محور “موراج”: مشروع “إسرائيل” الإقليمي يبدأ من رفح

شكّل إعلان رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، بشأن إنشاء محور “موراج” جنوبي قطاع غزة، الخطوة العلنية المُكمِّلة لسلسلة من الإجراءات التي نفّذها جيش الاحتلال على الأرض، والتي تمضي نحو هدف استراتيجي واضح: محو مدينة رفح من الخارطة الجغرافية للقطاع، وتحويل مساحاتها إلى منطقة عازلة واسعة تُقتطع فعليًّا من الأرض الفلسطينية، وتُضاف إلى مخزون التوسّع الأمني الإسرائيلي.
ففي الوقت الذي استمرت فيه عمليات التدمير الممنهج لرفح، حتى خلال فترات التهدئة، واصل الاحتلال منع سكانها من العودة إلى منازلهم، تبلورت ملامح أكثر وضوحًا لاستراتيجية إسرائيلية تُراكم تدريجيًّا واقعًا جديدًا، يقوم على توسيع المناطق العازلة، والقضم التدريجي خارج حدود 1967، وفرض وقائع استراتيجية طويلة الأمد، لا تستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل تعيد رسم خرائط الصراع في المنطقة بأكملها.
ويمكن الجزم بأن ما يجري في رفح لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تطور ميداني في حرب إبادة مستمرة، بل هو امتدادٌ لتحولات جوهرية في النظرة الإسرائيلية لمستقبل الصراع، وهي تحولات تحمل في طياتها رسائل مباشرة وغير مباشرة إلى الأطراف الفلسطينية والعربية والدولية، وتندرج ضمن محاولات إعادة صياغة توازنات القوة في الشرق الأوسط.
نتنياهو يُحيي خطة شارون: “موراج” على خط “فيلادلفيا ب”
في تطور جديد وخطير على خريطة العدوان الإسرائيلي، أعلن نتنياهو، بدء السيطرة على محور “موراج” جنوبي قطاع غزة، واصفًا إياه بمحور “فيلادلفيا الثاني”، في خطوة تهدف إلى قطع أوصال القطاع وفصل مدينتَي خان يونس ورفح. وتأتي هذه الخطوة في ظل استكمال جيش الاحتلال حصار حي تل السلطان في رفح، وسط عمليات قصف وتمشيط مكثّف.
وبحسب ما أوردته صحيفة هآرتس العبرية، فقد فوجئت المنظومة الأمنية والعسكرية بإعلان نتنياهو المفاجئ، مشيرةً إلى أن الخطة لم تُعرَض بعد للمصادقة، ولم يُكشف عنها مسبقًا “حرصًا على سلامة القوات العاملة في الميدان”، على حد تعبير الصحيفة.
ومن الجدير بالذكر أن هذا المخطط يُعيد إلى الأذهان الرؤية الاستراتيجية لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرئيل شارون، الذي وضع خطة فصل تُعرف باسم “خطة الأصابع الخمسة”، وهدفت إلى تقطيع أوصال قطاع غزة عبر خمسة محاور استيطانية تمتد من الشرق إلى الغرب، بما يضمن السيطرة الإسرائيلية على النقاط الفاصلة بين مناطق القطاع المختلفة.
وبالعودة إلى خريطة تلك الخطة، فإن مستوطنة “موراج” – التي يُنسب إليها اسم المحور الجديد – كانت تُشكّل “الإصبع الرابع” في خطة شارون، والتي هدفت تحديدًا إلى فصل خان يونس عن رفح، ما يعيد نتنياهو اليوم تفعيله بلبوس عسكري جديد تحت مسمى “فيلادلفيا ب”.
من جهته، أعلن جيش الاحتلال أنه استكمل تطويق حي تل السلطان، مضيفًا أنه دمّر عشرات البنى التحتية والأسلحة، و”قضى” على عدد من المقاومين، مشيرًا إلى العثور على صواريخ ومنصات إطلاق في أحد المباني.
وفي بيان مصوّر، قال نتنياهو: “نحن الآن نقطع أوصال القطاع ونزيد الضغط خطوة بخطوة حتى يُعيدوا لنا الرهائن”. وفي السياق ذاته، دعا وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، سكان غزة إلى “القضاء على حماس”، زاعمًا أن “هذه الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب”.
رفح تُمحى من الوجود
قبل أن يُعلِن الاحتلال رسميًّا تدشين ما سمّاه بمحور “موراج” جنوبي قطاع غزة، كانت ملامح الجريمة قد تكشّفت على الأرض، وبدت واضحة في حجم الدمار الهائل الذي طال مدينة رفح.
إذ شرعت قوات الاحتلال منذ بدء الاجتياح البري للمدينة مطلع مايو/ أيار 2024، وبعد السيطرة على الجانب الفلسطيني من معبر رفح ومحور صلاح الدين (فيلادلفيا)، بتنفيذ عمليات تدمير ممنهَج استهدفت البنية التحتية والكتلة السكانية والعمرانية للمدينة، ضمن مخطط يهدف إلى شطب رفح من الخارطة الجغرافية والديموغرافية.
وحتى خلال فترات وقف إطلاق النار، وُثّقت شهادات ميدانية وحقوقية تؤكد أن الاحتلال لم يلتزم بالمساحات المتفق عليها للانسحاب، بل حافظ على تمركز عسكري عميق في قلب أحياء المدينة، وعلى طول الحدود الفلسطينية–المصرية، وفي المناطق الشرقية، مستخدمًا القصف المدفعي والجوي والقناصة لمنع أي محاولة لعودة السكان أو الوصول إلى المناطق المدمّرة.
وتُشير بيانات بلدية رفح إلى أن أقل من ثلثَي السكان فقط عادوا إلى المدينة خلال فترة التهدئة، فيما بقيت مناطق واسعة محظورة وخطيرة، تمتد من غربي المدينة على شاطئ البحر حتى معبر رفح شرقًا، إضافةً إلى أحياء مركزية مثل دوار العودة والنجمة.
وتُقدّر المساحات المحظورة بنحو 60% من مساحة المدينة البالغة 60 ألف دونم، قبل أن يشن الاحتلال حملته العسكرية الأخيرة ليستكمل السيطرة على ما تبقّى منها، بنسبة 100%.
أما الدمار، فقد بلغ مستويات كارثية، إذ تشير التقديرات إلى تدمير أكثر من 90% من مباني المدينة بين تدمير كلي وجزئي، وشمل ذلك 6 أحياء من أصل 15، و5 مخيمات لاجئين، إضافةً إلى تدمير معظم المنشآت الصحية.
ويشمل ذلك مستشفى أبو يوسف النجار، والمستشفى الأهلي الكويتي، والمستشفى الإندونيسي الميداني. كما انهارت بشكل شبه كامل شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات، وتُقدَّر كمية الركام والأنقاض في رفح بنحو 20 مليون طن.
يؤكد هذا المشهد أن إعلان الاحتلال لم يكن مجرد إجراء عسكري متدحرج وفقًا لمسار التفاوض، بل جاء تتويجًا لخطة طويلة الأمد تستهدف منع سكان رفح من العودة إليها، وتفريغ المدينة بالكامل من محتواها السكاني والعمراني.
ويُعيد هذا النمط من العمليات إلى الأذهان ما نفّذه الجيش المصري خلال حملاته الأمنية في سيناء، عندما أزال مدينة رفح المصرية لإنشاء منطقة عازلة على الحدود مع غزة، بعمق امتد من خمسة إلى ستة كيلومترات، وهو ما يُخشى اليوم أن يُعاد تنفيذه، لكن هذه المرة على الضفة الفلسطينية.
الاستيطان المؤجل
منذ الأيام الأولى لحرب الإبادة على غزة، برز الحديث عن “السيطرة على الأراضي” بوصفه أحد المحاور المركزية في خطاب قادة الصهيونية الدينية وجماعات المستوطنين، الذين عدّوا أن انتزاع الأرض من الفلسطينيين هو الردّ الأكثر إيلامًا وفعالية على رفضهم للاحتلال واستمرارهم في المقاومة.
وقد تكرّس هذا التوجه بوصفه جزءًا لا يتجزأ من مشروع استغلال الحرب لصياغة وقائع ميدانية جديدة تُعيد بعث مشروع الاستيطان داخل غزة، وتحوّله من حلم مؤجَّل إلى برنامج سياسي وأمني تُهيَّأ له الأرضية داخل الرأي العام الإسرائيلي والدولي.
تستثمر جماعات الاستيطان ذريعة “الأمن” لترويج مخططاتها التوسعية، فتعرض مشاريع السيطرة على الأراضي كأدوات حماية استراتيجية للجمهور الإسرائيلي، وتدفع باتجاه تحويل القطاع إلى منطقة خاضعة بالكامل للسيطرة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، بما يمنع تحوّله مجددًا إلى مصدر تهديد.
وفي مؤتمر استيطاني بعنوان “العودة إلى قطاع غزة”، صرّحت وزيرة المساواة الاجتماعية في حكومة نتنياهو، ماي غولان، والعضو في حزب “الليكود”، بأن “أكثر ما يؤلم الفلسطينيين هو انتزاع الأرض”، معتبرةً أن إعادة بناء المستوطنات في غزة لا تخدم الأيديولوجيا فحسب، بل تعزّز أمن “إسرائيل” على المدى الطويل.
تتكرّس هذه الفكرة أكثر في أوساط المتطرفين من اليمين الصهيوني، الذين يروّجون لفكرة أن معاقبة الفلسطينيين بخسارة الأرض يُعدّ الردّ الرادع الوحيد على استمرارهم في النضال، فيقول بعضهم: “على العرب أن يخسروا أراضيهم في الحرب، كي يتذكروا أنهم خسروا. يجب أن ينالوا عقاب فقدان الأراضي”.
في السياق الرسمي، لم تتأخر المؤسسة الحاكمة في تبنّي هذا النهج، ففي نهاية مارس/ آذار 2024، أعلن كاتس، أن “إسرائيل” ستفرض سيطرتها على مزيد من الأراضي في قطاع غزة، معلنًا أن هذا التوسّع جزء من معركة “اجتثاث حماس”، وورقة ضغط لانتزاع بقية الأسرى.
أما بنيامين نتنياهو، فربط صراحةً بين رفض المقاومة تقديم تنازلات في ملف الأسرى من جهة، واستمرار سياسة التوسّع والسيطرة من جهة أخرى، مشيرًا خلال جلسة في الكنيست: “كلما استمرت حماس في رفضها، زاد الضغط الذي نمارسه، وهذا يشمل السيطرة على أراضٍ وإجراءات إضافية”.
هذه التصريحات، المتسقة من حيث التوقيت والمضمون مع مجريات الميدان، توحي بأن نتنياهو يستخدم اليمين الصهيوني ومجموعات المستوطنين كـ”بالونات اختبار”، يطلق من خلالها المواقف الصادمة لرصد ردود الأفعال الإقليمية والدولية، قبل أن يُحوّلها تدريجيًّا إلى سياسة حكومية رسمية.
مع ذلك، فإن المتابعة الدقيقة لنمط العمليات العسكرية، خصوصًا في مدينة رفح والمنطقة الحدودية مع مصر، تُظهر بوضوح أن مخطط السيطرة على الأرض كان قائمًا حتى قبل تعثّر المفاوضات أو انهيار التهدئة، وأن استئناف الحرب لم يكن استجابة لفشل سياسي، بل استمرارًا طبيعيًّا لمشروعٍ مبيّت.
في هذا السياق، يبدو الخطاب الإسرائيلي الذي يربط هذه الإجراءات بملف التفاوض على الأسرى نوعًا من التمويه الاستراتيجي؛ إذ تمضي هذه السياسة قدمًا بغضّ النظر عن موقف المقاومة من التهدئة أو التبادل.
والهدف الجوهري هو الحصول على الأسرى، وحرمان المقاومة من أوراقها، وتجريدها من أدوات الضغط والمناورة، وصولًا إلى ترك قطاع غزة عارياً من أية قوة ردع، ومستباحًا بالكامل أمام الأطماع التوسعية الصهيونية.
الأبعاد الاستراتيجية: من رفح إلى ملامح معادلة إقليمية جديدة
لم يكن إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي إنشاء محور عازل جديد جنوبي قطاع غزة سوى تتويج رسمي لخطة بدأ تنفيذها فعليًّا على الأرض قبل الإعلان بفترة طويلة، فجاء إعلان ما يُسمّى “محور موراج” ليعكس توجهًا استراتيجيًّا مدروسًا يتجاوز البعد الميداني المباشر، نحو صياغة معادلة جديدة في القطاع وعلى مستوى الإقليم.
أولًا: خلق عقبات تفاوضية جديدة
إن السيطرة على محور جديد في الجنوب وفصل خان يونس عن رفح، إلى جانب الإطباق الكامل على مدينة رفح، لا تأتي كخطوة عسكرية فحسب، بل بوصفها ورقة تفاوضية معقّدة تُضاف إلى طاولة المفاوضات، فكما تحوّلت السيطرة على محور فيلادلفيا إلى عنوان خلاف مركزي عطّل اتفاق التهدئة السابق، تعمل حكومة الاحتلال اليوم على تكريس محور “موراج” كأمر واقع، بهدف فرض اشتراطات جديدة تُعقّد أي اتفاق مستقبلي.
وتأتي هذه الخطوة في توقيت بالغ الحساسية، إذ أبدت المقاومة الفلسطينية مرونة عالية لإنجاح اتفاق التهدئة واستكمال مسار إنهاء الحرب، ما دفع نتنياهو إلى التسريع في فرض وقائع ميدانية تُفشل المسار السياسي، وتُبقي خيار الحرب خيارًا أوليًا في الاستراتيجية الإسرائيلية.
ثانيًا: ضمانات جغرافية لمنع التهريب
تهدف خطة الاحتلال إلى تجريف مدينة رفح ومسحها من الخريطة، لإنشاء منطقة عازلة شاسعة خالية من السكان، تمتد من البحر غربًا حتى الحدود المصرية شرقًا، سعيًا لأن تُشكّل هذه المنطقة عمقًا استراتيجيًا يحدّ بشكل كبير من أية إمكانية مستقبلية لإعادة إنشاء الأنفاق التي كانت تُستخدم في تهريب السلاح والمواد الحيوية إلى القطاع.
وتكتمل هذه المنطقة العازلة الفلسطينية مع الشريط الحدودي المُزال من الجانب المصري منذ سنوات، ضمن حملة الجيش المصري لهدم الأنفاق، لتُشكّل ما يشبه “الفراغ الجغرافي التام” بين غزة ومصر، وتحقق مطلبًا استراتيجيًا إسرائيليًا طال انتظاره.
ثالثًا: رسالة عسكرية إلى مصر ومعادلات جديدة في سيناء
تزامن إعلان محور “موراج” مع تسريبات صحفية إسرائيلية عن تحرّك رسمي يقوده نتنياهو يطالب فيه القاهرة وواشنطن بتفكيك البنية العسكرية المصرية في سيناء/ فقد نقلت صحيفة “إسرائيل هيوم” عن مسؤول أمني إسرائيلي قوله إنّ الوجود العسكري المصري المتزايد يُعدّ انتهاكًا كبيرًا لاتفاقية كامب ديفيد، وإنّ “تل أبيب” تعتبره “غير مقبول”.
القلق الإسرائيلي لا يرتبط باللحظة الراهنة فقط، بل يستند إلى قراءة استراتيجية أوسع، تفترض أن أي بنية عسكرية كبيرة، حتى لو كانت تابعة لأنظمة عربية موقعة على اتفاقات سلام، قد تتحوّل لاحقًا إلى تهديد محتمل إذا تغيّرت الظروف السياسية، وهو ما يُفسّر السلوك الاستباقي الإسرائيلي تجاه ما حدث في سوريا، حين دُمرت مقدرات الجيش السوري قبل تحوّله إلى مصدر تهديد فعلي.
رابعًا: تكامل الاستراتيجية الإسرائيلية على مستوى الإقليم
ما يحدث في رفح لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، فالتوسع الإسرائيلي في جنوبي قطاع غزة، ومحاولات فرض وقائع جديدة على الحدود مع مصر، يتزامن مع تصعيد متواصل في الجنوب اللبناني، وتحركات واسعة في الجبهة السورية، في مشهد يدل على بناء استراتيجية إسرائيلية متكاملة لتغيير قواعد الاشتباك، وإعادة رسم حدود النفوذ الإسرائيلي، ضمن سياسة توسعية تستند إلى ظرف إقليمي مفكك وغطاء أمريكي كامل.
في جوهر هذه الاستراتيجية، تلتقي الأبعاد الأمنية والعسكرية مع الحسابات السياسية. فـ”فيلادلفيا 2″ ليس مجرد محور ميداني جديد، بل امتداد لرؤية أوسع تسعى إلى تغيير المشهد الحدودي والجغرافي والأمني في الإقليم بأسره، وإعادة تعريف طبيعة الصراع وحدوده، تمهيدًا لصياغة توازنات جديدة في الشرق الأوسط لعقود قادمة.