أدانت محكمة الجنح في باريس زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان بتهمة اختلاس أموال عامة، بعد أن كشفت التحقيقات قيامها مع حزبها، بين عامي 2004 و2016، باعتماد نظام غير قانوني لتحويل مبالغ مالية من ميزانية البرلمان الأوروبي إلى حزب “الجبهة الوطنية”، المعروف منذ عام 2018 باسم “التجمع الوطني”.
وطالب الادعاء الفرنسي بفرض عقوبة قاسية على لوبان تتضمن السجن خمس سنوات، منها سنتان نافذتان قابلتان للتعديل، وغرامة مالية قدرها 300 ألف يورو، بالإضافة إلى حرمانها من الترشح لأي منصب انتخابي لخمس سنوات، وبرّر الادعاء مطالبته بالقول إن لوبان كانت على رأس “نظام محكم التنظيم” يستهدف البرلمان الأوروبي كمصدر تمويل حزبي.
في المقابل، رفضت لوبان الاتهامات معتبرة أن “السلطة الحاكمة ألقت نحو حزبها بقنبلة نووية”، في إشارة إلى أن الهدف الحقيقي للمحاكمة هو إبعادها عن السباق الانتخابي لعام 2027. لكن القضاء الفرنسي شدّد على استقلالية القرار، مؤكدًا أن الحكم “قضائي صرف وليس سياسيًا”. وصدر عن هيئة من ثلاثة قضاة مستقلين ومحايدين.
وفي تركيا، قررت محكمة الصلح الجزائية حبس رئيس بلدية إسطنبول الكبرى أكرم إمام أوغلو، شهر مارس/آذار الماضي، بتهم “تأسيس وإدارة منظمة إجرامية”، و”تلقي الرشوة”، و”الابتزاز”، و”تسجيل البيانات الشخصية بشكل غير قانوني” و”التلاعب بالمناقصات”، وذلك عقب توقيفه و99 مشتبهًا آخرين بتهم “الفساد والرشوة والإرهاب”.
لكن القضاء رفض حبس إمام أوغلو بتهمة “مساعدة تنظيم إرهابي مسلح” ولم ير ضرورة لذلك حاليًا، “رغم وجود شبهات قوية في هذا الإطار”، نظرًا لصدور أمر بحبسه على خلفية تحقيقات الفساد. ويُتهم أوغلو، مع 7 آخرين بينهم مساعد الأمين العام لرئاسة بلدية إسطنبول ماهر بولات، ورئيس بلدية شيشلي، بجرم “مساعدة تنظيم بي كي كي الإرهابي”.
يسعى هذا المقال، إلى تقديم قراءة نقدية مقارنة بين طريقة تعامل وسائل الإعلام الأوروبية مع قضية مارين لوبان في فرنسا وقضية أكرم إمام أوغلو في تركيا، إذ يتشابه جوهر القضيتين ويتزامن حدوثهما، ما يتيح الفرصة للكشف عن الفروق اللافتة في تغطية الإعلام الأوروبي وتقييم حياده المفترض في تناول القضايا السياسية.
كثافة التغطية الإعلامية
تكشف المقارنة الدقيقة لتغطية وسائل الإعلام الأوروبية الأكثر وصولاً للجمهور العربي؛ بي بي سي عربي، وسي إن إن عربي، وفرانس 24، ودويتشه فيله، عن تناقضات لافتة تفضح ازدواجية المعايير وتفاوت المقاربة السياسية في تناول قضيتَي مارين لوبان في فرنسا وأكرم إمام أوغلو في تركيا.
ففي قضية أكرم إمام أوغلو، سارعت قناتا بي بي سي عربي وسي إن إن عربي إلى إطلاق تغطية مشحونة بالدراما، مُظهِرةً الاعتقالات والاحتجاجات الجماهيرية في إسطنبول كحدث مأساوي عاجل يهدد مستقبل الديمقراطية، مركزةً على المداهمات الأمنية والقيود الحكومية على الحريات الإعلامية.
إلى جانب ما بدا جليًا حرصُ المنصتين على تعميق صورة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باعتباره قائدًا مستبدًا يقوّض المبادئ الديمقراطية، وهو ما ينسجم مع سياق نقدهما المستمر لسياساته.
في المقابل، اتسم تناول القناتين ذاتهما لقضية مارين لوبان، بنبرة أكثر تحفظًا وهدوءًا، فقد تحولت اللهجة الدرامية السابقة إلى تغطية تحليلية معتدلة، لا تتجاوز إطار الأزمة السياسية الداخلية في فرنسا، ورغم إدراك المنصتين لحجم الانعكاسات المحتملة للقضية على اليمين الأوروبي المتطرف، إلا أنهما تعاملتا معها كمسألة إجرائية وقانونية محضة.
أما قناة فرانس 24، فقد اتسمت تغطيتها لقضية أكرم إمام أوغلو بكثافة ملحوظة، تجسّدت في نشر ما لا يقل عن 23 مادة خبرية موسّعة تجاوزت في أغلبها 800 كلمة خلال 15 يومًا فقط، وهو ما يعكس اهتمامًا استثنائيًا. إذ ركّزت هذه المواد بشكل كبير على العداء التاريخي بين الحزب الحاكم وحزب الشعب الجمهوري الذي ينتمي إليه إمام أوغلو، ما منح التغطية بعدًا سياسيًا حادًا، وجعلها تبدو وكأنها جزء من صراع تاريخي عميق أكثر من كونها محاكمة لجريمة فساد.
أما في تغطية قضية مارين لوبان، فقد حافظت القناة على مستوى مماثل من الكثافة، لكن مع تأطيرها ضمن السياق القانوني والسياسي الداخلي فقط، مركزةً على التحليلات السياسية التفصيلية والتداعيات الانتخابية المحتملة.
“فرانس 24: ما هي الخيارات المتاحة أمام مارين لوبان لاستعادة حق الترشح للانتخابات الرئاسية 2027؟”
من جانبها، لم تكن تغطية دويتشه فيله منصفة بحال، إذ على الرغم من سجن أوغلو على ذمة القضية، وتراجع حدّة الاحتجاجات بشكل واضح مؤخرًا، تواصل القناة النشر بمعدل مادة تحليلية طويلة يوميًا (تتجاوز 800 كلمة)، تعيد فيها التأكيد على أن ما جرى جزء من صراع شخصي بين الرئيس أردوغان وأحد خصومه السياسيين.
وهو ما يُبرز بوضوح عدم التوازن في الطرح، خاصة عند مقارنتها بالتغطية المتوازنة والهادئة لقضية مارين لوبان، والتي ركّزت فيها على نقل التطورات وتحليل السياق القانوني والسياسي من دون اللجوء إلى النبش في ما وراء الخبر.
التعابير الإعلامية المستخدمة
على مستوى آخر، يكشف التعمق في اللغة والتعابير التي استخدمتها هذه المنصات الإعلامية عن تباين حاد يصل إلى حد التحيّز الواضح في تغطية القضيتين؛ فبينما لجأت هذه القنوات إلى استخدام لغة درامية مشحونة في تغطية قضية أكرم إمام أوغلو، اعتمدت في قضية مارين لوبان أسلوبًا إعلاميًا متوازنًا وموضوعيًا بشكل لافت.
فعلى سبيل المثال، تبنّت كل من بي بي سي عربي وسي إن إن عربي مصطلحات وتوصيفات حادة ذات دلالات سياسية مباشرة في قضية إمام أوغلو، فأصرّت على وصفه بشكل مستمر على أنه “أقوى منافس لأردوغان”، وأبرزت مرارًا وتكرارًا خبر “اعتقال منافس أردوغان الرئيسي”، بل ذهبت أبعد من ذلك حين استخدمت عبارات مثل “أردوغان النرجسي المتغطرس”، في محاولة لإضفاء طابع شخصي وصدامي على تغطيتها الإعلامية.
ولم تكن منصتا فرانس 24 ودويتشه فيله بعيدتين عن هذا النهج؛ إذ عمدت فرانس 24 إلى تكثيف استخدام مفردات حادّة مثل “قمع”، و”تغييب”، و”عنف”، و”سلطوية”، بوتيرة تفوق المعتاد. كما منحت مساحة واسعة لتصوير قرار السلطات التركية بفرض قيود على النشر وتداول الأخبار باعتباره ممارسةً قمعية، متجاهلةً في المقابل أنّ هذه القيود جاءت كردّ فعل رسمي بعد انتشار أخبار كاذبة ومقاطع فيديو تبيّن لاحقًا أنها مفبركة أو لا تعود أساسًا إلى الاحتجاجات في تركيا.
ووصل الأمر بالقناة إلى حد الادعاء في إحدى المواد الأخيرة المنشورة على موقعها الرسمي بأن “السلطات التركية تواجه موجة إدانات دولية وتحذيرات متزايدة من التراجع الخطير في الحريات الأساسية”، دون عرض السياق الكامل الذي يبرر هذا النوع من الإجراءات الاحترازية من جانب السلطات التركية.
أما دويتشه فيله، فلم تكتفِ بهذا القدر، بل ذهبت إلى حدّ إضفاء بُعد ثوري على احتجاجات إسطنبول، مستخدمة عبارات مثل: “الشباب التركي قلق بشأن مستقبله”، و”ليس إمام أوغلو وحده، بل عشرات السياسيين الأتراك في السجون” و “أين أصوات المثقفين مما يجري؟”، في محاولة لتحفيز مشاعر الثورة والغضب لدى القراء.
كما سعت لتوظيف سياق مختلف عبر طرح موقف الاتحاد الأوروبي كجهة تمتلك “ثقل دبلوماسي” للتدخل في الشأن التركي وتغيير دفة الأحداث، وهو ما انعكس بوضوح في مقال نُشر مؤخرًا وعنوانه: “لماذا الاتحاد الأوروبي حذر في إدانة الحملة القمعية في تركيا؟”، والذي حمّلت فيه أردوغان مسؤولية “تجميد عملية انضمام تركيا للأسرة الأوروبية” حسب تعبير الكاتب.
“جبناء يختبئون وراء الشباب”.. #أردوغان يجدد مهاجمة المظاهرات المستمرة ضد سجن وعزل إمام #أوغلو، وواشنطن تعبر عن قلقها من التوقيفات. pic.twitter.com/S69XRdkCLY
— DW عربية (@dw_arabic) March 26, 2025
وعلى النقيض تمامًا، تخلّت هذه المنصات عن مثل هذه اللغة الدرامية والتوصيفات الانفعالية حين تناولت قضية مارين لوبان، إذ التزمت بأسلوب لغوي محايد ومقتضب، يعتمد صياغات إخبارية متوازنة.
التوظيف السياسي
في قلب التغطية الإعلامية لقضيّتي مارين لوبان وأكرم إمام أوغلو، لا يكمن الفرق في الحدث نفسه بقدر ما يتجلّى في زاوية التناول، وفي كيفية توظيف المنصات الإعلامية لهذا الحدث لتوجيه الرأي العام، كلٌّ حسب موقعه الجغرافي ومرجعياته السياسية.
في فرنسا، قدّمت وسائل الإعلام الغربية إدانة مارين لوبان كعلامة فارقة في مسار الديمقراطية الأوروبية، وكأنها لحظة صحوة ضد صعود اليمين المتطرف وخطابه العنصري. لم تُصوّر المحاكمة كصراع سياسي، بل كمحطة ضرورية ضمن سير العدالة، وُظّفت فيها المصطلحات بعناية لتعزيز صورة فرنسا كدولة تحارب الفساد وتحمي قيم الجمهورية، ما يصبّ ضمنًا في مصلحة التيارات الليبرالية والوسطية قبيل الاستحقاقات الانتخابية القادمة.
أما في تركيا، فقد تم تقديم اعتقال أكرم إمام أوغلو بلغة مشبعة بالانحياز، حملت إدانة سياسية صريحة للحكومة، حتى قبل أن تنطق المحكمة بالنتيجة. وقُدم الحدث بوصفه “اغتيالًا معنويًا” لمعارض قوي، وإقصاءً مميتًا لمرشح رئاسي محتمل، ضمن سردية أقدم تُظهر النظام التركي كسلطة تمارس الاستبداد وتُقصي خصومها قبيل أي محطة انتخابية حرجة.
كما أنها لم تكتفِ في هذه التغطية برصد الوقائع، بل انخرطت في تشكيلها عبر التلميح إلى أن نتائج الانتخابات المقبلة ستُبنى على أرضية غير نزيهة، ما يزرع بذور الشك في الوعي العام المحلي والدولي تجاه العملية الديمقراطية برمّتها في تركيا.
وهكذا، يتجاوز الإعلام دوره التقليدي كناقل للأحداث، ليصبح طرفًا فاعلًا في تشكيلها وتوجيه مآلاتها، ومهندسًا ضمنيًا لاتجاهات الرأي العام، ففي الوقت الذي يُقدّم فيه القضاء الفرنسي كحام للديمقراطية ويُنظر لحكمه على لوبان كـ”نصر للعدالة”، يُشكَّك في نظيره التركي ويُحمَّل على الفور مسؤولية سياسية، وكأن الإعلام لا ينقل المحاكمة، بل ينطق بالحكم فيها.