ترجمة وتحرير: نون بوست
في الليلة السابعة عشر من رمضان – وهي فترة مخصصة للصلاة والتأمل والرحمة – احترقت غزة. ومرة أخرى، تملأ شاشاتنا صورًا مُفجعة لا يمكن وصفها: أجساد صغيرة ملفوفة بأقمشة ملطخة بالدماء، وآباء يحملون رفات أطفالهم في أكياس بلاستيكية، وأمهات يصرخن إلى سماء تمطر موتًا بدلًا من الرحمة.
في أقل من ساعة، أسفرت الغارات الجوية الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 350 فلسطينيًا، من بينهم 90 طفلًا، وقد أُبيدت عائلات بأكملها عندما سقطت القنابل على مناطق كانت “إسرائيل” نفسها قد حددتها كـ “مناطق آمنة”، محولةً ما كان يُفترض أن يكون ملاذًا آمنًا إلى مقابر جماعية.
لم يكن هذا مجرد استئناف للعنف، بل هو استمرار لإبادة جماعية لم تتوقف أبدًا، بل انحسرت بما يكفي لتختفي عن العناوين الرئيسية بينما استمر الفلسطينيون في الموت بالعشرات يوميًا.
إن ثقل هذه اللحظة لا يُحتمل، فهي تعيد إلى الأذهان جراح السنة الماضية التي لم تُشف بعد. إن استمرار هذه المذبحة أمام أنظار العالم يكشف مدى اللامبالاة العميقة التي أصبحت عليها القوى العالمية تجاه معاناة الفلسطينيين، ومدى تجريد شعب بأسره من إنسانيته لدرجة أن مجزرتهم تُناقش على أنها مسألة “مخاوف أمنية”
وتؤكد هذه الفظائع الأخيرة الواقع المستمر الذي يواجهه الفلسطينيون منذ شهور، فوسط أنقاض غزة، ووسط الانتهاكات المتكررة لـ “وقف إطلاق النار”، لا يواجه الفلسطينيون مهمة إعادة البناء الضخمة فحسب، بل يواجهون أيضًا صراعًا على من سيتحكم بمستقبلهم.
ومنذ 2 مارس/ آذار، لم تسمح “إسرائيل” بدخول أي مساعدات، وأهمها المواد الغذائية وموارد إعادة الإعمار، بينما يعاني الفلسطينيون من الجوع خلال شهر رمضان. وعندما يعود العائلات إلى مناطقهم التي تحولت إلى أنقاض، يواجهون رؤى متضاربة لإعادة إعمار غزة، بما في ذلك مقترحات تهدد وجودهم ذاته على الأرض.
لقد اقترح دونالد ترامب مؤخرًا تحويل غزة إلى “ريفيرا الشرق الأوسط” عن طريق إعادة توطين سكانها الفلسطينيين البالغ عددهم 1.8 مليون نسمة في أماكن أخرى، ويكشف هذا المقترح عن سوء فهم عميق لارتباطنا بوطننا، وهي علاقة تتجاوز مجرد الإقامة وتشكل جوهر الهوية الفلسطينية.
وعندما يسأل الغرباء لماذا لا يغادر الفلسطينيون غزة، أو عن العنف المتزايد الذي يشبه الإبادة الجماعية في الضفة الغربية، فإنهم يفشلون في فهم أن هذه الأرض ليست مجرد مكان نعيش فيه، بل هي جزء من هويتنا.
إن علاقتنا بهذه الأرض قد تم تشكيلها عبر الأجيال؛ فمنذ سنة 1967، قامت “إسرائيل” بتدمير ما لا يقل عن 2.5 مليون شجرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك ما يقرب من مليون شجرة زيتون. وتجسد أشجار الزيتون التي تنتشر في أراضينا تاريخنا وصمودنا وارتباطنا الأصلي بالأرض، التي زرعناها على مدى أجيال من التهجير.
إن السؤال ليس لماذا يعود الفلسطينيون إلى الأحياء المدمرة؛ بل هو لماذا يتوقع البعض منا ألا نعود؟. يعود الفلسطينيون لأن غزة هي وطنهم، فالأنقاض تحت أقدامهم ليس مجرد حطامًا، بل يحتوي على ذكريات وتواريخ وأساسات منازل وُلد فيها أجيال ودُفن، حيث أصبحت الأنقاض قبرًا جماعيًا لـ 50,000 فلسطيني.
ووفقًا لأحدث تقييم للأمم المتحدة، فإن إعادة بناء غزة والضفة الغربية ستتطلب 53.2 مليار دولار على مدار العقد المقبل: 29.9 مليار دولار للبنية التحتية المادية و19.1 مليار دولار للخسائر الاقتصادية والاجتماعية. جاءت هذه الجهود لإعادة الإعمار نتيجة 85,000 طن من القنابل التي تم إسقاطها بشكل عشوائي على كامل منطقة غزة. ووراء هذه الأرقام المذهلة يكمن سؤال جوهري: هل سيُسمح للفلسطينيين بإعادة الإعمار، أم سيتم بناء شيء آخر فوقهم؟
الجواب يجب أن يكون الفلسطينيون أنفسهم، سيُحدد مستقبل فلسطين من قبل الفلسطينيون، ومعهم، ولأجلهم، بغض النظر عن الشكل الذي نختاره. ليس للولايات المتحدة أو “إسرائيل” أو الدول العربية، التي وقفت متفرجة بينما كان شعبنا يموت، أن تقرر ما هو الأفضل لنا.
من دون الفلسطينيين، ستظل جهود إعادة الإعمار مجرد استمرار لدورة العنف والتهجير. لسنا مجرد قطع على رقعة الشطرنج الجيوسياسية الخاصة بهم. نحن شعب له حق غير قابل للتصرف في تقرير المصير، ويجب أن تخدم إعادة الإعمار هذا الحق – لا أن تُقوضه.
التحديات الحالية هائلة، فهناك أكثر من 80 بالمائة من البنية التحتية المادية في غزة تم تدميرها، من الطرق، ومحطات الطاقة، ومرافق المياه، والمدارس، والجامعات، وجميع المستشفيات، وذلك في انتهاك صارخ للقانون الدولي والأخلاقيات الأساسية، وسيتطلب إزالة أكثر من 50 مليون طن من الأنقاض والذخائر غير المنفجرة عقودًا لتنظيفها واستعادة ملامح الحياة الطبيعية.
ومع ذلك، وسط هذه الدمار، يُظهر الفلسطينيون صمودًا ملحوظًا. فقد وثق الصحفيون عودة الناس إلى شمال غزة، حيث نصبوا الخيام في مواقع الدمار، وبدؤوا حتى في العمل على بناء مبانٍ جديدة. وكان “وقف إطلاق النار” ينص على أن 60,000 مقطورة و200,000 خيمة يجب أن تدخل غزة للمساعدة في إيواء الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم قسرًا، لكن لم يدخل سوى 20,000 خيمة، ولم تدخل أي مقطورة بسبب عرقلة “إسرائيل” لدخول المساعدات.
ومع ذلك؛ قامت “إسرائيل” بإلقاء القنابل بينما كان الأطفال نائمين؛ حيث إن 70 بالمائة من القتلى منذ استئناف “إسرائيل” لعدوانها كانوا من النساء والأطفال. وفي جباليا، شوهد الرجال وهم يبنون جدران منازلهم المدمرة، في رمز قوي للإصرار على البقاء. لقد كان هناك دمار شامل، ولكن الفلسطينيين يبقون صامدون كالجبال الشامخة. الفلسطينيون متجذرون في الأرض، ولا بديل لهم.
هل تعتقد “إسرائيل” أنه عندما دمرت الحجارة، سيغادر الفلسطينيون؟ وكأن مدنهم لم تُبنَ أصلاً على عظام أجدادنا.
إن هذه العزيمة ليست تفاؤلاً ساذجًا، بل هي إدراك بأن الوجود نفسه يعتبر شكلاً من أشكال المقاومة. ولن نطلب الإذن من أحد لكي نروي آلامنا وتجاربنا، ولن ننتظر أن نكون الضحايا المثاليين من أجل أن نحصل على اعتراف بإنسانيتنا. فغزة هي موقع المقاومة، متجذرة في كل شجرة زيتون، كل بذرة، وكل قبر.
لا نبني لأننا متأكدون من أن منازلنا ستظل قائمة إلى الأبد، بل نبني لأن التوقف عن البناء يعني استسلام. وبعد القصف السابق، كان سكان غزة يجمعون الخرسانة من المنازل المدمرة ليتم سحقها وتحويلها إلى حصى لاستخدامها في بناء المنازل الجديدة. وكان البعض يستخرج الحديد من الجدران المتضررة لإعادة استخدامها لتدعيم البناء الجديد.
في نفس المقابلة، اقترح ترامب أيضًا أن على الفلسطينيين الرحيل كي لا يظلوا “قلقين من الموت”. الفلسطينيون لا يخشون الموت؛ بل نحن نخشى القتل الممنهج. والحل ليس في إزالة الضحايا، بل في وقف مرتكبي القتل. فغزة لا تحتاج إلى إعادة تصميم كما لو كانت غرفة فندق فارغة؛ بل تحتاج إلى إنهاء دورة الدمار.
وعندما أفكر فيما يأمل الفلسطينيون في تحقيقه، يدهشني مدى بساطة أحلامهم. فالفلسطينيون يريدون الحصول على وظائف، وبناء منازل، وزيارة الشاطئ، وربما السفر مع العلم أنهم يستطيعون العودة. ويحلم الفلسطينيون بمطار، وميناء، واستقبال السياح، والصلاة في مسجد الأقصى، والعودة إلى القرى التي عاش فيها أجدادهم.
ما يحتاجه قطاع غزة الآن هو أمر عاجل: يحتاج إلى استعادة الحياة، بشكل فوري ودون اعتذار. ويحتاج إلى معلمين للأطفال الذين تم حرمانهم ليس فقط من الفصول الدراسية، بل من الطفولة نفسها. ويحتاج إلى دفنٍ كريمٍ للشهداء، أولئك الذين كُتبت أسماؤهم على أطرافهم ليتم التعرف عليهم تحت الأنقاض.
ويحتاج إلى بذور وأراضٍ، ليس فقط لإعادة زراعة المحاصيل، ولكن لإطعام أولئك الذين تم تجويعهم قسرًا. ويحتاج إلى مستشفيات حيث لا تضطر النساء للولادة دون تخدير، وحيث لا يُحكم على الجرحى بالموت بسبب انقطاع الكهرباء.
وفوق كل شيء، تحتاج غزة إلى أن يرى العالم الفلسطينيين كبشر؛ بشر يستحقون الحياة والحرية والتضامن.
وبينما يعتبر الدعم الدولي أمرًا بالغ الأهمية، إلا أنه لا يجب أن يأتي مشروطًا تقوض السيادة الفلسطينية. ويجب ألا تكون المساعدات الخارجية مشروطة بقبول السيطرة الأجنبية، كما يجب ألا تُستخدم كأداة لفرض تنازلات سياسية أو تطبيع العلاقات مع قوة احتلال. إن التضامن الحقيقي يعني دعم إعادة الإعمار بقيادة فلسطينية دون فرض أجندات خارجية.
وتتحدث رسالة وزراء الخارجية العرب في فبراير/ شباط إلى وزير الخارجية، ماركو روبيو، عن تنفيذ “خطة لتحقيق حل الدولتين”. ومع ذلك، يجب أن تبدأ أي خطة بالاعتراف بوكلاء الفلسطينيين. ومن دون مشاركة فلسطينية ذات مغزى، ومن دون احترام حقنا في اختيار مستقبلنا السياسي، تظل مثل هذه الخطط مجرد وعود فارغة. وتوقع من الفلسطينيين قبول حل من أولئك الذين حاولوا محوهم بالكامل يشبه أن تطلب من الجرحى أن يثقوا باليد التي لا تزال ممسكة بالسكين الملطخة بالدماء.
التحديات المقبلة هائلة، وكذلك العزيمة الفلسطينية، فبينما تواصل “إسرائيل” قصف الفلسطينيين الجائعين، فإن رفضهم التخلي عن أرضنا ليس عنادًا بل هو وجودنا ذاته. وبينما تواصل “إسرائيل” قتل الصحفيين الفلسطينيين، مثل حسام شبات، سنحرص على ألا يرى العالم جرائمهم فحسب، بل سيتذكرها أيضًا.
وفي مواجهة أولئك الذين يسعون لجعل حياتنا مستحيلة، سنستمر في إيجاد طرق للبقاء. سنعيد بناء ما دُمّر ليس وفقًا لرؤية شخص آخر، بل وفقًا لاحتياجاتنا وطموحاتنا الخاصة.
إن إعادة البناء هذه تتجاوز مجرد إعادة الإعمار؛ إنها مقاومة، إنها رفضنا لأن نُمحى، وإصرارنا على البقاء، وإيماننا الراسخ بحقنا في الوجود على أرضنا. لا شيء أكثر أهمية من البقاء، ولا شيء أكثر ثورية من العودة، ولا شيء أكثر يقينًا من أننا سنعيد بناء فلسطين بأيدينا، لشعبنا، وبشروطنا الخاصة.
المصدر: الغارديان