في زنزانةٍ ضيّقةٍ داخل أحد سجون النظام البائد، جلس عبد الرحيم عطون بلحيته الكثيفة وصوته الهادئ، بينما عكست ملامحه صبرًا على المحنة، كان يقضي أيامه بين جدرانٍ موحشةٍ تتردّد فيها همسات السجناء عن مصيرهم المجهول. لم يكن يعلم آنذاك أنه سيصبح لاحقًا شخصيةً مؤثرةً في المشهد الجهادي خلال فترة الثورة السورية، وسيجد نفسه يومًا داخل القصر الرئاسي، ولدرجة أن اسمه بات مُدرجًا ضمن مجلس الإفتاء الأعلى، أرفع منصب ديني في البلاد.
تجسّد مسيرة عطون، المُكنّى بـ”أبو عبد الله الشامي”، تعقيدات وصراعات الجماعات الإسلامية المسلحة على مدار العقد الماضي. ورغم المنعطفات التي مرّ بها، ظل ثابتًا على قناعته بصحة نهجه. فمن هو عطون؟ وما هي أبرز ملامحه الفكرية والمنهجية؟ وكيف تحوّلت مسيرته من الجهاد العالمي إلى تبنّي نهجٍ أكثر واقعية؟
أنجبت سوريا قادةً جهاديين تركوا أثرًا عميقًا على الحركة الجهادية محليًا وعالميًا، نواصل في سلسلتنا هذه، التي تنشرها “نون بوست”، سيرة أبرز هؤلاء القادة ضمن ملف “الجهادية السورية“، مستعرضين البيئة التي نشأوا فيها، والمنعطفات التاريخية والسياسية التي أسهمت في تكوينهم النفسي وشكّلت أفكارهم وشخصياتهم.
البدايات والتكوين العلمي
في خمسينات القرن الماضي، عاشت سوريا حالةً من الاضطراب السياسي والاجتماعي والاقتصادي، حيث تذبذبت بين ديمقراطيةٍ هشّةٍ وانقلاباتٍ عسكريةٍ متكرّرة، وسط صراعاتٍ أيديولوجيةٍ وتنافسٍ بين القوى السياسية، أبرزها حزب البعث والإسلاميون، إلى جانب تأثيراتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ قويةٍ على البلاد.
في ظلّ هذه الأجواء، وُلد عبد الرحيم عطون عام 1956 في بلدة طعوم بمحافظة إدلب، وسط عائلةٍ كبيرةٍ وذات مكانةٍ مرموقةٍ في المنطقة. تربّى في بيئةٍ محافظةٍ ساهمت في تكوينه الديني المبكّر، مما مهّد له الطريق ليصبح لاحقًا شخصيةً بارزةً في المشهد السوري. ويُعدّ والده أحد المشايخ المعروفين في بلدته، كما أن شقيقه، محمد عطون المعروف بـ”أبي الخير”، كان من المؤسسين البارزين لحركة أحرار الشام قبل مقتله عام 2014.
لا توجد مصادر، سواء ميدانية أو إعلامية، تؤكّد حصول عطون على تعليمٍ أكاديميٍّ في أيّ مجال، سواء في العلوم التطبيقية أو الإنسانية أو الشرعية. ومع ذلك، أشارت مؤسسة “الذاكرة السورية” إلى أنه حظيَ بتعليمٍ شرعيٍّ على المستوى المشيخي، فقد بدأت مسيرته التعليمية بدراسة العلوم الشرعية في تركيا، ثم ارتحل إلى الأردن لتلقّي العلم على يد الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، أحد أبرز أعلام السلفية ومدرسة الحديث.
في الواقع، لا تزال المعلومات حول حياة عطون شحيحةً للغاية، ولم يكشف في أي مناسبةٍ عن تفاصيل حياته الشخصية ومسيرته العلمية، باستثناء تأثّره بمذبحة حماة عام 1982، ومعارضته لنظام حافظ الأسد منذ صغره، إضافةً إلى تأثّره بسقوط كابول عام 2001.
وبعد وفاة الألباني، عاد عطون إلى سوريا، وتعرّض للاعتقال عدّة مراتٍ من قبل نظام الأسد بسبب توجّهاته السلفية. وتشير بعض المصادر الجهادية إلى أن عطون كان في البداية معارضًا لتيار السلفية الجهادية، إلا أنه تأثّر لاحقًا بفكر القاعدة خلال فترة اعتقاله في سجون سوريا.
ترك السجن أثرًا عميقًا على عطون، حيث قضى عدّة أشهرٍ في سجن حلب برفقة أبي سارية الشامي، الذي بدا واضحًا تأثّره به، فقد استشهد كثيرًا بكتابه “إضاءات على منهج الجماعة المجاهدة”، ووصفه قائلًا: “الحديث عن أبي سارية طويلٌ جميل.. وأعتقد أنه أثقل شخصيةٍ علميةٍ في الأحرار، رغم عدم شهرة ذلك عند كثيرين”.
بعد تنقّله بين عدّة سجون، من الفرع 235 المعروف بفرع فلسطين إلى الفرع 215 ثم صيدنايا، أفرج النظام عن عطون قبل اندلاع الثورة السورية، ومع تصاعد حملات الاعتقال التي شنّها النظام لاحقًا، غادر عطون البلاد متجهًا إلى الأردن.
المواجهة: العودة إلى سوريا
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، عاد عطون إلى بلاده للمشاركة في القتال ضد النظام، وتولّى في البداية قيادة عدّة تشكيلاتٍ مسلّحة، من بينها “حركة الفجر الإسلامية”، التي اندمجت لاحقًا ضمن جبهة أنصار الدين في أيلول/ سبتمبر 2014، إلا أنه سرعان ما التحق بجبهة النصرة.
وتُظهر كتابات عطون المبكرة تأثّره بمزيجٍ من الفكر السلفي ونزعةٍ جهاديةٍ عالمية، مستوحاة من تراث ابن تيمية وسيد قطب. وقد تمحورت أفكاره حول مفاهيم الحاكمية، والولاء والبراء، إلى جانب المفاصلة مع الجاهلية العالمية والطواغيت.
في الواقع، كان منسجمًا بالكامل مع سرديةٍ وأيديولوجية تنظيم القاعدة، متبنّيًا مفاهيم السلفية الجهادية، ومستندًا إلى آراء أبي محمد المقدسي، وأبي قتادة الفلسطيني، وسيد إمام الشريف. في إحدى محاضراته بحلب، شدّد على كفر الديمقراطية ومن يؤمن بها، كما تمسّك بمبدأ حاكمية الشريعة واعتبره الهدف الأسمى للجهاد، ووجّه انتقاداتٍ حادّة للمفاهيم العلمانية والوطنية، إلى جانب الشيوعية والاشتراكية والرأسمالية.
وقد رأى في هذه الأفكار أدواتٍ خادعةً تُكرّس هيمنة الغرب وتُبعد الأمة عن دينها وهويتها. كما أكّد أن تطبيق الشريعة لا يمكن أن يتم عبر الديمقراطية أو البرلمانات أو الدولة المدنية، ولا من خلال المفاوضات أو تبنّي الحلول السلمية.
كذلك شدّد عطون على ضرورة رفض الحدود التي فرضها الغرب على الأمة، معتبرًا أن عدم الاعتراف بها يجب أن يكون شاملًا، سواء على المستوى النظري أو العملي، دون اللجوء إلى مبرّرات المصالح وغير ذلك. وحذّر من تبنّي مفاهيم مثل “الوطن السوري” أو “التراب السوري”، لأن الجهاد من وجهة نظره ليس مقاومةً وطنيةً أو قطريةً، بل هو جهاد أمة.
ورأى أن الحل يكمن في التزام الجميع بالتطبيق العملي لأحكام الدين، وإقامة حكمٍ إسلاميٍّ يرتكز على مبدأ الشورى عبر “أهل الحل والعقد”. كما أكّد أهمية إقامة العلاقات مع الدول المحيطة على أساس الندية، وبالحد الأدنى من الضرورة، واعتبر أن استقلال القرار الجهادي أمرٌ جوهريٌّ لضمان عدم توظيفه واستغلاله لخدمة أجنداتٍ خارجيةٍ أو تأثّره بالمساعدات والتدخلات الأجنبية بأيّ شكلٍ من الأشكال.
ولذا انتقد بشدة الفصائل التي تلقّت دعمًا عسكريًّا ولوجستيًّا من تركيا وقطر، موجّهًا انتقادًا خاصًّا لحركة أحرار الشام، معتبرًا أنها توسّعت في الأخذ بالرخص. ومن أبرز ما أثاره من انتقاداتٍ كان موقفه الرافض لـ”ميثاق الشرف الثوري”. ويذكر “حذيفة عزام” أن عطون صرّح بوضوحٍ بأن ميثاق الشرف الثوري الذي أصدرته حركة أحرار الشام، يُعدّ ميثاقًا كفريًّا.
كما أن أبا فراس السوري، الذي نشر مقالًا بعنوان “النذير العريان”، وألمح فيه إلى تكفير أحرار الشام وبعض الفصائل السورية، واعتبر “ميثاق الشرف الثوري” وثيقةَ ضلالٍ، كان قد عرض مقاله على عطون، الذي أبدى إعجابه به واستحسانه لمضمونه. وعند سؤاله عن سبب اعتباره “ميثاق الشرف الثوري” ميثاقًا كفريًّا، أجاب عطون أمام جمعٍ من قادة أحرار الشام بأن الشيخ أبا قتادة هو من أفتى بذلك.
ومنذ أن تمدّد تنظيم الدولة إلى سوريا، تبنّى عطون موقفًا صداميًّا تجاه داعش. وفي كتابه “في ظلال دوحة الجهاد”، استعرض بدايات الخلاف بين جبهة النصرة وداعش، مشيرًا إلى أنه التقى بالبغدادي لمحاولة حلّ النزاع الذي استمرّ تسعة أشهر. ويقول:
“سألت البغدادي حينها، وبحضور حوالي عشرة آخرين، هل الارتباط بخراسان مباشرة دون الرجوع إليكم يُعدّ خروجًا عليكم؟ فأجابني: وهل أحدٌ يقول بذلك؟ فقلت له: أنا غير متأكد.. فأجابني البغدادي والكلّ يسمع، بمن فيهم العدناني: خذوها مني، وأنا رأس دولة العراق الإسلامية، الارتباط بخراسان مباشرةً ليس خروجًا علينا، ولا مانع عندي من ارتباط الجبهة بخراسان مباشرةً”.
يوضح عطون أن الأزمة تفاقمت مع استمرار قيادات تنظيم الدولة في سوريا بأخذ البيعات للبغدادي بدل الجولاني، مما دفع الأخير إلى رفع شكوى إلى زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري. ووفقًا لعطون، عندما علم البغدادي والأنباري برسالة الشكوى الموجّهة إلى الظواهري، سعيا إلى إفشال مساعي الجولاني للاستقلال عن البغدادي. وينقل عطون عن البغدادي قوله: “إن جاء ردّ الشيخ الظواهري للجبهة، فسأقبّل رؤوس أهل الشام، وأحمل شوالاتي وأرجع إلى العراق“.
إلا أن البغدادي تراجع عن هذا الوعد، ويشير عطون إلى أن تنظيم داعش استند إلى “فتوى الظفر”، التي أباحت الاستيلاء على ممتلكات جبهة النصرة بالغصب والسلب والنهب. كما تحدّث عطون عن تبنّي داعش لـ”فتوى قتل المصلحة”، التي صاغها الأنباري دون فهمٍ صحيحٍ لكلام أهل العلم، حيث استند إلى آراء تجيز قتل من لا يُدفع شرّه إلا بالقتال، وأسقط هذه الفتوى تعسفيًّا على الفصائل السورية، وعلى رأسها جبهة النصرة.
في الواقع، لعب عطون في تلك الفترة دورًا بارزًا في المواجهة الفكرية والإعلامية ضد تنظيم داعش، وخاصةً من خلال سلسلته المعنونة بـ”مسائل مهمة في الإمامة حق الأمة”. كما مثّل جبهة النصرة في المباهلة التي دعا إليها الناطق باسم تنظيم داعش آنذاك، أبو محمد العدناني، حيث جرت بينهما مواجهةٌ كلاميةٌ عُرفت بمباهلة التنظيمين.
وفي آذار/ مارس 2016، ظهر عطون علنًا لأول مرةٍ في إصدارٍ لجبهة النصرة بعنوان “ورثة المجد”، بعدما كانت هويته مخفيةً ولا يُعرف عنه سوى صوته. تناول في حديثه ثورات الربيع العربي، معتبرًا أن ما شهدته الدول الإسلامية من اضطهادٍ وظلمٍ كان نتيجة سقوط الخلافة الإسلامية، وما تبعه من تقسيمٍ للبلدان.
كما رأى أن فشل التجارب الجهادية السابقة يعود إلى حصر المعركة داخل حدود الدولة الواحدة، دون إدراكٍ أن النظام الدولي هو العدو الحقيقي الذي يُحرّك الأحداث من وراء الستار. واعتبر أن الغلوّ والتطرّف يُشكّلان تهديدًا جوهريًّا للمشروع الجهادي، محذّرًا من أنها كانت السبب الأساسي في فشله. واستشهد بتجربة الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى أن تداعيات تلك المرحلة حالت دون اندلاع انتفاضةٍ هناك خلال موجة الربيع العربي.
ثم، مع دخول جبهة النصرة مرحلةً جديدةً وتشتّت كوادرها في مختلف المناطق، وسط تضييق نظام الأسد وتنظيم داعش عليها، لم يبقَ إلى جانب الجولاني سوى أبي عائشة وأبي محمود حدود. وفي ظل حاجته لتعويض النقص في الكوادر المحيطة به، برز عطون سريعًا ليُصبح أحد أهمّ دائرته المقرّبة، مما مكّنه من الصعود سريعًا داخل التنظيم، ليُصبح أحد أبرز منظّريه الشرعيين.
ومع تصاعد صراع اللوبيات الشرعية، وإبعاد سامي العريدي والقحطاني عن المشهد الشرعي، ارتفع نجمُ عطون، وظلّ اسمه حاضرًا رغم كل الاضطرابات والانشقاقات. وفي هذا السياق، يشير عباس شريفة وحسن الدغيم إلى أن منصب الشرعيّ العام بات خاضعًا بالكامل لسيطرة الجولاني، حيث انحصرت مهمّته في إصدار الفتاوى الشرعية التي تُبرّر قرارات القيادة.
الشرعي العام: ذرائع وتبريرات
في صباحٍ ضبابيٍّ عام 2016، جلس عطون في مكتبه بإدلب، متأمّلًا قرارًا مصيريًّا: فكّ ارتباط جبهة النصرة بتنظيم القاعدة. ورغم عمق العلاقة بين الطرفين وصعوبة اتخاذ هذه الخطوة، أدرك أن البقاء تحت هذا الاسم سيجرّ الجماعة إلى مواجهةٍ حتميّةٍ مع المجتمع الدولي.
لذلك، أجرى مشاوراتٍ داخليةً مكثّفةً بهدف الوصول إلى توافقٍ في الآراء حول قرار فكّ الارتباط بتنظيم القاعدة. لم يكن القرار سهلًا، إذ كان يخشى أن يؤدّي إلى انشقاقاتٍ داخليةٍ ورفض بعض الأعضاء الانضمام للكيان الجديد، وفي هذا السياق، قال عطون: “لم نكن نريد مواجهة المشكلة التي واجهناها عندما انفصلنا عن داعش”.
ولضمان قبول هذه الخطوة، انخرط عطون في مناقشاتٍ داخليةٍ مع نائب الظواهري في سوريا، أبي الخير المصري، سعيًا لإضفاء شرعيّةٍ على قرار الانفصال وتخفيف تداعياته المحتملة.
وبعد أسابيع، ظهر عطون إلى جانب الجولاني وأبي الفرج المصري في تسجيلٍ مصوّرٍ، معلنًا تأسيس جبهة فتح الشام. وعلى ما يبدو، صاغ عطون بيان الانفصال، ويعكس وقوفه إلى يمين الجولاني في مقطع الفيديو الذي أُعلن فيه فكّ الارتباط بتنظيم القاعدة دعمه لهذا القرار، مما يعزّز الرواية التي تشير إلى أنه كان أحد المحرّكين الرئيسيين وراء هذا القرار.
وقد تأكّد هذا الدور لاحقًا من خلال دفاعه الشرس عن فكرة البقاء بعيدًا عن تنظيم القاعدة، وردوده على الظواهري. فعندما علم الأخير بفكّ الارتباط، رفضه، ونشر كلمةً في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، اتّهم فيها هيئة تحرير الشام وأبا محمد الجولاني بنكث العهد.
وفي ردّه على الظواهري، أكّد عطون أن انقطاع التواصل المنتظم مع قيادة القاعدة منحه الحقّ في اتخاذ قراراتٍ تتماشى مع المتغيّرات السريعة على الأرض، مشدّدًا على ضرورة تقديم مصلحة الجهاد السوري على أولويات تنظيم القاعدة. كما رأى أن الحفاظ على استمرارية الثورة السورية ينبغي أن يكون في صدارة الأولويات، مؤكّدًا في هذا السياق:
“نحن لم نقم بخطوة فتح الشام استجابةً للضغط الأمريكي.. وإذا كانت تلك الخطوة وما تلاها لم تنجح في الإزالة من التصنيف، إلا أنها مهّدت الجو بشكلٍ قويٍّ للاعتصام ووحدة الكلمة”.
ثم، في عام 2017، أثار قرار هيئة تحرير الشام بالموافقة على إقامة نقاطِ مراقبةٍ تركيةٍ على حدود مناطق سيطرتها انتقاداتٍ حادّةً من شخصيّاتٍ جهاديّةٍ اعتبرته تنازلًا غير مقبول. في هذا السياق، لعب عطون دورًا أساسيًّا في تبرير سياساتٍ مثل الموافقة على إدخال الأتراك أو دعم وقف إطلاق النار، رغم انتقاداته السابقة للانفتاح على تركيا، لكنه حاول الموازنة بين الالتزامات الأيديولوجية والضرورات الواقعية، مؤكّدًا أهمية الدور التركي في كبح تقدّم النظام نحو إدلب، وواصفًا الانتشار التركي بأنه “مظلّة واقية”.
أما موقف عطون من فصائل الجيش الحر والفصائل الإسلامية الأخرى، فقد لعب دورًا بارزًا في شرعنة قتالهم. وتشير بعض المصادر الداخلية في هيئة تحرير الشام إلى أن عطون كان من أبرز مؤيّدي قتال أحرار الشام وتفكيكهم خلال المواجهات التي اندلعت منتصف عام 2017، وأدّت إلى انهيارٍ كبيرٍ في صفوفها.
ومع اندلاع اشتباكاتٍ عنيفةٍ في منتصف عام 2020 بين هيئة تحرير الشام وغرفة عمليات “فاثبتوا” التي ضمّت خمسة فصائل، لم يكن موقف عطون مختلفًا عن موقفه السابق تجاه فصائل الجيش الحر والفصائل الإسلامية الأخرى. في الواقع، كان يرى أن تعدّد الفصائل في الساحة، وعدم وحدة الصف، هو التحدّي الأكبر، ولذا أصّل لفكرة تقليل مفاسد هذا المرض على حدّ تعبيره.
وفي ظلّ الصدامات بين هيئة تحرير الشام وحراس الدين، وجّه المنظّر الجهادي أبو محمد المقدسي انتقاداتٍ حادّةً للهيئة وأجهزتها الأمنية، متهمًا إيّاها بالتعاون مع الاستخبارات التركية وبارتكاب ممارساتٍ وصفها بالظالمة. كما أفتى المقدسي بحرمة الانضمام للجهاز الأمني للهيئة.
ردّ عطون على المقدسي بشكلٍ قاسٍ، مؤكّدًا أنه يُشكّل تأثيرًا سلبيًّا على الثورة السورية، ووجّه إليه انتقاداتٍ شديدةً لمنهجه، الذي، بحسب وصفه، يغلب عليه التكفير واتهام الآخرين بالعمالة والخيانة، فضلًا عن انحيازه لجماعة الخوارج. كما أشار إلى دوره في تأجيج الفتن داخل الساحات الجهادية في أفغانستان والعراق، متّهمًا إيّاه بالتعصّب في الخصومة، وعدم الالتزام بفقه الخلاف وأدبياته.
وأعلن عطون تبرّؤ هيئة تحرير الشام من المقدسي ومنهجه، وحظر كتبه بشكلٍ علنيٍّ، لكنه في الوقت ذاته، حافظ على علاقاتٍ طيّبةٍ مع أبي قتادة الفلسطيني، ورشّح كتبه، ولم يعترض على نشرها في إدلب.
كذلك، وجّه عطون انتقاداتٍ لمواقف الدكتور عبد الكريم بكار، ورؤيته تجاه هيئة تحرير الشام. ومع تصاعد الانتقادات والتساؤلات التي وجّهها المجلس الإسلامي السوري إلى الهيئة في مطلع عام 2018، ردّ عطون ببيانٍ هاجم فيه المجلس، منتقدًا سياساته، ومتهمًا إيّاه بإطلاق أحكامٍ خاطئةٍ واتهاماتٍ باطلةٍ مبنيةٍ على تصوّراتٍ مغلوطة. وقال عطون:
“صمتنا أكثر من مرةٍ على بياناتكم، أملًا في التروّي الذي كنّا ننتظره منكم في القادمات.. لكنكم عدتم لسابق عهدكم من إطلاق الأحكام الخاطئة، والاتهامات الباطلة المبنيّة على تصوّراتٍ مغلوطة”.
خلال تلك الفترة، كان عطون حاضرًا عند كلّ منعطفٍ سياسيٍّ أو عسكريٍّ أو إعلاميٍّ، مدافعًا عن رؤية هيئة تحرير الشام وقراراتها، تولّى مرارًا دور المتحدّث الرسمي والإفتاء، كما مثّل الهيئة في النزاعات الجهادية الداخلية. ويرى الباحث محمد سالم، من مركز الحوار السوري، أن عطون لم يكن مجرّد المفتي العام للهيئة، بل كان المهندس الفعلي وراء العديد من التحوّلات التي انتهجتها على مدار السنوات الماضية.
وفي دراستهما “شرعيّو هيئة تحرير الشام: البنية – التحوّلات – الدور”، يشير عباس شريفة وحسن الدغيم إلى أن عطون كان المفتي الذي شرعن قتال كلّ تلك الفصائل، وتولّى إصدار البيانات المؤيّدة لتلك الاقتتالات، بجانب الردّ على المنكرين لسياسة تحرير الشام.
ويبدو أن والد عطون وأعمامه كانوا من معارضي سياسة هيئة تحرير الشام. كما يُتّهم عطون من قِبَل بعض الجهاديّين بأنه الأكثر ولاءً للجولاني. وفي ردّه على هذه الاتهامات، شدّد عطون على أنه لم يتغيّر كما يزعم منتقدوه، بل إن التغيّر يكمن في المستجدّات والسياق الاستراتيجي الذي فرض ضروراتٍ جديدةً.
ومع ذلك، لم يطرح عطون رؤًى فقهيّةً جديدةً، على غرار ما فعله أبو يزن الشامي. وكما يوضّح عباس شريفة وحسن الدغيم في دراستهما “شرعيّو هيئة تحرير الشام: البنية – التحوّلات – الدور”، فإن جميع مناظرات وردود عطون بقيت ضمن إطار السلفية الجهادية.
التجديد والاستمرار
في الواقع، كان عطون من أبرز وجوه هيئة تحرير الشام في التواصل مع الجمهور، وبدأ يقترب أكثر من المجتمع المحلي، وأصدر فتاوى تقليدية حول قضايا مثل الزكاة، ورمضان، والعادة السرية، وأحكام عرفة، والعيد، والأضحية، دون تبنّي توجّهٍ أيديولوجيٍّ محدّد.
لدرجةٍ أنه تناول بسخريةٍ مصطلح “الضفادع”، الذي انتشر على نطاقٍ واسع، نسبةً إلى شيخٍ من الغوطة الشرقية يُدعى بسام ضفدع، حشد أهالي بلدته التي كانت تحت سيطرة المعارضة لدعم تقدّم النظام. واستخدم عطون المصطلح لوصف أفراد داخل أوساط المعارضة، ممّن انضمّوا إلى ما أسماه نظام الأسد بـ”التسويات والمصالحات”.
كما ألقى عطون محاضراتٍ في جامعة إدلب، وشارك في عدّة فعاليات، من بينها معرض الكتاب بالمدينة، وحفل تخريج الدفعة السادسة من طلاب معهد إعداد الدعاة، وافتتاح الجامعة الإسلامية، إضافةً إلى تكريم الفائزين في مسابقة القرآن، وحرص خلال هذه المناسبات على الظهور بزيٍّ يعكس مظهرًا مألوفًا للمجتمع، في محاولةٍ لتعزيز تقاربه مع السكّان المحليّين.
في الواقع، أصبح المجال الديني بجميع أشكاله ساحةً للتفاعل والتواصل مع السكان. إلى جانب ذلك، كان عطون نشطًا في لقاءاته العلنية مع القادة العسكريين والمقاتلين، كما بدأ بتوظيف لغة الثورة جنبًا إلى جنبٍ مع المفاهيم الجهادية في خطابه، ولقد نجح في المزج بين خطاب الجهاد وخطاب الثورة بمهارة.
كما تبنّى خطابًا سياسيًّا مغايرًا لما كان عليه في السابق، حيث ركّز على قضايا الحوكمة والاستقرار في مناطق سيطرة الهيئة، مع مراعاة المصالح والمفاسد وفقه الأولويات، وسعى إلى تجنّب استخدام العبارات ذات الطابع الجهادي العالمي قدر الإمكان.
ففي محاضرةٍ بعنوان “الجهاد والمقاومة في العالم الإسلامي – طالبان نموذجًا”، أبدى عطون إعجابه بنموذج حركة طالبان، وسلّط الضوء على أوجه التشابه بين طالبان وهيئة تحرير الشام، مشيرًا إلى التحوّلات التي شهدتها الهيئة، وأبرزها التركيز على الجهاد المحلي في سوريا، وسعيها للانفتاح على العلاقات الدولية.
كما انتقد عطون الحركات التي تقتصر على المشاركة السياسية وتتجنّب العمل العسكري تمامًا. في المقابل، أشاد بالحركات التي تجمع بين المسارين السياسي والعسكري، متّبعةً ما أسماه بـ”نظرية الهدم والبناء”. واستشهد بثلاثة نماذج لهذا النهج: حماس، وهيئة تحرير الشام، وحركة طالبان. يُجادل عطون بأن هذه الحركات تتشارك هدفًا مشتركًا يتمثّل في إعادة تشكيل مجتمعاتها عبر الوسائل السياسية والعسكرية معًا.
كذلك، أصدر عطون بيانًا أكّد فيه أنه لا يعارض الحوار مع الحكومات الأجنبية، وليس لديه أيّ اعتراضاتٍ على الانفتاح على الدول المجاورة والمنظمات الغربية. وفي الحقيقة، أجرى مقابلاتٍ مع وسائل إعلامٍ غربية، والتقى بممثلين عن مجموعة الأزمات الدولية، ومركز الحوار الإنساني من جنيف، كباتريك هايني ودارين خليفة، حيث ناقش تطوّر فكر الهيئة، وعلاقاتها مع الفصائل الأخرى، وأهدافها التي تسعى لتحقيقها.
وبالطبع، هذا لا يعني أن عطون قد تخلى تمامًا عن الجهادية، فقد ألقى عدّة خطاباتٍ حول غزة، انتقد فيها الولايات المتحدة و”إسرائيل”، إضافةً إلى إيران وروسيا، كما أفتى بأن الحكّام العرب الذين خذلوا غزة في الحرب الأخيرة لا يمتلكون ولايةً شرعيّةً على شعوبهم.
المجلس الشرعي: مأسسة السلطة الدينية
أشار عطون إلى أن جبهة النصرة كانت منقسمةً بشأن قضيّة المذاهب الفقهية، حيث رفضها بعض الأعضاء، بينما أيّدها آخرون، من بينهم أبو محمد الجولاني. ومع تحوّل الهيئة إلى كيانٍ حاكمٍ وسعيها لكسب قبولٍ اجتماعيٍّ أوسع، تخلّت عن النهج التقليدي للسلفيّة الجهادية في برامجها الشرعية الداخليّة، معتمدةً على المذاهب الفقهية لتعزيز ارتباطها بالمجتمع المحلي، وفق ما أكّده عطون.
وبحسب عطون، فإن التدريب الديني للمقاتلين شهد تغيّرًا ملحوظًا، حيث بات التركيز ينصبّ على تعبئة عامّة المسلمين دون التعمّق في المسائل الجدلية، مثل الولاء والبراء، كما كان الحال سابقًا. ويرى عطون أنه لا يمكن مناقشة المسائل التخصّصية في الدين إلا مع من يمتلكون مستوى معيّنًا من الفهم، مشيرًا إلى أن العديد من الجنود، على سبيل المثال، لا يُدركون تمامًا مفهوم الولاء والبراء، كما أنهم ليسوا بحاجةٍ إلى هذا القدر من التفاصيل.
ويشدّد عطون على أن الشريعة تظلّ المرجعية الأساسيّة، لكن تطبيقها يعتمد على ظروفٍ معيّنةٍ ليست ممكنةً في الواقع الحالي، إذ يرى أن الهيئة تمرّ بمرحلة “استضعاف”، مما يجعل فرض بعض الأحكام الإسلامية غير عملي، وقد يؤدّي تطبيقها إلى الإضرار بمصالح المجتمع. بعبارة عطون: “الأحكام ثابتةٌ والقدرة متغيّرةٌ”.
وبالمثل، يوضّح أن مهام الحسبة يجب أن تُنفَّذ عبر مؤسسات الدولة الحديثة، مثل الوزارات المختصّة. ويبدو أن هذا التوجّه كان الدافع وراء قراره بإيقاف عمل مركز “فلاح”، الذي كان يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويُعدّ النسخة المعدّلة لجهاز الحسبة الذي تشتهر به عموم التنظيمات الجهادية.
ولذا، يؤكّد عطون أن هدفه ليس فرض رؤيته على المجتمع أو تغييره بالقوة ليتماشى مع أفكاره، مستشهدًا بالتاريخ الإسلامي، حيث يشير إلى أن الخلفاء الأوائل لم يلجؤوا إلى فرض أفكارهم بالإكراه، معتبرًا أن ذلك يتناقض مع العقيدة الإسلامية. كما يرى أن هذا كان الخطأ الجوهري لتنظيم داعش، فمشكلتهم لا تقتصر على استخدام التكفير فحسب، بل تمتدّ إلى نهجهم القائم على الإكراه.
لقاء مع أعضاء من المجلس الأعلى للإفتاء
ومع تحوّل جبهة فتح الشام إلى هيئة تحرير الشام، وانضمام العديد من الفصائل إليها، انتقل منصب الشرعيّ العام من شخص عطون إلى مجلسٍ شرعيٍّ. ففي آذار/ مارس 2019، أُسّس المجلس الأعلى للإفتاء في المحرّر بهدف تنظيم الفتاوى العامة، والحدّ من نفوذ منظّري السلفية الجهادية العالميين، وتقليل تأثيرهم في المحرّر. ورغم أن المجلس حاول إشراك بعض العلماء لتعزيز شرعيّته، إلا أنه بقي تحت تأثير مستشارين مقرّبين من الجولاني.
فقد تولّى عطون رئاسة هذا المجلس، الذي ضمّ أيضًا مظهر الويس، وأصدر قرارًا بمنع استخدام التكفير خارج إطار لجنة الفتوى التابعة للمجلس. كما فرض حظرًا على نشر الفتاوى والأحكام قبل مراجعتها من قِبل هذا المجلس، وأوضح عطون أن الهدف لم يكن احتكار الفتوى، بل إنشاء هيئةٍ شرعيةٍ تحظى بالقبول وتفرض نفسها كمرجعٍ معتمدٍ لا جدال فيه.
كلمة للمجلس الأعلى للإفتاء بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك
وكما أوضح عباس شريفة وحسن الدغيم، كان لهذا المجلس دورٌ بارزٌ في صياغة سياسات هيئة تحرير الشام، لكن تأثيره بدأ يتلاشى في السنوات الأخيرة، حيث لم تعد الهيئة ملزَمةً بالعودة إلى هذا المجلس في جميع قراراتها.
ما بعد التحرير: بين الثبات والتكيف
منذ بدء انطلاقة معركة “ردع العدوان”، التي أسقطت النظام السابق، لعب عطون دورًا بارزًا في تقديم الفتاوى والتعليقات الشرعية حول هذه المعركة، والردّ على تساؤلاتٍ واستفساراتِ الجنود، كما تولّى توضيح وتفسير التصريحات الصادرة عن أحمد الشرع، خاصةً تلك التي أثارت جدلًا داخل أوساط الجهاديّين.
وفي تحوّلٍ هامٍّ، شدّد عطون على أن المرحلة الحالية تستدعي وحدة الصفّ بين مختلف التيارات والمذاهب الإسلامية، مؤكّدًا أهمية تجاوز الخلافات المذهبية، وعدم إقصاء أيّ مدرسةٍ فكريّة، وأوضح أن هذه الخلافات لم تُحسم عبر التاريخ، ولم يُحقّق فيها أيّ طرفٍ انتصارًا نهائيًّا على الآخر. كما ذكر أن السياسة الدينية للإدارة السورية في المرحلة الحالية لن تخرج عن الخطّ المشيخيّ التقليدي.
جلسة الإعلان عن مجلس الإفتاء الأعلى وتعيين المفتي العام للجمهورية العربية السورية بحضور رئيس الجمهورية السيد أحمد الشرع#رئاسة_الجمهورية_العربية_السورية pic.twitter.com/am3blFf5Hj
— رئاسة الجمهورية العربية السورية (@G_CSyria) March 28, 2025
أما في العقيدة الإسلامية، فقد اعتبر أن كُلًّا من الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث والأثر ضمن دائرة أهل السنّة والجماعة، مؤكّدًا نيّته عقد جلساتٍ حواريّةٍ بين العلماء لاحقًا.
وأضاف: “اليوم، بعد أن منّ الله علينا بفتح دمشق وغالبيةِ سوريةَ الشام، فإننا بصدد إعادة هيكلة مجلس الإفتاء على مستوى الجمهورية، بما يتناسب مع الوضع الجديد”.