تصعيد إسرائيلي جديد يضع قواعد اشتباك مختلفة في سوريا، ويستهدف ما تبقى من قدرات استراتيجية عسكرية سورية، تمثل في غارات جوية استهدفت عدة مواقع في دمشق وحماة وحمص، منها محيط مبنى البحوث العلمية بحي مساكن برزة، ومطار حماة العسكري، إضافة إلى محيط مطار “T4” العسكري بريف حمص الشرقي.
قال مسؤول عسكري إسرائيلي إن “الغارات هي رسالة لتركيا بألا تقيم قاعدة عسكرية هناك وألا تتدخل بنشاطنا”، حيث بدأت تركيا مؤخرًا بإجراء ترتيبات لوضع عناصر عسكرية لها في قاعدة مطار “T4” العسكري بريف حمص الشرقي، إضافة إلى نصب بطاريات دفاع جوي، قبل إعادة بناء القاعدة.
كما ذكرت صحيفة “جيروزاليم” الإسرائيلية، نقلًا عن مصدر أمني، أن إنشاء قاعدة جوية تركية في سوريا تهديد محتمل، ومن شأنه أن يقوّض حرية عمل “إسرائيل”، مضيفًا أن سلاح الجو الإسرائيلي استهدف القاعدة لإرسال رسالة مفادها أن “إسرائيل” لن تسمح بإلحاق الضرر بحرية عملياتها الجوية.
رسالة تهديد وترهيب واضحة
تهدف أنقرة من بناء القاعدة إلى ضرب تنظيم الدولة “داعش”، الذي لا يزال لديه خلايا تنشط في البادية السورية، إلى جانب ردع الهجمات الجوية الإسرائيلية على سوريا، بعد تفعيل أنظمة الدفاع الجوي والطائرات دون طيار التركية، حسب موقع “ميدل إيست آي” البريطاني.
ومن بين أسلحة الدفاع الجوي التي ستنشرها تركيا: طائرات استطلاع، وطائرات مسيّرة مسلحة، وطائرات ذات قدرات هجومية موسعة، إضافة إلى منظومة “حصار” (Hisar) القادرة على توفير الغطاء الجوي للقاعدة.
وتُعد المنظومة جزءًا أساسيًا من نظام الدفاع الجوي في تركيا، فهي صواريخ أرض-جو قصيرة، ومتوسطة، وطويلة المدى، طوّرتها شركتا “روكيتسان” و”أسيلسان” منذ عام 2007، وتتكوّن من ثلاثة أنواع رئيسية: حصار A، حصار O، وحصار U، المعروف أيضًا بـ(SIPER).
إلى جانب ذلك، تهدف أنقرة إلى إنشاء نظام دفاع جوي متعدد الطبقات في القاعدة وحولها، بقدرات دفاع جوي قصيرة، ومتوسطة، وطويلة المدى، ضد مجموعة متنوعة من التهديدات، من الطائرات النفاثة إلى الطائرات دون طيار إلى الصواريخ.

بدوره، أوضح مصدر عسكري تركي رفيع أن القواعد العسكرية التركية السورية المشتركة، التي سيتم إنشاؤها في مناطق عدة في سوريا وفق التعاون الاستراتيجي بين تركيا وسوريا، ستكون قواعد كبيرة قادرة على تغيير المعادلات في الشرق الأوسط وخدمة المصالح المشتركة للشعبين السوري والتركي.
ويبدو أن “إسرائيل” متخوّفة جدًا من إنشاء تركيا قواعد عسكرية في سوريا، ولا سيما في مطار “T4” العسكري بالقرب من تدمر، الذي استُهدف قبل يومين وأُحدثت أضرار كبيرة في مدرجاته وأصوله الاستراتيجية، في رغبة واضحة منها بمنع وجود أي قاعدة مادية للمطار، وبالتالي إنهاء الحياة العسكرية فيه، وإغلاق الباب تمامًا على تركيا.
وهو ما يصعّب المهمة على تركيا، التي فقدت أيضًا الاستفادة من مطار حماة العسكري، بعد استهدافه بأكثر من 15 غارة عنيفة، وتدميره بشكل شبه كامل، ما يعني أنها قد تحتاج إلى فترة طويلة جدًا من الوقت لإعادة تأهيل هذه القواعد المادية العسكرية، إن أرادت الاستفادة منها مجددًا.
بيان صحفي من وزارة الخارجية بشأن تصاعد العدوان الإسرائيلي على الجمهورية العربية السورية.#سانا #سوريا pic.twitter.com/yw0uhxlL0z
— الوكالة العربية السورية للأنباء – سانا (@SanaAjel) April 2, 2025
الرسالة الإسرائيلية لتركيا واضحة: من غير المسموح لقواتها بالتقدّم أكثر نحو الوسط أو الجنوب السوري، رغم أن سلاح الجو الإسرائيلي، منذ العام 2017 حتى 2023، لم يستهدف مطار “T4″، مع العلم بوجود مصنع داخله تشرف عليه الميليشيات الإيرانية لصناعة المسيّرات القتالية.
وكانت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية قد نقلت عن مصدر أمني قوله: “إن تركيا تمثل تحديًا، فهي ليست إيران، لكنها دولة تريد حاليًا أن تكون إمبريالية. إنها تدرّب وتسلّح الجيش السوري، وتسعى لترسيخ وجودها في قواعد داخل سوريا. نحن لا نرغب في مواجهة مباشرة مع تركيا”.
فيما كشف وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، أن هدفه في سوريا مزدوج: نزع السلاح في الجنوب السوري، وضمان سماء نظيفة فوق سوريا.
أهمية مطار “T4” العسكري
يُعدّ المطار العسكري الأكبر في سوريا، ويُعرف أيضًا باسم قاعدة “التياس” الجوية العسكرية، أو مطار طياس العسكري، ويقع في منطقة صحراوية استراتيجية بريف محافظة حمص الشرقي، على بُعد ستين كيلومترًا شرق مدينة تدمر الأثرية، وتحيط به عدد من حقول الغاز الرئيسية في البلاد.
كان المطار يضمّ 54 حظيرة إسمنتية، وثلاثة مدارج، أحدها رئيسي، واثنان ثانويان، ويبلغ طول كل منها نحو ثلاثة كيلومترات. ويحتوي على أنواع مختلفة من الطائرات، بعضها حديث مثل “ميغ 29″، و”ميغ 27″، و”سوخوي 35”.
كما يضمّ عدة أسراب للطائرات وفق نوعها، فالسرب الأول والخامس من نوع “ميغ 25″، والسرب الثاني يضمّ طائرات من طراز “SU-22-M-4″، وسرب آخر يحتوي على طائرات من نوع “SU-24MK”، إضافة إلى سرب احتياطي مكوّن من 24 طائرة مجهّزة للتحليق الفوري من المدرج الاحتياطي الفرعي.
شكّل المطار عقدة صراع دامٍ بين قوات النظام البائد المدعومة بالميليشيات الإيرانية، وتنظيم الدولة “داعش”، ففي كانون الأول/ ديسمبر 2016، سيطر التنظيم الإرهابي على كتيبة الدفاع الجوي في المطار، بعد أن حاصره من ثلاث جهات، ودمّر ثلاث طائرات حربية تابعة للنظام كانت رابضة داخله، قبل أن تتمكّن قوات النظام والميليشيات الإيرانية من استعادته عام 2017، إثر تدخل عسكري روسي مكثف، لتنتقل السيطرة عليه إلى الجانب الروسي حتى شباط/ فبراير 2021.
ومنذ ذلك العام، بات المطار تحت سيطرة الميليشيات الإيرانية، باعتباره محطة إمداد متقدمة لها على الطريق الواصل بين العراق ودمشق.
حدود النفوذ التركي
السعي التركي للوجود في القاعدة الأكبر في سوريا ووسط البلاد، يتعلق بتشابك النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، في ظل غليان المنطقة حاليًا، وسعي “إسرائيل” لأن تكون اللاعب الأساسي فيها، ورغبة جميع اللاعبين الإقليميين بملء الفراغ الذي خلّفه سقوط النظام، وخروج الميليشيات الإيرانية وأذرعها، وإضعاف النفوذ الروسي أيضًا.
ووفق مركز “حرمون” للدراسات المعاصرة، فإن الملف السوري سيكون ملفًا استقطابيًا لكل من “إسرائيل” وتركيا، عوضًا عن روسيا وإيران وتركيا، حيث وضع الواقع السوري الجديد الاحتلال الإسرائيلي وأنقرة في خط التقاء بريّ، لأول مرة منذ الحرب العالمية الأولى.
وقد ساعد تشكّل السلطة السورية الجديدة في إعادة بناء منظومة التحالفات غير التقليدية التي اعتادتها “إسرائيل”، مما يشكّل حالة قلق وتهديد غير عادي بالنسبة لها ولمصالحها في سوريا، لا سيما في ظل نمو الدور التركي واتساعه، وتطوره من مجرد فاعل في شمال سوريا إلى حليف استراتيجي للحكومة السوريّة، وهو ما دفع قوات الاحتلال للتقدّم جنوب البلاد على حساب القوات التركية شمال سوريا.
في حديثه لـ”نون بوست”، أوضح الباحث السياسي درويش خليفة أن تمركز تركيا في البادية السورية، بقاعدة مطار “T4” العسكري وسط البلاد، له أهداف عدة تتعلق برغبتها في وجود قوة تتبع لحلف الأطلسي (الناتو) في المنطقة، في حال انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من سوريا، وإفراغ قاعدة “التنف” التي تبعد عن قاعدة “التيفور” ما بين 190 و200 كيلومتر.
ويضيف خليفة أن تركيا راغبة أيضًا في حماية مصالحها، كونها تنوي الاستفادة من الأراضي السورية اقتصاديًا (خط ترانزيت لبضائعها التي ستصل إلى الأردن والخليج العربي)، إضافة إلى حماية الحليف السوري، ومنع دخول الميليشيات الإيرانية أو العراقية عبر البادية السورية.
ويتابع: “ومن جهة أخرى، تسعى تركيا لدعم الاستقرار السوري، وتهيئة الأرضية المناسبة لإعادة ملايين اللاجئين، وإنهاء الحلم الإسرائيلي بمشروع ممر داود، الذي يؤثر على النفوذ الجيوسياسي والأمني التركي”.
تسعى “إسرائيل” إلى كبح تمدد النفوذ التركي في سوريا، ومحاصرته قبل أن يتحول إلى تهديد مباشر لحدودها، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالية حدوث صدام عسكري محدود بين الطرفين في المستقبل.
وممر “داود”، هو مشروع إسرائيلي يتمثل بإنشاء شريط من الأرض يمتد من الجولان، مرورًا بدرعا والسويداء عبر البادية السورية، وصولًا إلى نهر الفرات، فمناطق التمركز الكردي في شمال شرق سوريا وشمال العراق، على أن يشمل قيام دولة درزية جنوب سوريا، ودولة كردية في شمالها، تلتقيان في منطقة التنف.
الباحث السياسي التركي علي أسمر يعتبر أن تمركز تركيا في مطار “T4” يمثل تحولًا استراتيجيًا عميقًا في تموضع أنقرة داخل الأراضي السورية، فبينما كانت التحركات التركية محصورة في الشمال، يفتح التموضع في البادية نافذة جديدة لأنقرة للعب دور مباشر في عمق الجغرافيا السورية، حيث تتقاطع مصالح عدة قوى دولية.
ويرى الأسمر، خلال حديثه لـ”نون بوست”، أن قرب قاعدة المطار من قاعدة التنف، التي تُعد أبرز موقع أمريكي في سوريا، يطرح تساؤلات عن توازن النفوذ بين الحلفاء المفترضين في “التحالف ضد داعش”.
ورغم أن تركيا لا تسعى لصدام مباشر مع الولايات المتحدة، إلا أن وجودها في نقطة استراتيجية كهذه يجعلها لاعبًا موازيًا، قد يعيد رسم ميزان القوى شرق الفرات وغرب البادية، خصوصًا إذا قررت واشنطن الانسحاب من سوريا.
صدام يقترب
يرجّح تقرير نشره معهد “ألما” الإسرائيلي، في أواخر آذار/ مارس الفائت، احتمالية سيناريو تعمل فيه طائرات تابعة لسلاح الجو التركي في المجال الجوي السوري ضد طائرات تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، وذلك بعد نقل تركيا قوات ومعدات عسكرية إلى مطار “منغ” العسكري بريف حلب شمال سوريا.
وتمتلك تركيا ترسانة هائلة من الأسلحة، تشمل مقاتلات “إف-16 سي/دي” المُحسّنة، بالإضافة إلى طائرات مُسيّرة متطورة، ودفاعات جوية فعّالة، ودبابات حديثة، وصواريخ بعيدة المدى. ومع وجود هذه الترسانة، يتوقّع المعهد أن يتخذ الجانب التركي مجموعة متنوعة من التدابير الانتقامية، إلى جانب إرسال طائراته ضد الطائرات الإسرائيلية.
وقد تشمل هذه الإجراءات: تزويد السوريين بمعلومات استخباراتية مسبقة عن النوايا الإسرائيلية، ونشر تفاصيل الأنشطة الإسرائيلية، ونقل الأسلحة التقليدية المتقدمة إلى السوريين، مع التركيز على أنظمة الدفاع الجوي، والصواريخ، والطائرات بدون طيار، وغير ذلك.
بوجه عام، يتجلّى التوتر التركي–الإسرائيلي في عدة ملفات متشابكة: أولًا، تسعى تركيا إلى القضاء على جميع الأنشطة الكردية داخل الأراضي السورية، خاصة على طول حدودها الجنوبية، في حين ترى “إسرائيل” في الأكراد حليفًا استراتيجيًا تعتمد عليه في تحقيق جزء من أهدافها الإقليمية.
ثانيًا، تُبدي “إسرائيل” قلقًا بالغًا إزاء ارتباط تركيا بحركة “حماس” ودعمها العلني لها؛ إذ تخشى من إمكانية أن تُقيم أنقرة قواعد أو حواضن للحركة في المناطق الخاضعة لسيطرتها داخل سوريا، ما قد يفتح الطريق أمام “جبهة شمالية” لحماس مكمّلة لجبهتها في الجنوب.
انطلاقًا من هذا القلق، تسعى “إسرائيل” إلى كبح تمدد النفوذ التركي في سوريا، ومحاصرته قبل أن يتحول إلى تهديد مباشر لحدودها، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالية حدوث صدام عسكري محدود بين الطرفين في المستقبل.
الباحث التركي علي الأسمر يرى أن توسّع النفوذ التركي في سوريا من شأنه أن يُقلّص هامش النفوذ الإسرائيلي هناك، لأن أنقرة تنطلق في تحركها من قناعة راسخة بأن أمن تركيا القومي لا ينفصل عن أمن سوريا القومي، وبناءً على ذلك، فإنها ستسعى بكل الوسائل إلى عرقلة أي مشروع إسرائيلي، بما يخدم المصالح التركية والسورية في آن واحد.
ويضيف الأسمر: “لكن تحقق هذا السيناريو مرتبط بانسحاب القوات الأمريكية من سوريا؛ فحينها ستكون تركيا هي القوة الوحيدة التي تمتلك تموضعًا عسكريًا شمالًا ووسطًا وعلى الحدود. وهذا التموضع يجعلها الطرف الأكثر تأثيرًا على الأرض، خصوصًا إذا عززته بتحالفات عربية ومحلية متينة”.
انطلاقًا مما سبق، يمكن القول إن الضربات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت مواقع عسكرية سورية لم تكن موجهة ضد النظام السوري فحسب، بل ضد الدور التركي المتصاعد ومصالحه الاستراتيجية، وهي رسالة حادة لأنقرة، التي تجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق، تُقيّد مناوراتها الدبلوماسية، وتفرض عليها إعادة تقييم موقعها ومشروعها في سوريا، وسط شبكة معقدة من الحسابات الداخلية والإقليمية.