بسقوط حكومة إلياس الفخفاخ المشكّلة من ائتلاف يضم 4 أحزاب رئيسية وكتلة برلمانية هي: النهضة والتيار الديمقراطي وحركة الشعب وحركة تحيا تونس وكتلة الإصلاح الوطني، بعد أقل من خمسة أشهر على تكوينها، تدخل تونس في أزمة سياسية معقدة عمقت أوضاع البلاد التي تعاني أصلًا من صعوبات كبرى في المجالات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، تكشفت بشكل جلي في أعقاب جائحة كورونا وتمثلت في توقعات بفقدان 245 ألف مواطن لوظائفهم وارتفاع نسبة البطالة إلى أكثر من 20%، إضافة إلى وصول النمو الاقتصادي إلى -7%، لتتحول بشكل لافت إلى أزمة بنيوية وهيكلية بفعل غياب رؤى الإصلاح والبرامج السياسية الهادفة إلى إيجاد روافع تنموية، والأهم من ذلك بسبب غياب أفق الاستقرار السياسي.
الأزمة السياسية الحاليّة في تونس فاقت تلك التي أعقبت الاغتيالات السياسية في 2013 واستهدفت الاستقرار وأمن البلاد، فالصراع المتواصل تحت قبة البرلمان وحرب اللوائح التي قادها الحزب الحر الدستوري وزعيمته عبير موسي ضد حركة النهضة، إضافة إلى تعطيل عمل المجلس في أكثر من مناسبة بفعل الصراعات والمناكفات السياسية، حد من فاعلية الأداء الحكومي ومنع تمرير جملة من مشاريع القوانين المسيرة للحياة العامة، الأمر الذي دفع بالرئيس قيس سعيد إلى التهديد باللجوء إلى الدستور لوضع حد للفوضى التي تعصف بالبرلمان، وذلك في تهديد مبطن بحله.
وفي اجتماع مع رئيس البرلمان راشد الغنوشي ونائبيه في القصر الرئاسي، أضاف سعيد “الوضع لا يمكن أن يتواصل، لدينا من الإمكانات القانونية ما يسمح لنا بالحفاظ على الدولة التونسية، الوسائل متاحة وموجودة بين يدي وهي كالصواريخ على منصات إطلاقها ولن أريد اللجوء إليها”، غير أنه لم يوضح تلك الوسائل خاصة أن حل البرلمان سيصطدم بإجراءات دستورية معقدة.
وكان البرلمان التونسي قد فشل في استئناف أعماله مرة أخرى بسبب الاحتجاجات والاعتصامات المتكررة لنواب الحزب الدستوري الحر المعارض، ما اضطر الشرطة إلى دخول مقر البرلمان بناءً على تعليمات النيابة العامة لمعاينة الأوضاع بداخله، في خطوة تعد سابقة.
أزمة سياسية
رغم أن إجبار رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ على الاستقالة بعد انفجار فضيحة تتعلق بشبهات فساد وتضارب مصالح (فخفاخ غايت)، يبعث على الافتخار بالمسار الديمقراطي ويدل على سلامة الآليات المؤسساتية وعلى قدرة الرأي العام التونسي على الضغط والتوجيه، فإن المرحلة التي تمر بها تونس تكاد تكون مفصلية على أكثر من صعيد.
الرئيس التونسي قيس سعيد بادر بمراسلة الائتلافات والكتل البرلمانية مثلما يقتضيه الفصل 89 من الدستور، من أجل التشاور وتكليف رئيس حكومة جديد في غضون الشهر، إلا أنه يعلم جيدًا أن حل الأزمة السياسية والخروج منها بأخف الأضرار ليس بالأمر اليسير أو الهين خاصة في ظل التجاذبات السياسية الحادة بين الأحزاب، لذلك فإن كل السيناريوهات بالنسبة للمرحلة القادمة تبدو ممكنة، وفي مقدمتها حل البرلمان والذهاب لانتخابات تشريعية سابقة لأوانها، غير أن هذا الخيار مستبعد في الوقت الراهن بسبب عجز النظام الانتخابي الحاليّ على ضمان الاستقرار السياسي، وهو ما يعني أن إعادة الانتخابات قد يقود إلى نفس النتائج ويأتي بأحزاب ذات تمثيليات برلمانية محدودة ومشتتة وعاجزة على توفير الأغلبية القادرة على تشكيل الحكومة وبالتالي تواصل الأزمة.
في غضون ذلك، لم يكن مسار تشكيل حكومة تونسية جديدة، في ضوء نتائج انتخابات 2019، يسيرًا خاصة بعد أن أسفر الاستحقاق عن مشهد برلماني فسيفسائي مكون من عدد كبير من الكتل الكبيرة التي لا يشكل أي منها أغلبية، وأخرى متوسطة وصغيرة متنافرة فيما بينها، ويعود ذلك أساسًا إلى القانون الانتخابي القائم على آلية “التمثيل النسبي مع الأخذ بأكبر البقايا”، وبفعل السياحة الحزبية التي تغير دوريًا في موازين القوى وفي ملامح الكتل وتتحكم أيضًا في تشكل التحالفات.
وكانت حركة النهضة قد تقدمت في شهر يناير الماضي بمقترح لتنقيح القانون الانتخابي وذلك بإضافة عتبة الـ%5 في الانتخابات التشريعية بهدف إعطاء الفرصة للأحزاب للحصول على عدد كاف من المقاعد داخل البرلمان يمكنها من تمرير القوانين وتشكيل الحكومات دون تحالفات وتوافقات للضرورة.
لذلك، لا يبدو أن التجاذبات السياسية الحادة بين الأطراف السياسية المختلفة والمعارك الضارية بين مختلف الأطياف التي بلغت أوجها وانتهت بعرائض لسحب الثقة سواء من الحكومة أم من رئاسة البرلمان وتجييش الأنصار على منصات التواصل الاجتماعي والتحريض على الخصوم، قد تفرز على المدى القريب اتفاقًا على حكومة تحظى بدعم حزبي واسع، فمكونات الائتلاف السابق في حكومة الفخفاخ (حركة الشعب والتيار الديمقراطي وحركة تحيا تونس وكتلة الإصلاح)، أعلنت صراحة موقفها الرافض لأي مشروع جديد للحكم مع حليفها السابق حركة النهضة حتى لو كلفها الأمر الالتقاء مع حزب عبير موسي (الثورة ونقيضها).
في مقابل ذلك، فإن حركة النهضة ستعمل على دعم حلفها مع ائتلاف الكرامة وحزب قلب تونس المتخوف من الاندثار على غرار كتل وأحزاب مثل تحيا تونس والمستقبل والإصلاح في حال تم حل البرلمان، مع الانفتاح على المشاركة في أي حكومة موسعة وذات برنامج واضح ويحفظ لها عدد الحقائب الوزارية الذي يُناسب تمثيلها البرلماني، وتكتسب النهضة الخبرة والمناورة لمنع خطوة حلفاء الأمس (التيار والشعب) لتحييدها عن الحكم وإبقائها في المعارضة تمهيدًا لتحجيمها سياسيًا.
أما الحزب الدستوري الحر الذي انتفع كثيرًا من الاستقطاب الثنائي بينه وبين حركة النهضة، واستطاع جر كل الأحزاب إلى مربعاته من خلال القضايا التي يطرحها والمشاكل التي يصطنعها تحت قبة البرلمان فهو يفرض نفسه على الأحزاب المنتسبة للمنظومة القديمة كما يُقدم نفسه كالحزب الأقدر على إزاحة الإسلاميين، لذلك قد يخرج الرابح الأوحد في مفاوضات وتحالفات تشكيل الحكومة الجديدة رغم انعدام فرضية مشاركته فيها لعدة اعتبارات، أهمها: تجنب أحزاب التيار الديمقراطي وحركة الشعب لأي تقارب مع عبير موسي، وتجلى ذلك من خلال لائحة سحب الثقة من رئيس البرلمان.
وفيما يخص الأحزاب الوسطية كالتيار الديمقراطي وحركة الشعب (قومي ناصري)، فإنها تعمل على استغلال تقاربها مع الرئيس قيس سعيد على أكثر من واجهة، وتعمل على زيادة تأثيرها شعبيًا على حساب حركة النهضة، إلا أن دفاعها المستميت عن رئيس الحكومة المستقيل، قد يهز صورتها مستقبلًا، لذلك ستُحاول الابتعاد قدر الإمكان عن منطقة الوسط الرخوة من خلال تحالفات جديدة قد تُمكنها من إدارة حكومة جديدة لا تكون النهضة فيها الفاعل الأبرز، إلا أن هذه الفرضية مستبعدة خاصة في ظل اعتزام التيار ترشيح شخصية من الحزب وهو أمر قد يلقى اعتراضًا من حلفائه.
أسماء على الطاولة
تدور كل الأعناق صوب قصر قرطاج لكشف الشخصية التي سيكلفها الرئيس قيس سعيد بتشكيل الفريق الحكومي الجديد، ومدى قدرة “المختار” على السير بالبلاد إلى بر الأمان وتجنيبها الانزلاق نحو الهوة، والفاعلين السياسيين وخاصة منهم الأحزاب الملتزمة بالخيار الديمقراطي والمسؤولة عن ترسيخه على تجاوز خصوماتهم ومناكفاتهم لفائدة مصلحة البلاد.
يسعى رئيس الجمهورية خلال العشرة أيام المتاحة له دستوريًا لإجراء المشاورات اللازمة بهدف الاتفاق على شخصية وطنية مستقلة، لديها دراية بأوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية، وعلاقات دولية متينة ورؤية إصلاحية متناسقة، تعطى صلاحيات لتشكيل حكومة من الكفاءات، مع دعوة الكتل البرلمانية إلى منح الثقة لهذه الشخصية وفريقها، على أساس برنامج واضح، على أن يُقيَم أداؤها بعد سنة، مع الاتفاق، خلال هذه الفترة، على شخصية تجميعية لرئاسة البرلمان، حتى يتم نزع، قدر الإمكان، أسباب الخلافات والنزاعات التي جعلت البرلمان ينحرف عن مساره الطبيعي، والأهداف التي بعثت من أجلها البرلمانات في الديمقراطيات الناشئة.
مؤكد،،،
المرشحون ثلاث ولن تخرج منهم: فاضل عبد الكافي،حكيم بن حمودة،منجي مرزوق،،،،والله أعلم إن كنت بأحلم— Ali snoussi /علي السنوسي (@alisnoussi1) July 17, 2020
ومن الأسماء التي تم تداولها وتدور التوقعات حولها: حكيم بن حمودة، وهو اقتصادي نال درجة الدكتوراه من جامعة غرونوبل الفرنسية، يتمتع بمكانة دولية وحصل على عدد من الشهادات المرموقة، وينظر إليه كثيرون بمثابة الشخص القادر على إيجاد حلول لأزمة تونس الاقتصادية، وسبق لبن حمودة أن تولى وزارة المالية في تونس، لكنه لم يبق طويلًا في منصبه، إذ شغله في 2014 وغادره في 2015.
كما رجح البعض تسمية منجي مرزوق، وهو مهندس وسياسي سبق له أن تولى مهام وزارية وإدارية على مستوى عال، تخرج مرزوق في مدرسة “البوليتيكنيك” المرموقة في فرنسا، ويقول مناصروه إنه قادر على رسم سياسات إصلاحية ناجعة في تونس قادرة على تجاوز الأزمة وإعادة الاستقرار.
ويثار نقاشٌ بشأن التوجه السياسي لمنجي مرزوق، ففيما يقول البعض إنه قريب من حركة النهضة، ثمة من يؤكد أنه مستقل وشخصية قد تكون جامعة لكل الأطياف السياسية.
تتمثل الشخصية الثالثة في الوزير السابق فاضل عبد الكافي، الذي تولى وزارة المالية في وقت سابق، واستطاع الرجل الذي تخرج في جامعة السوربون الفرنسية، أن يدافع عن نفسه إزاء ما وجه إليه من تهم، وبرز بقوة ضمن المرشحين لرئاسة الحكومة التونسية، خلال العام الماضي.
ومن هذا الجانب، فإنه من المستبعد جدًا أن يواصل قيس سعيد في مسار ما بعد انتخابات 2014 وما أفرزته من حكومات يترأسها ما يطلق عليهم “الفتيان الذهبيون”، وهم القادمون إلى السياسة من عالم الجامعات الفرنسية وإدارة الشركات الاقتصادية الكبرى كالمهدي جمعة ويوسف الشاهد وأخيرًا إلياس الفخفاخ، الذين أثبتوا فشلهم الذريع في قيادة الدولة نحو الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي فهو أمام خيار وحيد يتمثل في اختيار شخصية سياسية جامعة لكل الأطياف والأحزاب قادرة على إرساء هدنة بينهم والعمل على استكمال المسار الانتقال وبناء باقي المؤسسات الدستورية المعطلة.
ملامح الحكومة
الحكومة التمثيلية البرلمانية الواسعة على أساس برنامج إصلاحي تستفيد فيه من كل ما حصل في تجربتي الحبيب الجملي وإلياس الفخفاخ، وتضيف إليه المستجدات الجوهرية بعد جائحة الكوفيد-19، ويمكن أن يترأس هذه الحكومة شخصية من الحكومة الحاليّة كغازي الشواشي أو شخصية مسيسة ومستوعبة جيدًا للملف الاقتصادي وقادرة على إدارة فريق والتواصل مع الشعب، ويمكن أن تضم هذه الحكومة في تركيبتها مجموعة من الشخصيات ووزراء في الحكومة الحاليّة بما يضمن قدرًا من المراكمة والاستمرارية والقدرة على الإنجاز السريع للمشاريع المعطلة.
ويُعد هذا الخيار الأمثل والأصلح لتونس في ظل هذه المرحلة الحساسة والدقيقة، ويُشترط تحقيقه بناء قاعدة توافق واسعة داخل البرلمان يضمن التعايش وإعادة الثقة وتدارك النقائص من أجل إنقاذ الانتقال الديمقراطي، وهو ما أكده رئيس المجلس الوطني لحزب التيار الديمقراطي مجدي بن غزالة الذي اعتبر في تصريحات سابقة أن الثقة بين حزبه والنهضة مهزوزة بدرجة كبيرة جدًا، وأن مشاركة حزبه في حكومة جديدة تضم حزبي قلب تونس والنهضة تتطلب وجود ضمانات بعدم تكرار التجربة السابقة.
الحكومة المحايدة، هي أيضًا يُمكن أن تكون إحدى خيارات الرئيس قيس سعيد وفريقه الاستشاري الذي قد يذهب إلى تكليف شخصية مستقلة قد تكون من الحكومة الحاليّة أو خارجها، لترؤس حكومة من الكفاءات قصد إبعادها عن جو المشاحنات الحزبية وصراعات التموقع، وهو مقترح يُمكنه المرور أمام البرلمان بسبب رغبة البعض في إبعاد النهضة وتحييدها عن الحكومة من جهة، وبسبب خوف غالبية النواب من حل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة إذا سقطت الحكومة المعروضة من جهة ثانية، ولكن مثل هذه الحكومة لن تكون قادرة على إنجاز معقول بسبب افتقادها للسند البرلماني والحزبي وباعتبارها أيضًا حكومة ضرورة (خوفًا من حل البرلمان).
حكومة دون نهضة، وهو اقتراح يدفع إليه كل من التيار الديمقراطي وحركة الشعب وقد يتماهى مع مشروع ساكن قرطاج الذي يُخير وجود مركز واحد للقيادة في البلاد، وهي فكرة جوهرية في تصوره، كما قد تدفع إليها الرواسب الأيديولوجية والتاريخية، وستتقاطع مع الأجندات الخارجية ودعوات الاتحاد العام التونسي للشغل، ومثل هذه الحكومة لديها حظوظ للمرور أمام البرلمان وستعمل على تكريس استمرار عقلية المغالبة والمحاصرة، وقد تتلوها جهود لإزاحة رئيس البرلمان الحاليّ راشد الغنوشي، غير أنها لن تكون قادرة على الإنجاز بل ستتحول معها الأزمة إلى مأزق، وهو ما أكده الناطق الرسمي باسم حركة النهضة عماد الخميري الذي وصف تصريحات وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية غازي الشواشي بخصوص حكم التيار والشعب وتحيا تونس بأنها “عملية انقلابية على الديمقراطية”.
حل البرلمان، وهو خيار يُطرح بقوة في الشارع التونسي ويتماشى مع رؤية رئيس الجمهورية الذي يعلم جيدًا أن أزمة البلاد السياسية لن تنتهي بمجرد التصويت على حكومة جديدة تعوض حكومة الفخفاخ، وأن المشهد السياسي الحاليّ الذي يتميز بالتشتت على مستوى التمثيل داخل البرلمان، لا يمكن إلا أن يعيد إنتاج نفس المشاكل التي أوصلت البلاد إلى الأزمة الحاليّة، وأن المطلوب هو تغيير المشهد برمته وذلك بالرجوع إلى صاحب الشرعية الأصلية وهو الشعب، أي إعادة الانتخابات.
بالمحصلة، لا يُمكن لتونس الخروج من هذه الأزمة المعقدة بالإبقاء على أهم أسبابها وهي المحاصصة الحزبية أو حكومة تكنوقراط دون حاضنة وحزام سياسي صلب، لذلك فأي حكومة جديدة لا تحظى بقبول واسع لدى الأحزاب الرئيسية لن تمضي بعيدًا في طريق إنقاذ البلاد خاصة في ظل برلمان مشتَت تشوبه تناقضات قاتلة على مستوى الهويات والمرجعيات، حيث يُحاول كل طيف سياسي إلغاء وإقصاء خصمه من المشهد برمته، فضًلا عن الاعتبارات الإقليمية وترصّد قوى الثورة المضادة.