تتجه السلطات الشرعية في ليبيا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في ظل استمرار تدخل أبو ظبي في الشؤون الداخلية لليبيا وارتكابها مجازر وجرائم حرب ضد المدنيين هناك، في إطار دعمها لجهود اللواء المتقاعد خليفة حفتر الرامية لتقسيم البلاد وفرض نظام عسكري فيها.
جريمة الهضبة
آخر الانتهاكات التي اتُهمت بها الإمارات في ليبيا، استهداف طيرانها المسير الداعم لحفتر، الكلية العسكرية في العاصمة الليبية طرابلس أول أمس السبت، قصف أسفر عن مقتل 30 شخصًا على الأقل وإصابة أكثر من 33، بينهم مدنيون.
وكان “الطلاب يقومون بعملية الجمع المسائي في الباحة الرئيسية للكلية استعدادًا للدخول إلى عنابرهم الخاصة، قبل تعرض الباحة إلى قصف جوي تسبب في سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا”، وفقًا لما أفاد به المتحدث باسم وزارة الصحة بحكومة الوفاق الوطني أمين الهاشمي.
صحيح أن الدعوة إلى قطع العلاقات مع الإمارات، جاءت عقب مجزرة الهضبة، لكن هذا التوجه كان موجودًا من السابق نتيجة الأعمال الإجرامية لحكام الإمارات في ليبيا
جريمة نفذت بطائرة صينية مسيرة على ملك الإمارات، وفقًا لآمر قوة الإسناد بالجيش الليبي، فيما قالت الحكومة الليبية، في بيان الأحد: “المعلومات الأولية بعد معاينة شظايا وبقايا الصاروخ، تبين أن مصدره هو طائرة مسيرة صينية الصنع”، وتابعت “الإمارات دعمت مجرم الحرب حفتر بهذه الطائرة المسيرة، وفقًا لتقارير لجان خبراء الأمم المتحدة”.
وأخذت هذه الطائرات المسيرة الذكية مكان الطائرات المدنية والعسكرية التقليدية التي كانت تستعمل في وقت ماضٍ، رغم أن الدولة الليبية لا تملك رسميًا هذا النوع من الطائرات الحربية، فجميعها ملك لدول أجنبية – على رأسها الإمارات – لها مطامع مختلفة في ليبيا.
لحظة قصف الطائرة للكلية العسكرية ربي ينتقم منك ياحفتر pic.twitter.com/pzI8sySeDK
— Zahra (@Zahra20670644) 5 janvier 2020
تشرف الإمارات على إدارة طائرات وينغ لونغ المسيرة صينية الصنع بتكلفة تقديرية تتراوح بين مليون دولار إلى مليوني دولار (800 ألف – 1.5 مليون جنيه إسترليني)، وهو جزء بسيط من قيمة طائرة ريبر من دون طيار أمريكية الصنع التي يبلغ سعرها نحو 15 مليون دولار.
قطع العلاقات
هذه العملية، كانت بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس، فقد أكد رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، خالد المشري، عزم بلاده قطع العلاقات مع الإمارات، وقال المشري، الأحد، إن المجلس سيعلن اليوم الإثنين قطع العلاقات مع الإمارات، وأننا في حالة حرب معها، فيما قال رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية فائز السراج إن المجلس في حالة انعقاد لمناقشة قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات، كرد فعل على المجزرة التي وقعت بحق طلاب الأكاديمية العسكرية بالهضبة.
من جهته، شدد وزير الدولة الليبي لشؤون أسر الشهداء والمفقودين وشؤون الجرحى المفوض، مهند يونس، عبر حسابه بـ”تويتر” الأحد، على أنه “يجب قطع العلاقات مع دولة الإمارات وإعلان أننا في حالة حرب معها”.
تخاذل صريح ما لم يكن دعماً واضحاً
سلامة وبياناته المائعة واقتراحاته العقيمة لم يجرؤ على ادانه المجرم حفتر وداعمية ويتحدث عن عملية سياسية
سلامة لم يعد مرحباً بك على ارضنا فلم ولن تكن طرفاً محايداًيجب قطع العلاقات مع دولة الإمارات وإعلان أننا في حالة حرب معها
رحم الله شهدائنا https://t.co/N4vyniuhCG
— muhannad younes (@mohanna85081177) 5 janvier 2020
كما جدد رئيس المجلس الأعلى للدولة الأسبق الدكتور عبد الرحمن السويحلي، دعوته لقطع العلاقات مع دولة الإمارات بسبب دعمها لعدوان حفتر، وقال السويحلي في تغريدة عبر حسابه على تويتر، معلقًا على قصف الكلية العسكرية بالهضبة الذي راح ضحيته عدد من القتلى والجرحى: “نتعهد لجميع شهدائنا بالقصاص لهم من حكام دويلة أبو ظبي المارقة التي طالبتُ بقطع العلاقات معها منذ أشهر، وأجدد مطالبتي لحكومة الوفاق بالقيام بذلك فورًا”.
رحم الله شهداء طلبة الكلية العسكرية الذين قضوا إثر قصف الطيران الإماراتي الداعم للمجرم حفتر.
ونتعهد لجميع شهدائنا بالقصاص لهم من حكام دويلة أبوظبي المارقة التي طالبتُ بقطع العلاقات معها منذ أشهر، وأجدد مطالبتي لحكومة الوفاق بالقيام بذلك فورًا !#قطع_العلاقات_مع_الإمارات_واجب_وطني pic.twitter.com/AXgOaZJF2j— عبد الرحمن السويحلي (@Dr_ASewehli) 4 janvier 2020
بدوره قال وزير الثقافة السابق الحبيب الأمين: “إذا لم توقع غدًا وزارة خارجية الوفاق قرارًا بقطع العلاقات مع الإمارات التي تقتلنا وتقصفنا فأنا كمواطن ليبي لن أعترف بحكومة الوفاق وهي لا تمثلني”، وقبلها قال مخاطبًا حكومة الوفاق: “اقطعوا العلاقات بمن صنع له الأجنحة وأعطاه جمر الصواريخ ليلقيه على أطفالكم وشبابكم وعوائلكم، إن كنتم تستحون وتملكون ذرة من إحساس أو وطنية”.
اذا لم توقع غداً وزارة خارجية الوفاق غداً قرارا بقطع العلاقات مع الإمارات التي تقتلنا وتقصفنا فانا كمواطن ليبي لن اعترف بحكومة الوفاق وهي لا تمثلني❗️
— الحبيب الأمين2 ElhabibAlamin (@ElhabibAlamin2) 4 janvier 2020
من جهتها، أدانت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا هذا القصف، وذكرت البعثة في بيان لها أن “التمادي المستمر في القصف العشوائي الذي يطال المدنيين والمرافق المدنية الخدمية كالمستشفيات والمدارس وغيرها، قد يرقى إلى مصاف جرائم الحرب، ولن يفلت الجناة من العقاب طال الزمن أو قصر”.
تدين بعثة الأمم المتحدة بأشد العبارات القصف الذي استهدف الكلية العسكرية في الهضبة، جنوب طرابلس وأسفر عنه سقوط عشرات الضحايا بين قتلى وجرحى. وتشدد على أن التصعيد المتنامي في الأعمال العسكرية على هذا النحو الخطير يزيد من تعقيد الأوضاع في #ليبيا ويهدد فرص العودة للعملية السياسية. pic.twitter.com/ho9XXmIapm
— UNSMIL (@UNSMILibya) 5 janvier 2020
جرائم متعددة
صحيح أن الدعوة إلى قطع العلاقات مع الإمارات، جاءت عقب مجزرة الهضبة، لكن هذا التوجه كان موجودًا من السابق نتيجة انتهاكات متعددة للإمارات في ليبيا.
ويؤكد الصحفي الليبي أنس المسلاتي، أن التدخل الإماراتي في ليبيا ليس وليد اللحظة وإنما تصاعدت وتيرته مع بداية ما يسمى بعملية الكرامة التي بدأها اللواء المتقاعد خليفة حفتر سنة 2014 بهدف السيطرة على الأراضي الليبية، يقول المسلاتي لنون بوست: “منذ انطلاق تلك العملية والنظام الإماراتي يمولها بكل أنواع الدعم عسكريًا وماليًا وسياسيًا، حيث ساهمت في تفكيك ليبيا سياسيًا وعسكريًا وسط صمت دولي على ذلك التدخل”، ويؤكد محدثنا أن “الإمارات أنشأت قاعدة عسكرية لها شرق البلاد المعروفة بقاعدة خروبة”.
ويضيف: “تلك القاعدة أصبحت تدار منها العمليات العسكرية الإماراتية في ليبيا وتخرج منها الطائرات لقصف مواقع حكومية تابعة للحكومة المعترف بها دوليًا، حيث قصفت المطارات والبنى التحتية في ليبيا وآخرها الدعم القوي لحفتر في هجومه على العاصمة طرابلس حيث أسقطت قوات الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق طائرات درون تقصف المواقع في طرابلس تابعة للإمارات”.
هذه الضربات الجوية المتكررة والتصعيد العسكري الذي ترعاه الإمارات وحليفها خليفة حفتر والمرتزقة العاملين معه، من شأنها عرقلة جهود السلام في ليبيا
ويتابع الصحفي الليبي “يتبين هذا الدعم لحفتر أيضًا من خلال الأسلحة المتطورة التي تمت مصادرتها من قوات الجيش بعد تحرير غريان التي اتضح أنها أسلحة أمريكية متطورة جدًا وبتتبع أرقامها التسلسلية وجد أنها أسلحة أمريكية بيعت لفرنسا ومنها للإمارات ومنها سلمت للواء المتقاعد خليفة حفتر”.
ورغم اعتراف الإمارات بحكومة الوفاق الممثل الوحيد للشعب الليبي، فإن هذه الدولة، وفق أنس المسلاتي، تسمح للناطق باسم مليشيات حفتر الخروج من أبو ظبي في مؤتمر صحفي من هناك للتحريض على اقتحام طرابلس وارتكاب المجازر في حق المدنيين.
“لم يقف دور الإمارات عند هذا فحسب”، يقول المسلاتي، “حيث سخرت آلة إعلامية كبيرة تتحرك بحسابات على منصات التواصل الاجتماعي مصدرها الإمارات ومصر لبث الأخبار الكاذبة والداعمة لجرائم عصابات حفتر والتحرك بشكل كبير في تغريدات لتغيير الرأي العام والتغطية على الجرائم البشعة التي تقوم بها تلك العصابات على تخوم طرابلس”.
ودائمًا ما تتهم السلطات الليبية في طرابلس دولة الإمارات بدعم قوات حفتر إعلاميًا وسياسيًا وعسكريًا بطريقة مباشرة وغير مباشرة، ما جعل حكومة الوفاق تصف الموقف الإماراتي تجاه ليبيا بالعدائي والمساهم في تأجيج الوضع بالبلاد.
عرقلة جهود السلام
هذه الضربات الجوية المتكررة والتصعيد العسكري الذي ترعاه الإمارات وحليفها خليفة حفتر والمرتزقة العاملون معه، من شأنها عرقلة جهود السلام في ليبيا وإطالة أمد الصراع الدموي في هذا البلد العربي الذي يعاني أزمات شملت مجالات عدة.
ليس فقط قطع العلاقات مع الإمارات بل يجب اعلانها دولة عدوة وتحويل الأموال المجمدة وكل الأصول الليبية منها إلى دولة أخرى أو دول.
ستكون ضربة قوية لأن اقتصادهم الآن ينهار .. وهذا سيعجل بالإنهيار بإذن الله.
م— خالد ??ليبيا?? (@khalid22900) 5 janvier 2020
يأتي هذا التصعيد في وقت تواصل فيه السلطات الألمانية استعداداتها لاحتضان مؤتمر برلين الذي أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في سبتمبر/أيلول الماضي نيتها الدعوة إليه، لبحث سبل حل الأزمة الليبية المتصاعدة.
يسعى الإماراتيون وحليفهم إلى إفشال مساعي السلام، للتمكن من ليبيا وتنفيذ أجنداتهم في البلاد وتحقيق مصالحهم هناك وخاصة في المنطقة الشرقية ومنطقة الهلال النفطي لما لهما من موقع إستراتيجي ومستقبل اقتصادي كبير دون أن ينافسهم أحد، وإن كان يملك الشرعية، مستغلين ضعف حكومة الوفاق الوطني والأطراف المساندة لها.