطفال على وجه التحديد. لا يهمهم قتل الأطفال. لا يوجد أي مبرر للهجوم على ذلك المستشفى، لقد كان إنذارا سياسيا”.
يُصرّ الطبيب على تسليط الضوء على برامج الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها القوات الإسرائيلية: أحدها يُدعى “لافندر” والآخر “ويريز دادي”.
يقوم “لافندر” بتحديد مواقع المشتبه بانتمائهم إلى حماس أو الجهاد الإسلامي ومنازلهم، بينما يتتبع برنامج “ويريز دادي” هذه الأهداف ويُبلّغ القوات الإسرائيلية عند عودتهم إلى منازلهم، كما ورد في تقرير يستند إلى شهادة ستة ضباط استخبارات إسرائيليين استخدموا أنظمة ذكاء اصطناعي في العمليات داخل غزة.
وتقول المصادر إن برنامج “لافندر” يحدد أحيانا أهداف لها صلات ضعيفة أو غير موجودة أساسا بالجماعات المسلحة، وأنه ارتكب “أخطاء” في حوالي 10% من الحالات.
يقول الطبيب بيرلموتر: “هذا تناقض مع التوراة، وتناقض مع التاريخ، ومع الكيفية التي تم التعامل بها معهم في أوروبا في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. أخشى أنهم لم يستخلصوا الدروس. لقد دخلت الطائرة المسيّرة من إحدى النوافذ خصيصًا للقتل، وهذا انتهاك للاتفاقية الأولى من اتفاقيات جنيف، والتي صاغتها دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وصادقت عليها إسرائيل عام 1950. كما صادقت إسرائيل لاحقا على اتفاقيات جنيف الثانية والثالثة والرابعة، ما يعني أنها أقرت بعدم قانونية قصف المستشفيات”.
هذه المرة، دخل الدكتور بيرلموتر إلى غزة من خلال منظمة “هيومانيتي أوكسيليوم“، وليس عبر وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق.
يقع مقر المنظمة في مدينة كالغاري الكندية، وجاء اختياره لها بسبب تعاونها مع منظمة الصحة العالمية.
يؤكد بيرلموتر: “كنت أرغب بزيادة فرصتي في الدخول. لديّ حضور قوي نوعًا ما على إنستغرام ووسائل التواصل الاجتماعي”، موضحًا أنه كان يخشى أن يُرفض دخوله. ويضيف: “فكرت أنه من خلال المرور مباشرة عبر منظمة الصحة العالمية، ومن خلال منظمة شديدة الترابط والتنظيم والاحترافية، ستكون فرصتي أكبر. لقد عاملوني بشكل رائع. سأعود معهم في كل المرات القادمة دون استثناء”.
عدد الضحايا
يقول الدكتور بيرلموتر تعليقا على عدد الضحايا في غزة: “هذه مشكلة وكذبة كبيرة تُنشر في وسائل إعلامنا. الإعلام يتجاهل هذه المسألة، وللإنصاف فإنهم يحصلون على الأرقام من السلطة الفلسطينية التي تخضع بدرجة كبيرة لسيطرة جيش الدفاع الإسرائيلي. السلطة الفلسطينية فصيل سياسي يعارض حماس، ووزير الصحة لا ينشر إلا إحصاءات الجثث التي تم تأكيد هويتها.
ويضيف: “اسمحوا لي أن أقدم مثالًا: كنت في هايتي يوم وقوع الزلزال. وصلت هناك بعد ست ساعات من الزلزال، وكان عدد القتلى حينها يُقدر بعشرات الآلاف، ثم أصبح العدد 80 ألفًا في الأسبوع التالي، ثم 160 ألفًا، ثم 300 ألف في الأسبوع الذي يليه.. ارتفع العدد بشكل كبير، ليس لأنهم وجدوا جثثًا جديدة في الشوارع، بل لأنهم عثروا عليها تحت الأنقاض. في هذه الحالة، هناك 100 مليون طن من الركام. قدت سيارتي لساعات عبر غزة، من مستشفى إلى آخر. تجولت في الأحياء، ورأيت المساجد. لا يكاد يوجد مبنى قائم”.
لم يتبقَ سوى الفولاذ والخرسانة، وتحت ملايين الأطنان من الإسمنت والخرسانة المسلحة التي انهارت على الأرض، من المحتمل أن يكون عدد الجثث أكبر بعشر مرات من المعلن عنه، وأكثر من نصفها سيكون من الأطفال.
لذلك يرى الدكتور بيرلموتر أن الأرقام التي يعلن عنها وزير الصحة الفلسطيني، والتي ما زالت تتحدث عن 50,000 قتيل، هي “محض هراء”، حيث لم يتم إجراء أي عمليات انتشال فعلية من تحت الأنقاض.
وقد نشرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية روايات عن جنود إسرائيليين تلقوا أوامر بقيادة جرافاتهم التي تزن 70 طناً فوق الأنقاض، وقد سمعوا صرخات أشخاص مازالوا على قيد الحياة. بعض سائقي تلك الجرافات أقدموا على الانتحار.
يضيف بيرلموتر متحدثا عن مشهد رعب آخر: “هناك مقابر جماعية. استمعت إلى شهادة فلسطيني كان ينظر من نافذته، وسمع صرخات أطفال كانت الجرافة تدفعهم أحياء إلى حفرة كبيرة. دُفنت جثثهم تحت الجرافة ولم تُعرف هوياتهم أبدًا.. لا يمكن التعرف عليهم، ولن يُدرجوا أبدًا ضمن أي إحصاءات. لذلك فإن عدد القتلى الذي تعلن عنه السلطة الفلسطينية ووزير الصحة، مقارنة بالعدد الحقيقي للضحايا، متباين بدرجة كبيرة جدا”.
عندما سألته إن كان يستطيع القيام باستقراء رياضي لتحديد عدد القتلى في غزة، لجأ إلى مثال توضيحي: “قطاع غزة بأكمله بحجم مدينة ناغازاكي. لقد ألقينا ما يعادل القنبلتين الذريتين اللتين سقطتا على هيروشيما وناغازاكي، ودمّرنا كل شيء. الآن، ربما أصبح الأمر يعادل أربع قنابل نووية، ونعتقد أن 50,000 شخصًا فقط قد ماتوا؟ أي هراء هذا؟!”.
ذكّرت الطبيب بأننا اخترنا الانطلاق من تقدير مختلف لعدد الضحايا، فردّ مذكّرًا بأن مجلة “ذا لانسيت” كانت قد أشارت إلى احتمال وجود حوالي 200,000 ضحية، لكنه يضيف أن هذا الرقم بدوره بات قديمًا، لأنه يستند إلى دراسة مضى عليها ستة أشهر، بُنيت على إحصاءات تعود إلى تسعة أشهر.
بلا طعام ولا دواء
يصف بيرلموتر حالة “الاقتصاد” في غزة، إن جاز بعد أن نطلق عليه هذا الاسم، قائلًا: “إذا كان بإمكاني التقاط صورة للحالة الراهنة، ففي ظل التصعيد الأخير للعنف، يمكنني القول إنه لم يكن هناك وقف لإطلاق النار على الإطلاق. الوضع الإنساني الحالي في غزة مروّع. لم يُسمح بدخول المساعدات، هناك مجاعة حقيقية. الآن، يمكنك أن تسير في الأسواق وترى الطعام، لكن عندما يصبح سعر لتر البنزين 90 دولارًا، وعندما يصبح سعر حبة طماطم يعادل دخل يومٍ كامل، وعندما تساوي علبة تونة دخل أسبوع، فإن مستوى المجاعة لا يمكن قياسه”.
ويضيف: “الناس مجبرون على الدفع بالشيكل الجديد فقط. وعليهم الشراء باستخدام البطاقات الائتمانية (فيزا)، التي تُعد البطاقة الأكثر انتشارًا في المنطقة. لكن هناك ضريبة إضافية بنسبة 30٪. إذا اشتريت شيئًا بـ100 شيكل، فإنك تحصل فقط على ما قيمته 70 شيكل من الطعام. أي أن هناك ضريبة بنسبة 30٪ على استخدام بطاقة الائتمان. هذا لا يترك أي مال لشراء الأدوية، حتى لو كانت متوفرة. نُجري عمليات جراحية، والناس لا يستطيعون حتى شراء تايلينول لتخفيف آلام اليوم التالي”.
إذا كان الطعام يُعتبر ترفًا، فإن المعدات الطبية أكثر ندرة وغلاءً. خيوط جراحية منتهية الصلاحية منذ عام 2015. لا صابون ولا ماء لغسل أيدي الجراحين أو أجساد المرضى قبل العمليات، ولا مضادات حيوية في المستشفى.
صفائح معدنية وبراغٍ غير صالحة للاستخدام في العمليات الجراحية. في مقابلتنا السابقة، أخبرنا الطبيب بأنه اضطر إلى التزود بالمعدات من محل للأدوات الحديدية.
يقول الدكتور بيرلموتر: “نستخدم رؤوس مثاقب لحفر ثقب في العظام حتى نتمكن من إدخال برغي، أحيانًا مع صفيحة معدنية، وأحيانًا عبر خط الكسر. لكن كان لدينا عدد محدود من البراغي، وأحيانًا لم نكن نملك حتى دبابيس، فقط سلك أملس استخدمناه لتثبيت الكسور لدى الأطفال.. كنت أترك رؤوس المثاقب داخل أجساد الأطفال لأنه لم يكن لدينا أي وسيلة تثبيت أخرى، رؤوس مثاقب قابلة لإعادة الاستخدام، تمامًا مثل تلك الموجودة في المنازل. هي ليست قوية على الإطلاق. ليست مثالية. لو قمت بهذه الإجراءات في بلدي، لكنت فقدت رخصتي الطبية”.
لم يتبقَ سوى ثلاثة مستشفيات من أصل خمس وثلاثين، وجميعها تفتقر إلى التجهيزات، ولن تكون قادرة على العمل إن تعرّضت لأي هجوم.
في هذه المرحلة الجديدة، ما هي أبرز الاحتياجات الطبية العاجلة، وما التحديات التي يواجهها العاملون في المجال الصحي؟ هل هناك أي جديد مقارنة بالفترة السابقة؟
يؤكد الدكتور بيرلموتر: “الوضع لم يتغير منذ عام كامل. لا يتعلق الأمر فقط بمنع جميع المساعدات الطبية، وهو ما يُعد مجددًا انتهاكًا للقانون الدولي، والقانون الأميركي، والبريطاني، والقانون الإيطالي أيضًا، وإيطاليا ليست بريئة. قدمت إيطاليا ما يصل إلى 20% من القنابل والأسلحة التي أُلقيت على الأطفال الفلسطينيين. لذا، فإن الدماء التي سالت على حذائي، وعلى مآزري الطبية، الدماء نفسها التي سالت من شرايين الأطفال وأصابت وجهي، موجودة على أيادي الإيطاليين، جميع دافعي الضرائب الإيطاليين، تمامًا كما هي على أيادي الأمريكيين، والبريطانيين، والفرنسيين، وبشكل خاص الألمان والأمريكيين. ذلك الدم يسيل بسبب العالم الغربي، لأننا نحن من نمول هذه الحرب. أكبر جريمة تُرتكب حسب رأيي هي التدمير المتعمد للنظام الصحي، من خلال القضاء على العاملين في مجال الرعاية الصحية”.
يقدّم بيرلموتر مثالًا عن زميلين له، أحدهما زوجته طبيبة أسنان تعمل مع الأمم المتحدة، وقد طُلب منه أن يغادر مستشفى الأقصى ويترك منزله، وإلا فسيتم استهدافه شخصيًا.
أُعطي خمس دقائق فقط لمغادرة منزله، فحمل شهاداته الطبية، وكذلك فعلت زوجته، وأخذوا أطفالهم وممتلكاتهم الثمينة، وهم يعيشون الآن في خيمة مخصصة لعشرين شخصًا، لكنها تؤوي خمسين شخصًا، مع حمام واحد فقط.
هو جرّاح عظام معروف، تلقى تعليمه في بريطانيا، وكان رئيس قسم في إحدى المستشفيات الثلاث التي لا تزال تعمل حتى الآن.
أما رئيس قسم العظام في مجمع ناصر الطبي، فقد أمضى 11 شهرًا في سجون جيش الاحتلال الإسرائيلي. اقتيد من غرفة الطوارئ إلى السجن، وفي كل مرة طلب فيها التحدث إلى محامٍ، قاموا بضربه.
كان لديه بعض المال، وتمكّن من تهريب عائلته إلى مصر. بعدها، شعر أنه أصبح حرًّا بما يكفي ليصمد، فكسروا جميع أصابع يديه باستخدام مطارق وملاقط حديدية، قائلين: “سنكسر الإصبع التالي إن لم تعترف بأنك من حماس وأنك تعالج جنود حماس”، وهو ما لم يفعله قط.
يروي الدكتور بيرلموتر أنه رأى بنفسه تلك الأصابع المكسورة، ورأى الأظافر التي تم اقتلاعها. كما رأى صورة مقرّبة لزوجة الطبيب المعتقل وهي تدخل منزلها، ما يعني أنهم يملكون جواسيس على الأرض.
قال له الإسرائيليون: “سنختطفها ونحضرها إلى هنا أمامك، وسنغتصبها جماعيًا أمام ناظريك إذا لم تعترف بأنك من حماس”. وعندما رفض الاعتراف بأنه من حماس، أروه صورة تُظهر منظر نافذة غرفة نوم أطفاله التُقطت بواسطة طائرة مُسيّرة.
يقول بيرلموتر: “هذا نوع من التعذيب النفسي، وعندما أعود إلى الوطن، ستكون مهمتي الأساسية هي أن أجد له طبيبًا نفسيًا يتحدث معه”.
يضيف بيرلموتر: “إنه رجل موهوب بشكل استثنائي، كان يقدّم خدمات جراحة عظام للأطفال خدمة لشعب في أشد الحاجة للرعاية. لكنه الآن محطم نفسيًا. هذه ربما المرة العشرون التي أسمع فيها قصة عن انتهاكات بحق العاملين في القطاع الصحي.. يجب أن نضع في الاعتبار أنه حتى الأسبوع الماضي، هناك 350 من العاملين في القطاع الصحي لا يزالون محتجزين كرهائن”.
المصدر: إنسايد أوفر