خسارة اللواء المتقاعد خليفة حفتر أبرز نقاط تمركزه في الغرب الليبي وتقدم قوات الوفاق نحو سرت لاستعادة السيطرة عليها، جعلت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في حالة استنفار قصوى، حتى أنه بدأ مساع حثيثة لتسليح القبائل الليبية بعد أن كان تركيزه منصبًا على تسليح ميليشيات حفتر.
هذه المساعي لاقت رفضًا كبيرًا في الداخل الليبي وخارجه، فتسليح القبائل -وفق معارضي هذا التوجه- من شأنه أن يزيد في توتر الوضع في ليبيا وأن يجعلنا أمام نسخة جديدة من الصومال ينعدم معها أي حل وفق الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.
تسليح القبائل
في الـ 20 من يونيو/حزيران الماضي، جدد عبد الفتاح السيسي -أثناء مشاركته في عرض عسكري بقاعدة سيدي براني قرب الحدود مع ليبيا- وعيده وتهديداته المتكررة لحكومة الوفاق الشرعية في ليبيا، إلا أنه تلك المرة صرح علنًا بنيته تسليح القبائل الليبية.
الرئيس السيسي هدد بتسليح وتدريب القبائل الليبية من أجل صدّ قوات حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، إذا هي تجاوزت خط سرت الجفرة، معتبرًا أن أي تدخل مباشر لمصر في ليبيا باتت تتوفر له الشرعية الدولية، سواء للدفاع عن النفس أو بناء على السلطة الشرعية الوحيدة المنتخبة في ليبيا وهي -برأيه- مجلس نواب طبرق.
ويركز السيسي على قبائل إقليم برقة (شرق) من قبيل قبيلة البراعصة والعواقير والعبيدات والمغاربة والمسامير والفرجان والعرفة، خاصة وأن أبناء هذه القبائل قد شكّلوا خزانًا بشريًا لمعارك خليفة حفتر منذ إطلاقه عملية الكرامة منتصف عام 2014، وكذلك في حروبه المتتالية في بنغازي وأجدابيا والهلال النفطي ودرنة وطرابلس.
عبد المجيد تبون انتقد بشدة الخطوة المصرية لتسليح القبائل في ليبيا ودفعها للصراع العسكري
مؤخرًا زار وفد من المجلس الأعلى لشيوخ وأعيان القبائل الليبية العاصمة القاهرة، بدعوة من وزارة الخارجية المصرية. زيارة اعتبرتها وسائل الإعلام المصرية بمثابة “تفويض جديد” للسيسي للتدخل في الصراع الليبي لصالح قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر.
السيسي يسعى قدر المستطاع إلى الاستفادة من أهمية دور القبائل في المشهد الليبي حتى يحقق ما عجز عنه حفتر، ذلك أن للقبائل أهمية كبرى في ليبيا، فقد عمل معمر القذافي، طوال سنوات حكمه التي تجاوزت 42 سنة، على تدعيم نفوذ العديد من القبائل الليبية حتى يقوم عليها نظامه بدل التحالفات السياسية التي لا يؤمن بها، ما جعل القبيلة مكونًا أساسيًا في المجتمع الليبي وعاملًا مهمًا من أركان الدولة.
هذا النفوذ تزايد عقب ثورة فبراير/شباط 2011، حيث لعبت بعض القبائل أدوارًا كبيرةً في المصالحة الوطنية، فيما تصاعدت مكانة بعض القبائل الأخرى بفضل السلاح الذي تمتلكه أو بفضل النفط الذي استولت عليه، فيما زاد نفوذ بعضها بعد سيطرتها على طرق الهجرة غير النظامية والتهريب.
صومال جديد
حديث السيسي عن تدخل عسكري مرتقب في ليبيا وتهديده بتسليح القبائل الليبية، أثار انتقادات كبيرة في الداخل الليبي وخارجه، حتى أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خرج عن صمته المعتاد منتقدًا السيسي دون أن يذكره مباشرة.
تبون انتقد بشدة الخطوة المصرية لتسليح القبائل في ليبيا ودفعها للصراع العسكري، محذرًا مما وصفها بالمبادرات الفردية التي ستحول ليبيا إلى “صومال جديد”، وقال الرئيس الجزائري في حوار تلفزيوني بث أمس على التلفزيون الرسمي “شاهدنا مؤخرًا محاولة إقحام القبائل الليبية في الصراع وهذا أمر خطير”، مضيفًا أن “تسليح القبائل الليبية لن يجعل من ليبيا سورية جديدة ولكنه سيحولها إلى صومال جديد”.
الرئيس الجزائري أكد قلقه “من تحويل ليبيا إلى ميدان صراع بين القوى الكبرى، واصفًا ذلك “بالأمر الخطير الذي قد يعصف بالبلاد ويؤول بها لما آلت إليه الصومال، ولن يكون بإمكان أيًا كان عندئذ فعل أي شيء لليبيا”، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية.
وأكد تبون رفضه انخراط بلاده في هذا النوع من المبادرات الفردية التي يقوم بها قادة دول على صلة بالأزمة، موضحًا أنه “لن ندعم أي قرار فردي، لا يمكن أن تتخذ دولة مبادرة منفردة ثم تطلب دعمًا من الجزائر، هذا غير ممكن، ردنا على من يطلب دعمنا لمبادرته المنفردة هو هل استشرتنا قبل ذلك؟”.
رغم أنه لم يذكر اسم مصر ولا السيسي مباشرة، فإن الرئيس تبون يتحدث عن الخطوة المصرية لتسليح القبائل. لم يتوقف تبون عن هذا الحد فقط بل استثنى مصر ووضعها خارج حسابات الجزائر بشأن تقديم مبادرة دول جوار ليبيا.
تهديد السلم الاجتماعي
تلعب القبيلة في ليبيا منذ عقود دورًا سياسيًا كبيرًا رسخه نظام معمر القذافي كما قلنا في بداية التقرير، لكن مزيدًا من إقحام القبيلة في الصراع الليبي سيكون له تداعيات كبيرة على مستقبل البلاد وعلى ما تبقى من النسيج الاجتماعي للبلاد.
يذكر أن نظام القذافي، كان مبنيًا على دعم قبلي، وبالأخص قبيلة القذاذفة التي ينتمي إليها، والمنتشرة في مدينتي سرت وسبها، وقبيلة الورفلة، المنتشرة في مدينة بني وليد، وقبيلة المقارحة المنتشرة في براك الشاطئ، وتعتبر هذه القبائل من أبرز القبائل في ليبيا.
ونظرًا للانتشار الجغرافي للقبائل فقد تجذرت النزعة القبلية في الشرق الليبي أكثر منها في الغرب، حتى أن أول جمهورية في ليبيا تشكلت في المنطقة الغربية (الجمهورية الطرابلسية) في 1918 بمدينة مسلاتة (100 كلم شرق طرابلس) ونلاحظ هذا أيضًا من خلال مظاهر التمدن في مدن الغرب على غرار طرابلس ومصراتة والزاوية وصبراتة.
أدى هذا الأمر إلى صراعات كبيرة في البلاد بين قبائل الشرق والغرب في السابق، وقد تكرر الأمر بعد الثورة أيضًا فأغلب قبائل الشرق ساندت المتمرد خليفة حفتر وتوجهه العسكري، فيما وقفت قبائل الغرب مع حكومة الوفاق ومشروع الدولة المدنية.
مزيد إقحام القبائل في الصراع الدائر في البلاد سينسف ما تبقى من روابط وسلم اجتماعي بين مختلف قبائل البلاد، فكل قبيلة ستبحث لنفسها عن السيادة وستحاول التمركز قدر المستطاع إلى جانب القوى المتصارعة حتى تضمن مكانتها.
بؤرة صراع دائمة
السلم الاجتماعي ليس الوحيد المهدد في ليبيا، بل استقرارها وأمنها العام أيضًا، فالهدف من الدعوة المصرية لتسليح القبائل، هو تحطيم أي نواة لجيش ليبيا وخلق بؤرة دائمة للصراع في البلاد، وفق المحلل السياسي عصام الزبير.
ويؤكد الزبير في حديث لنون بوست، أن السيسي يسعى إلى إطالة أمد الصراع في ليبيا حتى ينفذ أجنداته هناك ويحقق أهدافه الكثيرة التي فشل في تحقيقها حليفها الأبرز اللواء المتقاعد خليفة حفتر رغم الدعم الكبير الذي وصله.
لعب عبد الفتاح السيسي ومن قبله حليفه المتمرد حفتر بورقة القبائل، من شأنه أن يزيد في تأزيم الوضع في ليبيا ويعرقل مساعي الوطنيين لبناء دولة آمنة ومستقرة
رغم كون الشخصيات التي التقى بها حفتر مؤخرًا لا تمثل القبائل الليبية، فإن تسليحها سيعود بالوبال الكثير على البلاد، وفق الزبير، خاصة وأن حفتر وجماعته يحاولون إيجاد خارطة سياسية جديدة في ليبيا تؤمن لهم مصالحهم.
الدولة المدنية في خطر
فضلًا عن كل هذا، يضع تهديد السيسي بتسليح القبائل الليبية الدولة المدنية في خطر، ذلك أن مقترحه سيجعل في حال تنفيذه القبائل الحاكم الأول والأخير في ليبيا، ما يجعل إمكانية قيام دولة مدنية هناك أمرًا شبه مستحيل.
تمكين القبائل من نفوذ أكبر، سيكون مدخلًا لمزيد شيطنة مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية التي تعتبر إحدى مظاهر الدولة المدنية في العالم وعبرها يتم التنافس سلميًا على الحكم والوصول إليه وخدمة الشعوب، خاصة وأنه سبق أن منعت الأحزاب من المشاركة في انتخابات مجلس النواب، التي أجريت في 25 يونيو/حزيران 2014، بعد أن تمت شيطنتها.

حتى مجلس النواب المنتخب حينها، تم تسيره بطريقة أشبه بالقبيلة، فقد ترأسه زعيم قبلي ينفرد بقرارات مجلس النواب ويُسيِّره كما القبيلة، حتى عند المشاكل لا يلجأ إلى مجلس النواب أو إلى كتله البرلمانية، وإنما يلجأ إلى أعيان قبائل برقة للاحتماء بهم وأخذ نصيحتهم.
لعب عبد الفتاح السيسي ومن قبله حليفه المتمرد حفتر بورقة القبائل، من شأنه أن يزيد في تأزيم الوضع في ليبيا ويعرقل مساعي الوطنيين لبناء دولة آمنة ومستقرة، تضمن الحقوق والحريات لمواطنيها دون تمييز وتفرقة بينهم على أي أساس.
رغم كل المساعي المصرية لإقحام القبائل في الصراع، يرفض أغلبية الليبيين تواجد كبير للجماعات القبالية، فهم يريدون بناء دولة ديمقراطية مدنية تعتمد على القانون والدستور والمؤسسات وليس مشيخة القبائل التي تعتبر مجرد تنظيم اجتماعي لا تأثير سياسي له.