في حديقة الورود بالبيت الأبيض، وفي كلمة تجاوزت 47 دقيقة، ظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حاملًا لوحة كبيرة، معلنًا قائمة التعريفات الجمركية الجديدة، المفروضة على معظم بلدان العالم، في خطوة وصفها بـ”إعلان التحرير الاقتصادي للولايات المتحدة”، داعيًا زعماء الدول إلى إلغاء الرسوم الجمركية على المنتجات الأميركية، مؤكدًا في الوقت نفسه أن إدارته “ستحاسب الدول التي تعاملنا بشكل سيء”، بما في ذلك الحواجز غير النقدية.
وشملت الإجراءات التي وصفها مراقبون بأنها “زلزال في النظام التجاري العالمي”، فرض ضريبة بنسبة 25% على السيارات المستوردة، و20% على جميع الواردات الأخرى، %34 على الواردات الصينية، %24 على الواردات اليابانية، %20 على واردات الاتحاد الأوروبي، بجانب رسوم إضافية على العديد من الدول العربية مثل مصر وتونس والخليج والأردن، ومن المقرر دخول تلك الرسوم حيز التنفيذ فور الإعلان عنها، فيما يُرجأ بعضها للتاسع من نيسان/أبريل الجاري في تمام الساعة 12:01 صباحًا ( غرينتش – 4) بتوقيت شرق الولايات المتحدة.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تفرض فيها إدارة ترامب تعريفات جمركية على البضائع الأجنبية، فمنذ اليوم الأول من ولايته الجديدة يعزف الرئيس الأمريكي على هذا الوتر، حيث فرض رسومًا إضافية على العديد من السلع أبرزها السيارات والرقائق الإلكترونية والأدوية، لكنها المرة الأولى التي تٌفرض رسوم بهذا المستوى (وصلت 49% دفعة واحدة في بعض الأحيان) وبهذا الاتساع (شملت معظم بلدان العالم حوالي 184 دولة + 27 دول الاتحاد الأوروبي).
وتمثل تلك الحمائية المتشددة، تحولًا جذريًا في السياسة التجارية والاقتصادية العالمية، التي وإن كان يهدف ترامب من خلالها إلى استعادة قوة التصنيع الأمريكية وتحقيق عائدات كبيرة، إلا أنها في الوقت ذاته تهدد بنشوب حرب تجارية عالمية من شأنها أن تُربك كافة الحسابات وتضع الاقتصاد الدولي في مأزق حقيقي، في تحرك استثنائي جدلي سيدفع ثمنه الأمريكان قبل شعوب العالم.
أمريكا أولًا.. ترامب يعلن الحرب على الجميع
بتلك التعريفات غير المسبوقة، والأكبر في التاريخ كدفعة واحدة، يترجم ترامب عمليًا شعاره الذي رفعه خلال حملته الانتخابية، أمريكا أولًا، وهو الشعار الذي لأجله أعلن الرئيس الأمريكي الحرب التجارية على الجميع، الحلفاء قبل الخصوم، مُرسخًا لسياسة جديدة عنوانها “الحمائية قبل أي شيء” ومصلحة أمريكا – من وجهة نظره- فوق كل اعتبار.
ترامب حاول تبرير هذه الخطوة مشيرًا إلى أن ارتفاع الرسوم الجمركية التي تفرضها العديد من الدول على السيارات المصنعة في الولايات المتحدة، مضيفًا: “لا يُسمح لأي من شركاتنا بدخول دول أخرى، وأقول إن الصديق والعدو، وفي كثير من الحالات، الصديق أسوأ من العدو من حيث التجارة، لكن هذه الاختلالات الفادحة دمرت قاعدتنا الصناعية، وهددت أمننا القومي”.
وكعادته ألقى الرئيس الأمريكي اللوم على الرؤساء والقادة السابقين “الذين لم يُؤدوا واجبهم، لقد سمحوا بحدوث ذلك، بل سمحوا بحدوثه لدرجة لا يُمكن لأحد تصديقها”، معتبرًا أن يوم الثاني من أبريل/نيسان 2025 “أحد أهم الأيام” في تاريخ أمريكا، وهذا إعلان استقلالنا الاقتصادي”، لافتًا أن بلاده ستستخدم الأموال الناتجة عن الرسوم الجمركية “لخفض ضرائبنا وسداد ديننا الوطني”.
ويرى ترامب أن هناك تناقض كبير بين تعامل بقية الدول مع المنتجات الأمريكية وتعامل الولايات المتحدة مع المنتجات الأجنبية، لافتًا أن هناك بون شاسع بين الرسوم المفروضة على البضائع الأمريكية ونظريتها المفروضة غير غيرها، قائلًا: “لسنوات، أُجبر المواطنون الأمريكيون الكادحون على الوقوف مكتوفي الأيدي بينما تزداد الدول الأخرى ثراءً ونفوذًا، وكان معظم ذلك على حسابنا. لكن الآن حان دورنا للازدهار”.
وزير الخزانة الأميركي تعقيبا على إعلان ترمب سياسة الرسوم الجمركية الجديدة: خذوا نفسا عميقا، ولا تردوا بالمثل منعا للتصعيد#الشرق #الشرق_للأخبار pic.twitter.com/WMBzdkhypQ
— Asharq News الشرق للأخبار (@AsharqNews) April 3, 2025
ويتوقع رئيس الولايات المتحدة أن تقود مثل تلك الخطوات -التي وصفها بالذكية- إلى تحويل أميركا إلى دولة ثرية وربما أغنى من الكثير من البلدان، وتابع “بإجراءات اليوم، ندافع أيضًا عن مزارعينا ومربي الماشية العظماء الذين يتعرضون لمعاملة وحشية من دول في جميع أنحاء العالم”، وانتقد تحديدًا الرسوم الجمركية التي فرضتها كندا على منتجات الألبان الأمريكية، وقال: “هذا ليس عدلًا لمزارعينا. ليس عدلًا لبلدنا”، مدعيًا أن الولايات المتحدة تقدم إعانات كبيرة لدول مثل كندا والمكسيك “لضمان استمرارها في العمل”.
بلغة المنطق يتعامل ترامب مع التعريفات الجمركية بسياسة “المعاملة بالمثل”، فإذا كانت الدول الأخرى تفرض ضرائب جمركية مرتفعة علي البضائع الأمريكية فمن الطبيعي أن تتم معاملتها بالمثل من الجانب الأمريكي، غير أن تلك السياسة وبهذه الخطوات المتسارعة وبتلك القيم الجمركية الكبيرة دفعة واحدة، وفي هذا التوقيت، سيكون لها تبعات كارثية، على الاقتصاد الأمريكي من جانب، والاقتصاد العالمي من جانب آخر.
ارتباك السوق العالمي.. أي تأثير محتمل؟
لم يتنظر السوق العالمي طويلًا بعد تصريحات ترامب حتى تعرض لهزة عنيفة، حيث شهدت الأسواق المالية تراجعًا ملحوظًا، هو الأسوأ منذ شهرين تقريبًا، حيث هبطت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 1.7%، في حين تراجع مؤشر ناسداك بنسبة 2.4%، فيما تراجع مؤشر “ستوكس 600” الأوروبي بنسبة 1.7%، فيما هبطت الأسهم الألمانية بنسبة 2.4%، وهو أكبر انخفاض يومي بين الأسواق الأوروبية.
وعلى مستوى البنوك في منطقة اليورو فقد خسرت 3.1%، مع تكثيف المستثمرين رهاناتهم على خفض أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي، رغم المخاوف من التضخم الناتج عن الحرب التجارية، فيما تراجعت الأسواق الإيطالية والإسبانية بنسبة 1.7% و1.4% على التوالي.
وفي دراسة لمدرسة الأعمال بجامعة أستون في بريطانيا، فإن الخسائر المتوقعة جراء رسوم ترامب قد تصل إلى 1.4 تريليون دولار، فيما يُتوقع أن ينكمش الاقتصاد البريطاني بنسبة 1% إذا تم فرض الرسوم الشاملة، ما قد يؤدي إلى ضغوط على الحكومة لرفع الضرائب أو خفض الإنفاق العام.
وشهدت الأسواق الأسيوية هي الأخرى تراجعًا كبيرًا، حيث انخفض مؤشر هانغ سينغ في هونج كونج بنسبة 2.43% ليصل إلى 22638.21 نقطة عند بدء التداولات صباح الخميس، كما هوت بورصة هانوي في فيتنام بأكثر من 5%، حيث انخفض مؤشر “في إن” الرئيسي بنسبة 5.13% إلى 1250 نقطة، أما بورصة طوكيو فقد أغلقت على انخفاض بنسبة 2.77% لمؤشر نيكي، الذي سجل 34735 نقطة، فيما تراجع مؤشر توبكس بنسبة 3.08% إلى 2568 نقطة. كما تأثرت سوق الأسهم الكورية الجنوبية، حيث انخفض مؤشر كوسبي بنسبة 0.77%، بعد أن شهد تراجعاً أكبر عند الافتتاح.
صدمة واستنكار.. ماذا عن رد الفعل الدولي؟
الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب قوبلت بغضب واستنكار دولي، وحذرت دول من أن تزلزل تلك الخطوة استقرار النظام النقدي والاقتصادي العالمي..
الاتحاد الأوروبي.. لوح الاتحاد الأوروبي باستهداف الخدمات الرقمية الأميركية، حسبما أعلنت الناطقة باسم الحكومة الفرنسية صوفي بريماس التي قالت في تصريح لشبكة “آر تي إل” الفرنسية، إن الاتحاد سيستهدف بعد ذلك “كل المنتجات والخدمات” ومن المرجح أن تكون الإجراءات جاهزة بنهاية إبريل/ نيسان، موضحة أن هذا الأمر لا يزال قيد المناقشة، وتابعت: “لكننا سنستهدف أيضاً الخدمات. على سبيل المثال، الخدمات الرقمية عبر الإنترنت التي لا تخضع للضرائب حالياً”، لافتة إلى أن رد الاتحاد الأوروبي قد يتعلق أيضًا بـ”الوصول إلى عقود الشراء الخاصة بنا”.
كندا.. تعهد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بالرد على رسوم ترامب، معتبرًا أنها “ستغير جذريًا” التجارة الدولية، مضيفًا “سنتصدى لهذه الرسوم الجمركية بإجراءات مضادة” معتبرا أن الرسوم على الصلب والألمنيوم والسيارات “ستؤثر مباشرة على ملايين الكنديين”.
ألمانيا.. ندد اتحاد صناعة السيارات الألماني (في دي إيه) بالرسوم الجمركية، مطالبا الاتحاد الأوروبي بالرد عليها بقوة كونها “ستُسبب خسائر فادحة” ومناشدًا إياه في الوقت نفسه “الاستمرار في التعبير عن استعداده للتفاوض”، كما حذر من أن الخسارة لن تقتصر على بلاده بل ستطال المستهلك الأميركي وصناعة السيارات الأميركية نفسها.
إيطاليا.. أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني أن رسوم ترامب “إجراء سيئ”، محذرة من أن اندلاع حرب تجارية لن يؤدي إلا إلى إضعاف الغرب، مضيفة في بيان لها أن “فرض الولايات المتحدة رسومًا جمركية على الاتحاد الأوروبي إجراء أعتبره خاطئًا ولا يصب في مصلحة أي من الطرفين. سنبذل قصارى جهدنا للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة لتجنب حرب تجارية ستؤدي حتمًا لإضعاف الغرب لصالح جهات فاعلة عالمية أخرى”.
عاجل | نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي: سنفرض رسوما مضادة ردا على الرسوم الجمركية الأمريكية
— الجزيرة – عاجل (@AJABreaking) April 3, 2025
بريطانيا.. أعلن وزير التجارة البريطاني جوناثان رينولدز أن المملكة المتحدة ما زالت ملتزمة بالتوصل لاتفاق مع الولايات المتحدة “لتخفيف” تأثير الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة، مشددًا على أن لندن لا تعتزم اتخاذ إجراءات انتقامية في الحال، فيما اعتبرت جماعة الضغط المعنية بالتصنيع “ميك يو كي” تلك الرسوم بأنها “مدمرة وستقضي على عقود من سلاسل التوريد المتكاملة التي تربط المملكة المتحدة بالولايات المتحدة من خلال شركاء تجاريين آخرين”.
البرازيل.. أقر البرلمان البرازيلي قانونًا يجيز للحكومة اتخاذ إجراءات للرد على أي قيود تجارية تعرقل صادرات البلاد، بينما قالت حكومة الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا إنها تأسف للقرار الذي اتّخذته الحكومة الأميركية اليوم بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10% على كل الصادرات البرازيلية.
أستراليا.. أعلن رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز أن رسوم ترامب “غير مبررة بتاتًا” ومن شأنها أن تغير علاقة بلاده بالولايات المتحدة.
أيرلندا.. أعرب رئيس الوزراء الإيرلندي مايكل مارتن عن “الأسف الشديد” لفرض الرئيس الأميركي رسومًا جمركية بنسبة 20% على واردات بلاده من الاتحاد الأوروبي، داعيًا الدول الـ27 الأعضاء بالتكتل إلى الرد على واشنطن بطريقة “متناسبة”.
الدانمارك.. قال وزير الخارجية الدانماركي لارس راسموسن إن “الجميع استفادوا من التجارة العالمية، ولا أفهم لماذا تريد الولايات المتحدة شن حرب تجارية على أوروبا. لا أحد ينتصر، الجميع خاسرون” مؤكدًا أن “أوروبا ستبقى موحدة وستقدم ردودًا قوية ومتناسبة”.
سويسرا.. أكدت الرئيسة كارين كيلر-سوتر التي فرض ترامب على بلادها رسومًا جمركية بنسبة 31% أن “المصالح الاقتصادية الطويلة الأمد لسويسرا تشكل الأولوية”، مشيرة إلى أن “احترام القانون الدولي والتجارة الحرة أمران أساسيان”، ولفتت إلى أن برن “ستحدد بسرعة ما سيأتي بعد ذلك”.
عاجل | رئيس الوزراء البريطاني: ندخل عهدا جديدا في مجال الدفاع والأمن وآخر في مجال التجارة
— الجزيرة – عاجل (@AJABreaking) April 3, 2025
الصين.. أعلنت بكين أنها “تعارض بشدة” الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة على صادراتها، متعهدة باتخاذ “تدابير مضادة لحماية حقوقها ومصالحها”، فيما قالت وزارة الخارجية في بيان لها إن تلك الرسوم “لا تتوافق مع قواعد التجارة الدولية وتضر بشكل خطير بحقوق الأطراف المعنيين وبمصالحهم المشروعة”.
اليابان.. حذرت اليابان من أن الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها ترامب قد تنتهك قواعد منظمة التجارة العالمية والمعاهدة التجارية المبرمة بين البلدين، بينما أعلن وزير التجارة والصناعة أن طوكيو أبلغت واشنطن بأن الرسوم الجمركية إجراء “مؤسف جدًا”.
كوريا الجنوبية.. أعرب الرئيس بالإنابة هان داك سو عن أسفه لأن “حرب الرسوم الجمركية العالمية أصبحت حقيقة” متعهدًا باستخدام جميع موارد الحكومة للتغلب على الأزمة التجارية.
إعادة تشكيل النظام العالمي.. حين خذلت العولمة أميركا
في تصريح لنائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، خلال خطاب ألقاه الشهر الماضي، قال إن “العولمة خذلت أميركا”، وهو التصريح الذي يعكس نظرة إدارة ترامب للعولمة واعتبارها مشروعًا فاشلًا بعدما كانت الاستراتيجية الأبرز للنمو الأمريكي وتربع الولايات المتحدة على عرش الاقتصاد العالمي.
وتتعامل واشنطن مع العولمة بسياسة برغماتية بحتة، فحين كانت تحقق لها المكاسب الاقتصادية وتحافظ على نموها ونهضتها كانت استراتيجية جيدة ومحمودة ومدعومة، لكن اليوم وبعدما باتت لم تحقق وعودها بنقل الدول الغنية إلى “سلسلة القيمة الأعلى”، وتُترك المهام البسيطة للدول النامية، أصبحت مشروعًا فاشلًا يجب التخلص منه فورًا.
وكان تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” قد حذر من أن أميركا إذا ما بالغت في الضغط على حلفائها من خلال تعاظم الرسوم الجمركية، فقد تجد الصين الفرصة مواتية لسد الفراغ، خصوصًا في الأسواق الأوروبية. وقد تُغرق المنتجات الصينية من إلكترونيات وملابس وألعاب الأسواق الغربية بأسعار منخفضة، بعدما تُحجب عن السوق الأميركية.
🔶#عاجل | الجزيرة | رئيس وزراء أيرلندا : الرسوم الجمركية الأمريكية تضر بالاقتصاد العالمي.#جريدة_العرب | #قطر pic.twitter.com/VkvvbvGsUD
— صحيفة العرب – قطر (@AlArab_Qatar) April 3, 2025
وترى “بي بي سي” أن ما يحدث اليوم لن يؤدي فقط إلى إعادة تشكيل الاقتصاد الأميركي لكنه يُنذر بتغيير شامل في طريقة إدارة النظام العالمي، فبحسب المراقبين، “حروب الرسوم التجارية يصعب الفوز بها، ويسهل أن يخسرها الجميع”، فالعالم مقبل على فصل اقتصادي جديد، ستمتد تداعياته إلى أقصى أركان الكرة الأرضية، وإن كُتبت فصوله الأولى من حديقة الورود في البيت الأبيض.
ويرى خبراء أن الولايات المتحدة إذا ما استمرت في مثل تلك السياسات الحمائية، فإن عقد النظام الاقتصادي العالمي سينفرط بشكل لا يمكن احتواؤه، فقد تنشأ تحالفات اقتصادية جديدة، إقليمية ودولية، وسيطرق العالم أبواب أنظمة تجارية أخرى لتحل محل منظمة التجارة العالمية وقواعدها الراسخة لعقود طويلة.
الاقتصاد الأميركي.. السحر قد ينقلب على الساحر
يحاول ترامب توظيف ملف التعريفات لإنعاش خزائن بلاده بما يقرب سنويًا 700 مليار دولار حسبما جاء على لسان مستشاره التجاري بيتر نافارو، بما يمثل نحو 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، مقسمة إلى 100 مليار دولار من الرسوم على واردات السيارات، و600 مليار دولار أخرى على مختلف السلع المستوردة.
الخبير الاقتصادي الأميركي “جاستن فوكس” ناقش في مقال رأي نشرته وكالة “بلوميرغ” احتمالات تحقيق هذا السيناريو، لافتًا أن الإيرادات الجمركية لم تتجاوز نسبة 2% من الناتج المحلي منذ أوائل سبعينيات القرن الـ19، ولم تحقق هذا الرقم بشكل مستمر إلا في فترات قصيرة جدًا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الـ19.
وردًا على تصريحات ترامب بشأن استهداف الرخاء الاقتصادي من خلال تعظيم الرسوم الجمركية المفروضة على البضائع الأجنبية، يحذّر فوكس من عدم حسم الاعتقاد السائد بأن التعريفات المرتفعة ترتبط حتميا بالنمو الاقتصادي، مشيرًا إلى أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة أصبحت قوة اقتصادية عُظمى خلال فترة التعريفات المرتفعة في القرن التاسع عشر، فإنه لا توجد أدلة قاطعة تربط بين ارتفاع الرسوم الجمركية وازدهار اقتصادي مستدام.
ويستند الخبير الأميركي على بيانات البنك الدولي التي تشير إلى أن الدول ذات الإيرادات الجمركية الأعلى نسبة من الناتج المحلي الإجمالي، مثل السنغال ومنغوليا، ليست من الدول الأكثر ازدهارًا، منوهًا أن الأميركيين اليوم أكثر ثراء بـ17 مرة من سكان السنغال، و10 مرات من الأميركيين في عام 1900، وهو ما يُثير القلق من أن السياسات الجمركية الجديدة قد تُعرض هذا التقدم للخطر.
بلغة الأرقام والحسابات قد يحقق ترامب فعليًا هذا الرقم (700 مليار دولار) من خلال فرض هذه الرسوم، لكن في الوقت ذاته لا بد من الوضع في الاعتبار التداعيات السلبية الناجمة عن تلك السياسات، حيث الارتفاع المفاجئ في معدلات التضخم وتراجع الصادرات ومن ثم انخفاض معدلات الإنتاج، وهو ما سيقود في النهاية إلى خسائر اقتصادية فادحة تفوق الإيرادات الجمركية بمراحل.
وفي حال رد الدول الأخرى على الخطوة الأمريكية بإجراء مماثل، حيث فرض رسوم إضافية على المنتجات الأمريكية، فإن الوضع سيزداد تعقيدًا وصعوبة على الأمريكان، فبحسب الإحصائيات فقد استوردت الولايات المتحدة في 2024 بنحو 3.3 تريليون دولار من البضائع، وهو ما سيكون له أثره على المنظومة النقدية الأمريكية كذلك، فبعيد بدء ترامب خطابه، تراجع الدولار الأميركي بنسبة 1% أمام اليورو، فيما اعتبر زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، كيم جيفريز، أنه “ليس يوم التحرير، بل هو يوم الكساد”.
وهكذا يواصل الفيل الترامبي تحطيم متجر الخزف العالمي، عبر سياسة “التلويش” على كافة المستويات، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، واضعًا العالم أجمع، حلفاء وخصوم، فوق فوهة بركان قابل للانفجار في أي وقت، ضاربًا بكل المقاربات والاعتبارات عرض الحائط، مُنساقًا بجنون العظمة الذي يهيمن على عقليته وإدارته للمشهد، باحثًا عن المجد الشخصي الذي يخلد اسمه في سجلات العظماء حتى لو كان الثمن إشعال العالم وإرباك كافة الحسابات.