يواجه سكان قطاع غزة واحدة من أشرس جرائم الإبادة التي عرفها التاريخ، حيث القصف الإسرائيلي الذي لا يهدأ على مدار الساعة، وحرب التجويع الممنهجة، والحصار الأقرب لمعسكرات القتل النازية، والمشاهد المُرعبة التي تناقلتها منصات التواصل الاجتماعي للأجساد التي تتطاير من شدة التفجيرات المؤهلة لإبادة مدن بأكملها من فوق سطح الأرض.
بهذه الاستراتيجية التي يحاول بها الاحتلال وأد كافة مقومات الحياة في قطاع غزة، وغلق الباب بالكلية أمام الغزيين في البقاء تحت أي دافع أو مبرر، وطني كان أو ديني أو حتى شخصي، وفي ظل الصمت الإقليمي والدولي، والخذلان العربي المعتاد، يتحول مخطط التهجير من ورقة يلوح بها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب على طاولة المفاوضات، إلى مشروع يجري تنفيذه ميدانيًا على أرض الواقع، فيما آلة القتل مستمرة من كل جانب.
الاحتلال الإسرائيلي يُجبر مئات الآلاف من الفلسطينيين على النزوح مجددًا، ويحوّل ثلثي قطاع #غزة إلى مناطق محظورة وأخرى مخصصة للتهجير القسري. pic.twitter.com/Xjdm2Ag6YO
— نون بوست (@NoonPost) April 5, 2025
وكانت المفوضية الأممية لحقوق الإنسان قد أعلنت قبل يومين أن أكثر من نصف قطاع غزة يعيش تحت أوامر الإخلاء الإسرائيلية، فيما وصف المفوض السامي، فولكر تورك، الحصار المفروض على غزة بأنه “يرتقي إلى مستوى العقاب الجماعي، ويمكن اعتباره استخدامًا للتجويع كسلاح حرب”، لافتًا إلى أن برنامج الأغذية العالمي سيوزع آخر طروده الغذائية المتوفرة خلال اليومين المقبلين، فمن ينجو من الموت قصفًا، حتمًا سيقع في فخ الموت جوعًا، وربما رُعبًا ومرضًا.
ويكشف الوضع الميداني الحالي في غزة أن ما تُوهم به الأنظمة والحكومات العربية نفسها بأن ما يحدث في القطاع من حصار وتجويع ونزوح وتشريد وقتل ووأد لكافة مقومات الحياة إنما يأت في سياق الضغط لتقديم المزيد من التنازلات، هو في حقيقته محض خيال، وشماعة عريضة لتسويق الخذلان والعجز الفاضح، فما يحدث ميدانيًا ترجمة عملية لمخطط التهجير الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بداية العام الجاري.
الترانسفير على قدم وساق
بات واضحًا بشكل لا تُخطئه العين انتقال مخطط الترانسفير الإسرائيلي من محطة التهديد إلى التنفيذ العملي وذلك من خلال العشرات من الشواهد والمؤشرات، نستعرض أبرزها:
سياسة الكماشة.. يمارس المحتل مع المحاصرين داخل قطاع غزة سياسة الكماشة، حيث تشديد القصف عليهم شمالًا وجنوبًا في نفس الوقت، بما يدفعهم للنزوح قسرًا للوسط، وهنا يضعهم بين طرفي كماشة محكمة، حيث تتحول مناطق الوسط التي أعلنت عنها “إسرائيل” كمناطق آمنة، إلى معسكرات اعتقال يتحكم فيها جيش الاحتلال، ثم وضع الناس في ظروف رهيبة لإجبارهم على القبول بالتطهير العرقي، ومغادرة القطاع مع أول فرصة تُمنح لهم.
وكانت وكالة “رويترز” قد كشفت في تقرير لها أن مئات الآلاف فروا من مدينة رفح خلال الأسابيع الأخيرة في واحدة من أكبر عمليات النزوح الجماعي منذ بدء الحرب الإسرائيلية على القطاع في تشرين الأول/أكتوبر 2023، لافتة أن نزوح هذه الأعداد الكبيرة من السكان جاء مع تقدم قوات الاحتلال في رفح التي أعلنتها “منطقة أمنية”، علاوة على تنفيذ قوات الاحتلال الإسرائيلي توغلات برية شرق خان يونس وكذلك في بعض المحاور شمالي القطاع.
الحصار وسلاح التجويع.. يتعرض القطاع لحصار غير مسبوق منذ بداية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث حرمان الغزيين من كافة مقومات الحياة، ماء وغذاء ودواء، يتزامن ذلك مع قصف مستمر يومي لا يتوقف، فالمشهد بوضعيته الحالية وتلك الوحشية التي تستهدف التطهير العرقي والإبادة الجماعية ليس له مثيل في التاريخ الحديث.
وتشهد غزة حاليًا مرحلة استثنائية من المعاناة، بحسب وصف الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، مصطفى البرغوثي، الذي يرى أن القطاع يعيش اليوم أخطر وضع له، ليس منذ بداية هذه الحرب فحسب بل منذ حرب النكبة عام 1948، حيث “نشهد مجاعة رهيبة على مرأى ومسمع من العالم، وقتلًا وموتًا من دون أي احترام للحياة الإنسانية”.
ويعتبر البرغوثي أن الهدف الاستراتيجي وراء الإجراءات الإسرائيلية الحالية، هو إجبار كل سكان قطاع غزة على النزوح والخروج إلى معسكرات اعتقال تتحكم فيها “إسرائيل”، ثم وضع الناس في ظروف رهيبة لإجبارهم على القبول بالتطهير العرقي، مشيرًا إلى نية الاحتلال “تكليف شركة أميركية خاصة بإدارة كل ما يدخل إلى غزة تحت إشرافه المباشر”.
الهزيمة النفسية.. يتبنى المحتل استراتيجية هي الأولى من نوعها، حيث الإجهاز على الثبات النفسي الذي كان يتميز به أهل غزة، وكان أحد مقومات الصمود والتحدي على مدار عقود طويلة، وذلك عبر الهرولة لتعظيم معاناة الغزيين بمزيد من الضغوط والآلام، فالأمر ما عاد مقتصرًا على القتل والتجويع والتشريد والحرمان من العلاج وفقط، بل تجاوز ذلك إلى تعمد الإرهاق نفسيًا وجسديًا من خلال الدفع نحو النزوح والتنقل الإجباري من مكان لآخر، تارة من الشمال للجنوب وأخرى من الجنوب للشمال، وثالثة من الوسط للاتجاهين الشمال والجنوب، عبر أوامر الإخلاء التي لا تتوقف، مما يدفع في النهاية إلى تصفير قدرات التحمل والجلد لدى الفلسطينيين ومن ثم الخضوع للمخطط والقبول بالتهجير.
إلى جانب تلك الشواهد فهناك العديد من المؤشرات الأخرى التي تبرهن على دخول مخطط التهجير حيز التنفيذ الفعلي:
– تدمير مدينة رفح عن بكرة أبيها، وعزلها عن الجانب المصري بشكل عملي.
– إجبار سكان رفح -وعددهم يتجاوز مئات الآلاف- على النزوح وتفريغها بشكل شبه كامل بعد السيطرة المطلقة عليها.
– تغيير الهندسة البنيوية والديموغرافية لمنطقة رفح، وتقطيع أوصال غزة، وإعادة هندستها بما يتوائم مع مخطط التهجير والعزل، حيث إنشاء محور “موراج” جنوبي القطاع، والتي تستهدف في المقام الأول محو مدينة رفح من الخارطة الجغرافية للقطاع، وتحويل مساحاتها إلى منطقة عازلة واسعة تٌسحب من خارطة الأرض الفلسطينية، وتُضاف إلى مخزون التوسّع الأمني الإسرائيلي.
– الإصرار على منع دخول البيوت المتنقلة (الكرفانات) وأي مادة من مواد الإعمار التي تضمنتها المرحلة الأولى من الصفقة الأخيرة، بجانب عرقلة كافة الجهود الرامية إلى الدخول في مفاوضات المرحلة الثانية، وهو ما يكشف نية المحتل المبيتة في فرض سيناريو التهجير كواقع لاخيار.
– تسهيل خروج عشرات المواطنين عبر معبر كرم أبو سالم من حملة الجوازات الأجنبية تحت زعم ما يسمى بـ”لم الشمل”، كخطوة أولى نحو فتح الباب على مصراعيه أمام موجات خروج تالية.
– فتح معبر رفح ذهابا فقط، أمام خروج المرضى، الذي يتزايد أعدادهم يوما تلو الأخر، فيما تٌغلق كافة المعابر الأخرى.
– منع دخول أي شاحنة مساعدات من أي من المعابر لقرابة 30 يومًا، حتى وصل التجويع إلى مراحل خطيرة، بعد إغلاق معظم مخابز القطاع بسبب نقص الوقود والطحين معًا.
– رفع وتيرة ومعدلات القتل الهمجي واستهداف المدنيين بشكل غير مسبوق، بما فيهم القطاع الطبي والدفاع المدني، وذلك بهدف ترهيبي بحت، فالاستهداف هنا لأجل القتل المجرد وليس لأسباب سياسية تتعلق بالردع.
– الإعلان صراحة ولأول مرة على أن الهدف من الحرب هو التطهير العرقي لسكان القطاع وتنفيذ مخطط التهجير وإعادة رسم منطقة الشرق الأوسط من جديد كما جاء على لسان نتنياهو، في إشارة إلى استمرارية الحرب دون سقف زمني لها حتى تحقيق أهدافها.
– ما يحدث اليوم من تهجير وتطهير عرقي وتصفية ممنهجة لسكان غزة، جريمة لم تحدث منذ نكبة 1948، بل ربما تفوقها إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه.
زيارة نتنياهو لواشنطن.. استكمال مراحل المخطط
وفي ذات السياق، تأتي زيارة رئيس حكومة الاحتلال لواشنطن المقرر لها الاثنين 7 أذار/مارس الجاري، حيث لقاءه بالرئيس الأمريكي للمرة الثانية منذ عودته للسلطة كانون الثاني/يناير الماضي، إذ من المتوقع مناقشة الخطوة التالية من مخطط التهجير، والبحث عن إجابة للسؤالين الملحين: إلى أين؟ وكيف؟
تذهب التطورات الأخيرة إلى احتمالية استبعاد مصر من خيار استقبال الفلسطينيين من غزة، بحسب رئيس تحرير قناة “العرب” سابقًا، ونائب رئيس تحرير “العربية نت” الكاتب الصحفي المصري فراج إسماعيل، الذي يرجح أن يكون البحر هو وسيلة النقل المتاحة حاليًا لإبعاد الغزيين عن القطاع، فيما لا يزال الأردن خيارًا، وإن تغير التفكير ليكون خيارًا مؤقتًا كدولة مرور.
ويرى النائب السابق لرئيس تحرير “العربية نت” أن هناك عددًا من الدول المطروحة على طاولة النقاش لاستقبال الغزيين منها شمال العراق، التي كانت موضوعة في السابق كجهة توطين للفلسطينيين عند إنشاء الدولة اليهودية، لافتًا أن للعراق تاريخ مع استقبال الهجرات الفلسطينية بعد انتهاء حرب 1948 حيث أخذ الجيش العراقي معه 3500 فلسطيني وارتفع عددهم إلى 5000 عام 1950 بعد تنفيذ خطة لم شمل العائلات الفلسطينية، ووصل العدد إلى 43 ألف فلسطيني قبل احتلال العراق عام 2003.
ورغم رفض العراق لفكرة تهجير الفلسطينيين حفاظًا على تماسك قضيتهم، في الوقت الذي لا يمانع في فتح حدوده أمام الجنسيات الأخرى، إلا أنه يمكن الالتفاف على هذا الأمر -بحسب إسماعيل- من خلال تأكيد الإسرائيليين والأمريكيين على أن الهجرة الفلسطينية إلى الأراضي العراقية هجرة طوعية من غزة نتيجة لاستحالة العيش فيها.
إلى جانب العراق هناك دول أخرى أجرى الكيان الإسرائيلي بالفعل اتصالات معها، وفق ما ذكر الكاتب الصحفي المصري، من بينها المجر، وذلك خلال زيارة نتنياهو الأخيرة لها، مستغلًا الأجواء الدافئة التي تحياها العلاقات بينهما، على أن يتم عرض هذا المقترح على ترامب البيت الأبيض، واستعراض كافة تفاصيل الخريطة الجيوسياسية لمناطق الاستقبال المقترحة.
وأمام هذا المشهد الكارثي، حيث مخطط التهجير يُنفذ على قدم وساق، بخطوات متسارعة، وبأسلوب وأدوات وحشية وإجرامية، وبصورة فجّة ومكشوفة للجميع، إذ بالحكومات والأنظمة العربية تصر على قراءة الموقف بلغات مضللة، حيث الإيهام بأن ما يحدث إنما يأتي في سياق التهديد والضغوط السياسية، إصرار مُخزٍ لخلق شماعة كبيرة وستارة عريضة تُخفي ورائها خذلانها وصمتها الفاضح، ويكأنها تنتفض ضد التهجير، شكلًا، ببيانات الشجب والإدانة فيما تدفن رأسها في التراب أمام جريمة الإبادة التي تتم بالصوت والصورة وعلى الهواء مباشرة.