أشرنا في المادة المتعلقة بالعائلة الهاشمية في الأردن إلى جذورها الحجازية، باعتبار أن المكون الحجازي كان جزءًا مهمًا من المعادلة القبلية في شبه الجزيرة العربية، التي شهدت أحداثًا فاصلة منذ النصف الأول من العقد الثاني في القرن العشرين، كان أهمها بداية تداعي الدولة العثمانية على خلفية صعود “الشريف الحسين بن علي” قائدًا للثورة العربية ضد الحكم العثماني، وخسارتها – مع ألمانيا – من “الحلفاء” في الحرب العالمية الأولى 1918. وكان من ضمن ما ذكر حينئذ، إرهاصات قيام الدولة السعودية الثالثة في “نجد” على أكتاف مجهود الشريف حسين، كوكيل عربي مؤتمن لبريطانيا على منطقة الخليج الإستراتيجية، مستنِدًا إلى الدعم الديني الناعم من “الحركة الوهابية”، وصولًا إلى التأسيس الرسمي 1932.
اتسمت الدولة السعودية الثالثة التي أسسها عبد العزيز آل سعود، وتناوب على حكمها منذ وفاته عام 1953 خمسة من أبنائه، ببعض الملامح الثقافية والاجتماعية المهيمنة التي تشكل عند تلاحمها هوية المملكة الموحدة، ويأتي على رأسها الطابع القبلي المحافظ. أكثر السرديات التي دعمت هذه الملامح أن المجتمع السعودي تحديدًا ودون غيره يختلف عن غيره من المجتمعات المجاورة (الجغرافيا الثقافية)، لا سيما أنه يعتبر – من خلال مقاربة حديثة – مهبط الوحي الأخير. كما دعمت “الوهابية”، التي تضفي على السلطة شرعيةً مقدسة، رغبة العائلة في الاستئثار بالحكم على أرض تعوم على النفط، كما تعوم بعض الدول على الماء.
لكن انقلابًا هائلًا حدث منذ خمسة أعوام، منذ 2015 على وجه التحديد، حينما بدأ اسم محمد بن سلمان يتردد على الألسنة، وهو الشخص الذي أسس إلى “قطيعة ثقافية” مع الإرث السعودي التقليدي، وأعاد قراءة تاريخ المملكة باعتباره مسارًا من التقدم التدريجي الذي جرت إعاقته خلال فترة استثنائية من الثمانينيات، داعيًا إلى صحوة على “الصحوة”، ومبشرًا في الوقت نفسه بثورةٍ بنيوية ستجتاح أهم القطاعات والمجالات في البلاد، وتعيد تقديم المملكة المعاصرة إلى العالم، فيما يعرف بـ”رؤية السعودية 2030”.. فكيف صعد ابن سلمان؟ وكيف تحول من “رجل الظل الأول في المملكة” كما وصفته صحيفة “إيكونوميست” عام 2016 إلى الحاكم بأمره عام 2020؟
محمد بن سلمان
عندما نتتبع التسلسل الزمني لصعود ابن سلمان من الجذور، سنجد أن صعوده كان رديفًا لمسيرة ترقي والده في سلم العائلة الحاكمة، حيث ينظر الآباء في هذه الممالك إلى تقريب عدد من الأبناء الذكور، كضمانة للحفاظ على مكتسباتهم المادية والرمزية في العائلة، كما تعتبر قيادات الصف الأول أن السماح لقيادات الصف الثاني بتصعيد أبنائهم وسيلة مقبولة لكسب ثقة رجال هذا الصف، لا سيما أن قرابة “البنوة” البيولوجية تصبح أكثر أهميةً ورسوخًا من علاقة “الأخوة”، وبالأخص في السنين المتأخرة.
ارتبط اسم ابن سلمان بوالده على نحو واضح منذ أن كان الأخير أميرًا لمنطقة الرياض عام 2009، حيث عمل محمد في هذه الفترة مستشارًا للأمير ومديرًا لمكتبه، وذلك بعد مدة من الانتداب للعمل الحكومي في مجلس الوزراء على أساس تخصصه الجامعي في حقل “القانون”، وبحلول عام 2012، عندما أصبح سلمان وليًا للعهد إبان حكم الملك عبد الله بن عبد العزيز، تولى ابن سلمان أيضًا الشق الأكبر من تدبير شؤون مكتب والده الذي كان يحمل مع ولاية العهد حقيبة الدفاع ونيابة رئيس الوزراء.
اتسمت نهايات حكم الملك عبد الله بالضعف الشديد على المستويين المحلي والإقليمي، حيث شهدت هذه الفترة صعود الإسلاميين في المنطقة أعقاب ما تعرف بـ”ثورات الربيع العربي”، وتوسع النفوذ الإيراني في الأقاليم المجاورة للسعودية خلال حقبة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، لذلك فقد أخذ كل من محمد بن زايد ولي العهد والحاكم الفعلي لدولة الإمارات، وبنيامين نتنياهو زعيم حزب الليكود اليميني في “إسرائيل”، على عاتقيهما مهمة التغريد في فضاء مضطرب، وقد نجحا بالفعل، خلال مدة وجيزة، في تعطيل قطار الربيع، بل وإعادته إلى الوراء في مصر يوليو/تموز 2013، بيد أن هذا الانتصار التاريخي على إرادة الشعوب لم يكن كافيًا بالنسبة لهذا المحور الذي تطلع إلى ما هو أبعد من ذلك: إعادة ترتيب المنطقة من جديد.
وبحلول مطلع 2015، أصبح سلمان بن عبد العزيز ملكًا رسميًا بعد وفاة أخيه الملك عبد الله بن عبد العزيز، وقد بدأ منذ الشهور الأولى لحكمه يعبد الطريق السعودي أمام الترتيبات الجديدة، حيث أطاح في أبريل/نيسان بشقيقه الأمير مقرن بن عبد العزيز من ولاية العهد، معلنًا أن الوقت حان لتمكين الأجيال الجديدة من الحكم، وأن الأمير مقرن نفسه طلب إعفاءه من هذا المنصب، ليحل محله الأمير الشاب محمد بن نايف بن عبد العزيز قادمًا من وزارة الداخلية إلى ولاية العهد، بينما منح ابن سلمان لقب “ولي ولي العهد”، كما صار نائبًا ثانيًا لمجلس الوزراء ووزيرًا للدفاع.
ابن نايف وابن سلمان
رغم أنه كان الرجل الثالث في تراتبية الحكم بعد أبيه وابن عمه ولي العهد، فإن ابن سلمان منذ ذلك الحين أخذ يتعامل مع الشؤون العامة كما لو كان الحاكم الفعلي للبلاد، بل وربما قبل ذلك بقليل، فقد أعلن الحرب على مليشيات الحوثي مارس/آذار من نفس العام، مشرفًا بنفسه على الضربة الجوية الأولى التي تمت تحت غطاء التحالف العربي لاستعادة الشرعية (عاصفة الحزم)، ردًا على التحركات الانقلابية التي قادتها الفصائل المدعومة من إيران تجاه صنعاء منذ سبتمبر/أيلول 2014، مستغلًا في الوقت ذاته ضعف الحالة الصحية والذهنية للملك الذي ترجح كثير من المصادر إصابته بالزهايمر وتفضيله قضاء ما تبقى من عمره في لعب “البلوت” مع رفاقه.
كما شرع ابن سلمان في نفس التوقيت يسوق لرؤيته الإستراتيجية الجديدة، حيث التقى في يونيو/حزيران 2015 بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبحثا معًا الإجراءات التي يمكن اتخاذها لدفع برنامج المملكة للاستفادة من الطاقة النووية السلمية، ووقعا حينها عقود إنشاء 16 مفاعلًا نوويًا بالفعل، وفي يناير/تشرين 2016، أعلن ابن سلمان نيته في طرح نسبة من أسهم عملاق النفط السعودي “أرامكو” للاكتتاب في البورصة، وفي أبريل/نيسان من نفس العام، خرجت إلى النور رؤية “السعودية 2030” التي تستهدف التعافي من “إدمان” الاعتماد على النفط بحسب ابن سلمان، وتوطين الجانب “اللوجيستي” من الصناعات العسكرية بالمملكة، وذلك بالتزامن مع بعض القرارات “الانفتاحية” التي خففت كثيرًا من سلطة الدين على المجتمع وركزت على تمكين المرأة موضوعًا أساسيًا.
بالإضافة إلى ما سبق، فقد طرح ابن سلمان على الجمهور عددًا من المشروعات البراقة ذات البُعد الإقليمي المتعلق بالترتيبات الجديدة التي يرتجي منها إعادة ترسيم الجغرافيا الاقتصادية – والسياسية السعودية بما يتلاءم مع الشرق الأوسط الذي تعد “إسرائيل” جزءًا طبيعيًا منه، وتقديم هوية ليبرالية للملكة تقوم على الاستثمار في الأنشطة السياحية والترفيهية والعقارية والتكنولوجية، على غرار نيوم والقدية وأمالا والبحر الأحمر.. ولكن السؤال الذي كان مطروحًا آنذاك: أين ولي العهد الأمير محمد بن نايف من كل هذا؟
الحقيقة أن الموجة كانت أعلى من إمكانات – وربما طموح – الأمير نايف، فقد كان ابن سلمان يتحرك في هذه الفترة على ضوء عدد من الحقائق والوقائع: أولها أنه ابن الملك المدلل، ثانيًا أنه الأمير الأكثر طموحًا الذي يمتلك رؤيةً إصلاحيةً شاملةً تعوِل عليها الأوساط الشبابية والمرأة في حين لا يمتلك ابن نايف مشروعًا مثله، ثالثًا أنه يحظى – دون بن نايف – بدعمٍ إقليمي وعالمي غير محدود يمكن ملاحظته بوضوح خلال زياراته الخارجية، رابعًا، أنه كان يرأس بالفعل مجلس الشؤون الاقتصادية والمالية وصندوق الاستثمارات العامة ومجلس إدارة “أرامكو” ووزارة الدفاع، ومن ثم فإن تحركاته تحمل صفةً قانونية.
وبحلول يونيو/حزيران 2017، حدث ما كان متوقعًا، فقد أطاح الملك بابن أخيه الشاب بعد ما أشاع ابن سلمان في العائلة أن ابن نايف يتعاون مع شركائه في “الدوحة”، تلك العاصمة التي اتفقت الدولة وحلفاؤها الإقليميين على حصارها مطلع نفس الشهر، ونجح في شراء رجل ابن نايف وذراعه الأيمن عبد العزيز الهويريني مدير المباحث العامة ورئيس جهاز أمن الدولة، وبحسب المصادر، فإن زيارة الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب إلى الرياض مايو/أيار، في أول رحلة خارجية عقب فوزه بالانتخابات، حسمت المسألة لصالح ابن سلمان الذي زار واشنطن بدوره مارس/آذار لتهنئة ترامب ومنحه 400 مليار دولار في صفقات اقتصادية، ولم ينج من هذه المقصلة إلا سعد الجبري، أحد أبرز رجال ابن نايف الذين استطاعوا الهروب خارج البلاد.
ترتيب البيت
لم تطح الترتيبات التي جرت في منتصف 2017 بابن نايف وفريقه فقط، وإن كانوا الأهم بكل تأكيد، وإنما تضمنت الإطاحة أيضا بعددٍ كبير نسبيًا من القيادات الأكبر سنًا في إدارة الأقاليم والمناطق، ليحل محلها جيل جديدٌ من القيادات الشبابية التي غلب عليها الانتماء إلى “الفرع السديري”، وهم أبناء الملك عبد العزيز المؤسس من زوجته حصة السديري وعددهم سبعة، بالإضافة إلى ترجيح عامل القرابة البيولوجية والشخصية من الملك ونجله الشاب في اختيار الأمراء الجدد.
بموجب هذه الترتيبات، ظهر إلى النور، نجل الملك وشقيق ولي العهد خالد بن سلمان الذي أوفد سفيرًا لبلاده في واشنطن رغم حداثة سنه (مواليد 1988)، واختير أحد “أحفاد” الملك، أحمد بن فهد بن سلمان نائبًا لأمير المنطقة الشرقية الإستراتيجية، بينما حافظ فيصل، نجل الملك، على إمارة منطقة المدينة المنورة رغم الإطاحات، كما تولى كل من بندر وسعود، ابنا الأمير خالد الفيصل، عراب الليبرالية السعودية وعضو هيئة البيعة ونجل الملك عبد العزيز، عضوية الديوان الملكي ونيابة منطقة المدينة المنورة، على الترتيب، فيما ذهب إلى نيابة منطقة عسير الجنوبية الأمير منصور بن مقرن بن عبد العزيز، وحل عبد العزيز بن سعود بن نايف محل عمه في وزارة الداخلية، وكرم عبد العزيز وفيصل، نجلا الأمير “سطام”، رفيق الملك سلمان في مشواره المهني، بعضوية الديوان الملكي.
استفاد ابن سلمان من هذه التغييرات في إبراز جيل جديد من الوجوه الشبابية التي ستدين له بالولاء وتعمل تحت قيادته في المرحلة الجديدة، وأوحى إلى الجمهور بإخراج هذه التغييرات بالتزامن مع الإطاحة بابن عمه من ولاية العهد، أنها كانت جزءًا من عملية تحديث شامل في الدولة ولم تكن تستهدف ولي العهد بشكل شخصي؛ خاصة أن نجل الأمير مقرن (ولي العهد الأسبق)، وابن أخ الأمير محمد بن نايف، قبلا الحصول على نصيبهما من “الترويكا” الجديدة.
أحداث الريتز
مساعي ابن سلمان الذي كثيرًا ما يشبه – لميوله الاستبدادية – في أوساط العائلة الحاكمة بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين، للتخلص من خصومه ورغبته الملحة دائمًا في حرق المراحل واستخدام العلاج بالكي والصدمة، لم تتوقف عند هذه الحدود، فبمجرد توليه منصب ولاية العهد، شرع يقصقص أجنحة العهد القديم للأبد، فيما عرف بمذبحة الأمراء أو أحداث “الريتز كارلتون” نوفمبر/تشرين 2017.
احتجز ابن سلمان في فرع فندق “الريتز” بالرياض نحو 400 من الأمراء (والأميرات) والمستثمرين ورجال الأعمال، وعلى رأسهم أبناء الملك عبد الله: الأمير متعب أكبر أبناء الملك سنًا وأكثرهم تطلعًا للسلطة وأوسعهم نفوذًا، حيث كان يرأس وزارة الحرس الوطني، والأمير تركي بن عبد الله حاكم منطقة الرياض الأسبق، بالإضافة إلى خالد التويجري رجل الديوان وأمير الظل في عهد الملك عبد الله.
السردية الرئيسية التي روجها ابن سلمان لتسويغ هذه المذبحة في المجتمع، كانت أن هذه التحركات جاءت بإيعاذٍ شخصي من الملك سلمان الذي أمر بجمع ملفات الفساد في المملكة منذ توليه السلطة قبل عامين، وأنها حدثت تحت مظلة قانونية بموجب عمل “اللجنة العليا لمكافحة الفساد” التي شكلها الملك، في سياق توجه الدولة لعلاج مشكلة الفساد بشكل أكثر جذرية من ذي قبل: (مواجهة الرؤوس) بدلًا من المعالجة السابقة التي كانت تقتصر على الطبقة الكادحة، خاصة أن معظم هؤلاء الأمراء أعلنوا دعمه سابقًا على حد قوله.
كثير من المصادر المقربة من دوائر الحكم تقول إن تحركات الأمراء السابقين في الدولة السعودية الجديدة باتت مرهونة بموافقة رجال ولي العهد
ولكن توقيت هذه الإجراءات، التي جاءت عقب الإفراغ من القبض على “معتقلي الرأي” مثل الشيخ سلمان العودة والشيخ سفر الحوالي والأكاديمي علي العمري وإحالتهم إلى القضاء لأسبابٍ واهية، والمعرفة السابقة بطريقة ابن سلمان في تصفية حساباته (احتجز بن سلمان رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، في نفس الفندق، في نفس التوقيت ورفض إطلاق سراحه إلا بعد وساطة دولية)، وتتبع طريقة تعامله نفسه مع المال (اشترى ابن سلمان يختًا فارهًا وقصرًا منيفًا ولوحةً مسيحية بمبلغ يقارب مليار ونصف المليار دولار)، كانت – وغيرها – أسبابًا كفيلةً لدحض رواية ابن سلمان عن الأحداث، حيث ذهبت بعض الصحف حينها إلى أنه وضع والدته “فهدة آل حثلين” هي الأخرى تحت الإقامة الجبرية لأسباب مرتبطة بسطوتها النفسية على والده.
ورغم إفراج ابن سلمان عن معظم هؤلاء المعتقلين بعد أن جمع من خرائنهم 107 مليارات دولار، فإن كثيرًا من المصادر المقربة من دوائر الحكم تقول إن تحركات الأمراء السابقين في الدولة السعودية الجديدة باتت مرهونة بموافقة رجال ولي العهد، وقد خرج بعضهم – بحسب حساب “العهد الجديد” – وفي إحدى قدميه سوارٌ إلكتروني (GBS) لمتابعة مسالكه عن بعد، وهو ما يرجح البُعد السلطوي في تفسير هذه الأحداث.
خاشقجي
وهكذا بعد أن دانتِ العباد والبلاد إلى ابن سلمان، بدأ ولي العهد، الذي تنفس الصعداء، يضم مزيدًا من الخبراء والاستشاريين الأجانب، على طريقة حليفه الإقليمي محمد بن زايد، وذلك للإشراف على مشروعاته الاقتصادية العملاقة وإدارة علاقاته مع دوائر النفوذ الغربية.
ولعل من أبرز الأسماء التي برزت في هذا السياق، كان توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وأحد المستشارين في مشروع نيوم، وماتيو رينزي رئيس وزراء إيطاليا الأسبق، وباسم عوض الله مدير مكتب العاهل الأردني سابقًا، ومايكل رينجير الاستشاري في مشروع القدية، وأندرو ليفريس الخبير في الصندوق السيادي، ونيكولاس نيبلرز الرئيس التنفيذي لمشروع أمالا.
أخذ ابن سلمان يعمق أيضًا استعداداته الأمنية الشخصية والاجتماعية على نحو ربما لم تشهده المملكة من قبل، فاستقدم عددًا من وحدات شركة “بلاك ووتر” الأمريكية، وانتدب عددًا من الضباط السابقين من جهاز أمن الدولة المصري، وعلى رأسهم حبيب العادلي، لإعادة هيكلة بعض قطاعات الأمن الداخلي مثل كلية ضباط أمن الدولة الجديدة، كما شاع ارتباط اسم فرقة “السيف الأجرب” بمحمد بن سلمان، وهي فرقة تدخل سريع تابعة لوزارة الحرس الملكي ومؤلفة من 5 آلاف عنصر مدربين تدريبًا احترافيًا.
وفي خضم هذا الزخم، كان ابن سلمان يتحرك داخليًا وعينه على الخارج. اعتبر ابن سلمان أن كثيرًا من جهوده في تغيير الصورة الذهنية عن المملكة المحافظة تتحطم على عتبة معارضي الخارج الذين ينتقدون مساعيه ويبرزون دائمًا الجانب الآخر من هذه الخطوات، وقد تفتق ذهن الأمير المتهور إلى ضرورة إعادة كل معارضي الصف الأول إلى البلاد، سواء كان ذلك بالطرق الناعمة أم بالوسائل الخشنة، خاصة أن للسعودية تاريخً معروفًا في هذا النوع الأخير، على غرار ما حدث مع محمد المفرح ونواف الرشيد.
رفض جمال خاشقجي الانصياع لأساليب ولي العهد ورجاله وإصراره على عدم العودة إلى البلاد، قوبل بإصرار مقابل من ابن سلمان على تأديب الصحفي الكاتب في “واشنطن بوست”، فأرسل فريق الاغتيال المعروف إلى السفارة السعودية في إسطنبول في أثناء تخليصه إجراءات الزواج، بهدف قتله وإخفاء جثته، لتمت قصته معه إلى الأبد، وليكن عبرة ماثلة أمام العِيان من معارضي الخارج في الدولة السعودية الجديدة.
بيد أن يقظة جهاز الأمن الذي استطاع كشف خيوط الجريمة سريعًا، وحنق المستوى السياسي من الاستهانة بالسيادة التركية وإصرار القيادة على إنزال أكبر قدر من العقاب المشروع على القيادة السعودية، استنادًا إلى الحقيقة التي خلدها سعود القحطاني من قبل (أنا ما أقدح من راسي) كانت شروطًا كافية لكشفِ ما وراء الجدران العازلة التي حاول الأمير الأخرق طلاءها لإخفاء دوره في الجريمة، وتهديد دولته الوليد التي باتت تنتظر قرارًا أمريكيًا لرسم مستقبل المملكة بعد ابن سلمان.
يبدو أن التغييرات المتسارعة التي أحدثتها فضيحة اغتيال الصحفي في قلب سفارة بلاده بدولة أخرى، على بنية العائلة الجديدة، التي كان أهمها سحب شقيق ولي العهد من أمريكا وتداعي جناح “تركي الشيخ – سعود القحطاني”، على خلفية إدانة الأخير بوضوح في العملية، لصالح جناح “تركي الدخيل” – الذي تحول إلى رأس الحربة الإعلامية في معركة ابن سلمان مع بعض الأصوات الخارجية، شجعت بعض المعارضين الطموحين من العائلة الحاكمة على المغامرة لسد الفراغ المتوقع جراء رحيل ولي العهد، مثل الأمير أحمد بن عبد العزيز الذي غادر لندن إلى الرياض فور اشتعال الأحداث.
دخول الأمير أحمد بن عبد العزيز تحديدًا على خط الصراع العائلي، كان يعني أن زلزالًا حدث في العائلة الحاكمة، وأن ما بعد فضيحة اغتيال خاشقجي لن يكون كما قبله أبدًا. فمن جهة يعتبر بن عبد العزيز السديري الوحيد الذي قد تبقى على قيد الحياة، بصحبة الملك، من أصل سبعة أمراء ينتمون إلى هذا النسل، كما يعد الأمير الوحيد أيضًا الذي ما زالت تثق في خبرته جميع الأطراف، بدءًا من أسرة الملك عبد الله مرورًا بابن نايف ومجموعته وصولًا إلى بعض المقربين من الملك نفسه، ومن جهة أخرى، فإنه كان معارضًا حقيقيًا لابن سلمان منذ البداية، وقد رفض – مع عضوين آخرين – التصويت له في هيئة البيعة، وأعلن صراحة في وقت سابق أن ما يحدث في اليمن من انتهاكات لا يمثل إلا الملك ونجله.
قصور ذاتي
تمسك ابن سلمان في هذه الآونة بالخلية التي شكلها عقب الأزمة، معولًا على “شريكه” القابع في البيت الأبيض من أجل كبح التحركات البرلمانية الخطيرة، وذلك عبر بوابة جاريد كوشنر الذي تولى التنسيق بينهما. استطاع ترامب أن يبرهن سريعًا على تمسكه بولي العهد عبر إصراره على تمرير إحدى صفقات السلاح الضخمة، التي شملت أيضًا عمان وأبو ظبي، إلى الرياض رغم أنف الكونغرس. كان كل ما يدور في رأس ابن سلمان آنذاك هو أن إبعاده عن المشهد، ولو كان إبعادًا ناعمًا، يعني إقصاءه إلى الأبد، بينما كان مصير الترتيبات الإقليمية الجارية والمصالح التجارية أكثر ما يقلق الحلفاء الدوليين.
أما الأمير أحمد (78 عامًا)، فقد نظر إلى هذه المخاطرة على أنها الفرصة الأخيرة – والأهم – لتسطير اسمه في دفتر حكام المملكة وانتشال البلاد وسمعتها من وحل “المناشير”، فإذا كان هذا الوضع فرصةً مثالية للنيل من ابن سلمان، فإنه حال تجاوزه لن تقف أمامه أي قوة مجددًا، كما يرجح أن الأمير الطاعن في السن نسق اتصالاته مع كل من أنقرة ولندن قبل السفر إلى الرياض.
في الأخير، فاز ابن سلمان بالرهان، بعد ما قدم عددًا من القرابين البشرية ثمنًا لبقائه في السلطة، التي تكفل متعهدوه الخارجيون وأبناء الضحية بقبولها في أعياد الميلاد، وعاد كل شيء إلى نصابه تقريبًا، فرجع جناح “تركي الشيخ” بوجه آخر عبر بوابة “هيئة الترفيه” التي باتت تشعل البلاد بالمهرجانات والاحتفالات، وصار خالد بن سلمان نائبًا لوزير الدفاع، وأكثر المرشحين قربًا لمنصب ولي العهد بعد حلول ساعة الصفر المنتظرة إيذانًا بعزل الملك وتنصيب نجله ملكًا رسميًا.
ولأول مرة منذ تفجر الأزمات في العائلة الحاكمة، ظهر الأمير محمد بن نايف بصحبة الأمير أحمد بن عبد العزيز مجتمعين في عرس أحد أبناء العائلة منذ نحو أسبوعين. تستخدم العائلة هذا الأسلوب عادةً لإرسال رسائل سياسية عن استقرار الأوضاع الداخلية، وبغض النظر عن التفسير، نجح ابن سلمان في تجاوز أهم مطبات المرور إلى الدولة السعودية الرابعة، وحقق رغبته في تكديس كل معارضيه تحت رقابته، ولكن إلى أي مدى قد يكون هذا المخيال مفيدًا، خاصة أنه قد سبق وتعرض لمحاولتي اغتيال في الداخل من قبل؟