هكذا تتستر وسائل الإعلام الأمريكية على المغزى من مقتل جورج فلويد

صحفي يغطي احتجاجات "حياة السود مهمة" في نيويورك

ترجمة وتحرير نون بوست

في شهر أبريل عام 2015 كنت في مظاهرة في بالتيمور بماريلاند من أجل فريدي جراي – 25 عامًا – وهو رجل أسود توفي نتيجة إصابة شديد في النخاع الشوكي تعرض لها في ظهر شاحنة شرطة حيث وضعوه من أجل جريمة الهرب من الشرطة.

نظرًا لسجل جرائم القتل التي تمارسها قوات إنفاذ القانون في أمريكا ضد المجتمع الأسود في البلاد، يبدو أن الهرب رد فعل منطقي طبيعي، في طريقي من محطة مترو الأنفاق وحتى نقطة البداية مررت على زقاق يضم 4 سيارات شرطة ووميض أضواء بينما يصور مجموعة من المواطنين السود المشهد بكاميرات هواتفهم الخاصة.

عندما وصلت سيارة خامسة رفع بعضهم يده كاستسلام ساخر في إشارة إلى التجريم الفعال للسود في أمريكا، مما سمح للشرطة بقتلهم بهذا الانتظام.

تغيير الرواية

كانت المسيرة سلمية تمامًا رغم أنه في وقت لاحق حطم بعض المتظاهرين سيارات الشرطة وزجاج بعض المتاجر وألقوا الهوت دوج والحجارة على قوات القانون والنظام.

كانت عناوين الأخبار تدور حول اشتباكات بيت المتظاهرين والشرطة كما لو أن الشرطة المسلحة والمواطنين البسطاء على قدم المساواة في تلك المعركة.

انتهزت وسائل الإعلام الرئيسية الفرصة لإثارة الشغب بالإضافة إلى الإعلان عن فظائع العنف الذي لا يمكن وصفه، الذي تقصد به بالطبع تدمير الممتلكات الخاصة وليس تمزيق الحبل الشوكي لرجل أسود. 

هناك الكثير من العناوين عن الاشتباكات بين الشعب والشرطة، كما لو أن الشرطة المسلحة والمواطنين البسطاء على قدم المساواة في تلك المعركة

والآن بعد 5 سنوات أثار مقتل الرجل الأسود جورج فلويد – 46 عامًا – في مينيابوليس على يد قوات الشرطة يوم 25 من مايو، تظاهرات ضخمة عبر أمريكا، مما يمنح وسائل الإعلام فرصة أخرى للتنديد بالنهب ودعم الوضع الوحشي الراهن.

لكن يجب أن نعترف بأن بعض جوانب الرواية كانت باتجاه أكثر صدقًا، الذي يبدو أنه حدث نتيجة تعرض الصحفيين أنفسهم الذين غطوا المظاهرات إلى الإهانة من الشرطة.

استفادت قناة فوكس نيوز كما هو متوقع من الأحداث، حيث أطلقت التحذيرات بأن أجزاء من البلاد تتعرض لزيادة عدد الجرائم وسط التظاهرات وأعمال الشغب بما في ذلك زيادة عمليات السطو وإطلاق النار وفي بعض الحالات القتل، ناهيك بالقتل الذي ظهر وسط التظاهرات نفسها.

كتبت مجموعة مراقبة وسائل الإعلام الأمريكية “Fairness & Accuracy In Reporting” قائمة من أكثر من 16 تعبيرًا لطيفًا استخدمه كتاب الولايات المتحدة كعناوين لوصف ضرب الشرطة للناس.

من بين هذه العناوين عنوان “NBC” الذي يقول “ضباط شرطة مينيابوليس يستخدمون تكتيكات أكثر عدوانية ضد المتظاهرين مع اشتعال المسيرات عبر الولايات المتحدة”، وعنوان نيويورك تايمز “بعد حظر التجول، المتظاهرون يلتقون ثانية مع استجابة قوية للشرطة في مدينة نيويورك” وعنوان “NPR” الذي يقول “رغم حظر التجول والوجود البوليسي القوي التظاهرات تنتشر عبر البلاد”.

وكان هناك الكثير من العناوين عن الاشتباكات بين الشعب والشرطة كما لو أن الشرطة المسلحة والمواطنين البسطاء على قدم المساواة في تلك المعركة.

تظاهر

للمصادفة، فتعبير “اشتباكات” يستخدم أيضًا كوصف لطيف من وسائل الإعلام عند الحديث عن مجازر الإسرائيليين ضد الفلسطينيين، وهي حقيقة تكتسب أهمية أكبر في ضوء الخدمة الإسرائيلية كمركز تدريب لإدارات قوات الشرطة الأمريكية.

في الحقيقة، خبرة “إسرائيل” الواسعة في مجال انتهاك حقوق الإنسان تشير إلى أن لديها الكثير لتعلمه للشرطة الأمريكية بشأن شن الحرب ضد المدنيين العزل.

وبينما كان هناك الكثير من الإشارة إلى مناطق التظاهرات كأنها “مناطق حرب” في وسائل الإعلام، فإنها كذلك تشير إلى المخربين للممتلكات الخاصة وكأنهم من أعدوا لتلك الحرب، وكان هناك الكثير من الاهتمام بصور أفراد الشرطة وهم يحضنون المتظاهرين أو يجلسون على ركبتهم.

وكما لو أن قوات إنفاذ القانون ليس لديها ما يكفي من الأعداء المحليين المقاتلين، فقد تحدث تقرير قناة “ABC News” عن نشرة استخبارات الحكومة الأمريكية التي تحذر من “جهات خبيثة” تستهدف الولايات المتحدة من خلال تداعيات مقتل جورج فلويد.

يقول التقرير إن “الخصوم الأجانب” أغرقوا وسائل الإعلام بمحتوى يهدف إلى نشر الانقسام والخلاف، واقتبس من نشرة المخابرات بأن هؤلاء الخصوم ينتقدون الولايات المتحدة ويصفونها بالنفاق والفساد والديكتاتورية والعنصرية وانتهاك حقوق الإنسان وأنها على شفا الانهيار، حسنًا، هذا كله صحيح ولسنا بحاجة لخصوم أجانب لإخبارنا بذلك.

الالتزام بالقواعد

في الوقت نفسه من خلال صحيفة “USA Today” كشفت جولي ماسترايد – مديرة التسويق في موقع “AllSides” الذي يقدم أخبارًا متوازنة وتصنيفات الانحياز الإعلامي وفرص للحديث المدني – عن وسائل التواصل الاجتماعي التي تغذي انقسام مجموعات متنوعة، حيث قالت إن فقاعات تصفية حزبية على الإنترنت شجعت في أعقاب مقتل جورج فلويد الأمريكيين على رفض الاعتراف أو رؤية وجهات نظر أخرى على الإطلاق.

الموضوعية مفهوم يحب الصحفيون رفعه كواجهة زائفة بينما يلتزمون بقواعد المؤسسة

ومع ذلك سنجد أن جوهر ما كتبته ماسترايد يشير إلى أن الرأسمالية والحضارة الغربية مبنية على الخير وليس الشر، وأن مجتمعنا لا يستحق التمزق واستبداله ببعض المثالية، لا يبدو واضحًا كيف يتلاءم التوازن مع ذلك أو ما أهمية الاعتراف بوجهات النظر الأخرى إذا كنت ستشيد بالنظام الرأسمالي العنصري المُلام على قتل جورج فلويد في المقام الأول.

للتأكد من ذلك، فالموضوعية مفهوم يحب الصحفيون رفعه كواجهة زائفة بينما يلتزمون بقواعد المؤسسة ويخلدون الحديث نيابة عن السلطة ورأس المال.

في قضية فلويد يتحدث مدير تحرير “NPR” عن مبادئ توجيهية لكيفية عدم الإشارة إلى قتله بالقتل، حيث يقول: “يمكننا أن نقول إن فلويد مات بعد مشاهدة الضابط ديريك شاوفين في مقطع فيديو وهو يضع ركبته على رقبته، يمكننا أن نقول إن شاوفين متهم بالتسبب في مقتل فلويد، يمكننا أن قول إنهم يزعمون بأن شاوفين قاتل”.

هذه الموضوعية المزعومة تطرد الوكالة من المعادلة، وتستخدم لغة غير ملتزمة ومجوفة وتافهة مثلما حدث عام 2015 عندما أشارت هيئة تحرير واشنطن بوست إلى الوفاة الكارثية للسجينة السوداء المريضة عقليًا في سجن مقاطعة فايرفاكس قائلة: “لقد وجد المحقق أن حقيقة تعرض ناتاشا ماكينا لإطلاق النار عدة مرات من خلال مسدس صعق في أثناء تكبيلها، كان جزءًا من عدة أسباب أدت لوفاتها”.

إن المعاناة التي حفزت هذه الانتفاضة ضد العنصرية وعنف الشرطة قد تمت ترجمتها بشكل سيء أو تجاهلها على نطاق واسع

هذه الموضوعية تشبه أن تصف أحداث 11 سبتمبر كالآتي: “وجد قسم الإطفاء في مدينة نيويورك أن الطائرات التجارية التي اصطدمت بالبرجين كانت جزءًا من عدة أسباب أدت إلى خسارة عامة في الأرواح”.

مواجهة السلطة بالحقيقة

في يوم 4 من يونيو طرحت كيلي ماكبرايد من “NPR” سؤالًا: “هل مات جورج فلويد أم قُتل؟ أسئلة أخلاقية تجيب عنها NPR”، ورغم اعترافها في أول جملة بأن ضابط شرطة مينيابوليس قتل جورج فلويد، فإن ماكبرايد استمرت في تسجيل اعتراضها على أن الخمس سنوات التي قضاها فلويد في السجن سابقًا بسبب السطو المسلح لم يتم الإبلاغ عنها بشكل كاف.

ثم أعربت عن أملها في أن يتوسع فريق “NPR” في تقاريره لتحقيق العدالة في حياة فلويد، الذي تقصد به بالطبع تسليط الضوء على ماضيه الإجرامي.

لكن لماذا لا نطالب هؤلاء الصحفيين بالتوسع في جهود مواجهة العنصرية المؤسسية الأمريكية والعنف الممنهج الذي يجرم الرجال السود على وجه الخصوص مع الشركات التي تستفيد من الحبس الجماعي؟ لأن ذلك يعني مواجهة السلطة بالحقيقة، وهو ما تكره وسائل الإعلام فعله.

يقول جوردون كامب المحرر المشارك مع كريستينا هيثرتون في كتاب: “حفظ نظام الكوكب: لماذا أدت أزمة الشرطة إلى حياة السود مهمة“، أن تغطية وسائل الإعلام الرئيسية للاحتجاجات هدفها إخفاء المغزى من الحدث.

فقد لاحظ كامب أن المعاناة التي حفزت هذه الانتفاضة ضد العنصرية وعنف الشرطة قد تمت ترجمتها بشكل سيء أو تجاهلها على نطاق واسع، يتعلق حفظ النظام بشكل أساسي باحتواء عدم المساواة وسط أسوأ أزمة اقتصادية محتملة في تاريخ الرأسمالية، ومع تعاون الشرطة والإعلام معًا للدفاع عن النظام العنيف، يبدو أن الأزمة رهيبة بالفعل.

المصدر: ميدل إيست آي