الريادة من الخلف.. مفتاح بايدن لإبقاء نفوذ بلاده في المنطقة

تقترب لحظة الحسم في أمريكا، نوفمبر القادم موعد السباق، كل طرف قدم ما لديه وما زال العالم ينتظر مفاجآت اللحظات الآخيرة، لكن يبدو أن المرشح الديمقراطي جو بايدن على وجه التحديد، يراهن على رسم سياسة جديدة في الشرق الأوسط.
يصر بايدن على وضع لمسات سياساته الجديدة على المنطقة حال فوزة، وذلك عبر انتهاج دبلوماسية “الريادة من الخلف” التي تعني العودة للانخراط مجددًا في العراق وسوريا، فضلًا عن ضمان دفع الحلفاء في ليبيا واليمن للالتزام بتسويات تفاوضية، وفق الأجندة الأمريكية.
بايدن.. ماذا ينقص أمريكا؟
من يعرف جو بايدن، يعلم جيدًا ماهية تجربته في الشؤون الخارجية، كان بايدن يشغل منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، فضلًا عن دوره كنائب للرئيس السابق أوباما، ما يجعلنا نفهم كيف سيرسم الأجندة الدولية للشرق الأوسط، في عالم يهرول بسرعة كبيرة إلى مغادرة معادلات الأحادية القطبية التي كانت تفسح المجال لحالة من الفوضى الجيوسياسية في العالم.
القراءات الواردة من التجمعات الانتخابية لبايدن، تؤكد أنه حريص على فتح صفحة التدخلات العسكرية واسعة النطاق في الخارج رفضًا للتورط في حروب جديدة لا نهاية لها، ما يعني ضرورة العودة إلى إستراتيجية الحلفاء والشركاء لتجنب الصراع العنيف، وتبني دبلوماسية جديدة براغماتية غير أيدولوجية تردع بالقوة الاقتصادية والناعمة، لاختراع علاقات متوازنة.
بحسب ما تيسر الحصول عليه في الصحافة من برنامج بايدن، يجادل المرشح الرئاسي في أهمية الارتباط العميق بين سياسات أمريكا في الداخل والخارج، فتعزيز الأمن والازدهار بالنسبة له، لا يمكن أن يجري إلا في ضوء تعزيز قيم الولايات المتحدة من خلال اتخاذ خطوات فورية لتجديد ديمقراطيتها وتحالفاتها، وحماية مستقبلها الاقتصادي ووضع أمريكا على رأس الطاولة في مواجهة التحديات العالمية الأكثر إلحاحًا.
في أعراف البرنامج الجديد للمرشح الديمقراطي، ستقود أمريكا العالم بمنطق القدوة، والحشد لمواجهة التحديات المشتركة التي لا يمكن لدولة واحدة أن تواجهها بمفردها، فمن تغير المناخ إلى الانتشار النووي والإرهاب العابر للحدود.
يعتبر بايدن أن سياسات دونالد ترامب إجهاض للمبادئ الديمقراطية الأساسية، الأمر الذي انعكس على أمريكا في النهاية وتنازلها الطوعي عن مكانتها في العالم وتقويض تحالفاتها الديمقراطية وإضعاف قدرتها على حشد الآخرين لمواجهة هذه التحديات.
يبرهن المرشح الرئاسي على صحة وجهة نظره، بمضمون سنواته الثمانية التي قضاها كنائب للرئيس في البلاد، التي كانت أمريكا خلالها تقود النصف الغربي من الكرة الأرضية بناءً على الثقة مع الجيران التي أصبحت الآن في أدنى مستوياتها، مدفوعة بالخلافات بشأن الحرب في العراق وتوابع الركود الكبير والعقوبات الاقتصادية التي طالت الحلفاء التاريخيين، فضلًا عن الخلاف المتزايد بشأن سياسة الولايات المتحدة طويلة الأمد تجاه الأزمات العالمية المختلفة.
يتباهي بايدن بإرثه في البيت الأبيض، حيث أنشأ هو وأباوما أساسًا جديدًا للتعاون مبني على المسؤولية والاحترام والشراكة المشتركة، ولهذا توسعا في العلاقات مع المكسيك والبرازيل وبلدان أمريكا الوسطى، واستعادا العلاقات الدبلوماسية مع كوبا، ودعما عملية السلام التاريخية في كولومبيا، وحسنا أمن الطاقة في منطقة البحر الكاريبي، ووسعا العلاقات التجارية والتعاونية مع جميع أنحاء المنطقة.
الريادة من الخلف.. ماذا تعني؟
يروج النائب السابق لأوباما، إلى ما يسمى دبلوماسية الريادة من الخلف، وهي فلسفة تبحث عن حل لفراغ القيادة والانعزال الذي اتبعه ترامب، وفك الارتباط في ضوئها مع الكثير من بلدان العالم، وحدث ذلك في وقت تقدم فيه خصوم أمريكا الجيوسياسيون على شاكلة الصين وروسيا للحصول على منافع اقتصادية ودبلوماسية، وإن بقيت عقبتهم الأولى ونقطة ضعفهم، عدم الاستثمار في المؤسسات الديمقراطية أو الحكم الرشيد، وهو الدور المحوري القديم لأمريكا الذي تخلت عنه في عصر ترامب.
يبني بايدن خطته على تحالفات الأمم، فاقتصادات أمريكا اللاتينية على سبيل المثال لا تنمو بسبب الفساد وتقويض الاستبداد للمؤسسات الديمقراطية، وما يترتب على ذلك من انتهاك حقوق الإنسان في هذه البلدان، رغم الدعم الصيني والروسي المفتوح لها، وهي تداعيات لم تكن لتحدث إلا عندما اتبعت “أمريكا ترامب” دبلوماسية رفض القيادة وإغلاق الحدود والاختباء خلف الجدران.
لهذا يتبنى المرشح الرئاسي الديمقراطي مشروعات عدة على رأسها ضرورة إعادة قوات بلاده للانخراط في العراق وسوريا لإحلال السلام، في وقت سيحث فيه الحلفاء المتورطين في ليبيا واليمن على الالتزام بالتسويات التفاوضية، بالإضافة إلى الاستمرار على سياسة ترامب التي تضع إيران ـ وليس “إسرائيل” ـ عدوًا أوحد للمنطقة.
هذه المعادلة تعني أن جميع حلفاء أمريكا عليهم إعادة ترتيب وتوحيد مصالحهم المتباينة في مواجهة طهران، لترسيخ وضعها المنبوذ، مقابل الضغط أكثر لزيادة حبال الود بين “إسرائيل” والعرب، وإنجاز حالات تطبيع جديدة في العلاقات تساند التجربة الإماراتية، وبهذا الضغط وحده يمكن إنهاء تدخل إيران في اليمن وسوريا والعراق كشرط أساسي لعودتها إلى الاقتصاد العالمي.
إرث ترامب
رغم خطة بايدن الجديدة الداعية إلى الاهتمام لإعادة أمريكا إلى مكانتها العالمية، فإن إرث ترامب ربما يعطل هذه الأجندة، فالتخريب الممنهج في علاقات البيت الأبيض طال كل الحلفاء القدامي، من برلين إلى طوكيو، في وقت يتم امتداح الحكام السلطويين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى كيم جونغ أون في كوريا الشمالية.
بحسب دبلوماسيين سابقين من جميع أنحاء العالم، أضر ترامب بشدة بالثقة في القيادة الأمريكية وأصبح إرثه السياسي المعقد، أصعب من القضاء عليه بلمسات ناعمة على طريقة بايدن، خاصة بعدما ترك ترامب حالة نفسية جديدة في الشارع الأمريكي، تؤمن بشعارات “أمريكا أولًا”، ولن يتم التنازل عنها بالسهولة التي تدعيها حملة بايدن.
امتد إرث ترامب إلى خلق انطباع عام سيئ في الشارع الأمريكي عن جو بايدن، الذي أصبح بسبب الحملات الترامبية في نظر بعض أتباعه، رجلًا لا يجيد إلا السياسة الدفاعية، ونجح دونالد في إعادة مواقف بايدن إلى ساحات النقاش العام، وخاصة تصويته ضد حرب الخليج عام 1991، في الوقت الذي صوت لصالح الحرب على العراق عام 2003، ما خلق حالة من التشكك فيه مرة أخرى.
لعب ترامب على تلميع المواقف المتناقضة لبايدن وانعكاساتها على الوضع الحاليّ، ومنها موافقته على تقسيم العراق إلى دويلات طائفية عبر رفضه إقامة نظام سياسي عابر للطوائف، ومعارضته في الوقت نفسه للغارة التي قتلت أسامة بن لادن، ما يعني افتقاد “المرشح الرومانسي” لفلسفة كيفية استخدام القوة العسكرية بشكل فعال ومتى وأين.
ردد ترامب كثيرًا عبارات من أمثال: بايدن كان جزءًا من السياسة الخارجية والدفاعية الأمريكية لأكثر من ثلاثة عقود في مجلس الشيوخ، ولم يظهر خلالهم إلا محاولات لا تنفض لتجميل مساهماته، مثل الادعاء بأنه مسؤول عن إنهاء الإبادة الجماعية في البوسنة، بحسب تعبيرات ترامب.
استندت حملة ساكن البيت الأبيض إلى إعادة ترويج بعض الكتب الموثقة التي تندد بتلك الحقبة، لتنشيط ذهن الناخب الأمريكي وحقنه بالغضب، مثل كتب روبرت جيتس الذي شغل منصب وزير الدفاع في عهد جورج دبليو بوش وباراك أوباما وشرع في كتابة مذكراته عام 2014، وأكد أن بايدن كان مخطئًا في كل قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي الرئيسية على مدار العقود الأربع الماضية.
ما الحل؟
لم يعد أمام بايدن، للتخلص من كل هذه العقبات حال استحواذه على ثقة الأمريكان إلا العمل مع الحلفاء من خلال مؤسسات متعددة الأطراف، والعودة إلى الاتفاقيات الدولية، على غرار الشراكة عبر المحيط الهادئ التي تفيد الولايات المتحدة، والتركيز على دعم القضايا المدنية في الشارع وتذويب الجلطات التي حدثت بين أبناء المجتمع، بسبب تهديدات ترامب باستخدام القوات المسلحة الأمريكية لقمع الاحتجاجات، وشيطنته لليسار وكل من يختلف معه، وإعادة إحياء مكارثية جديدة، حتى يحتفظ بمنصبه لأطول وقت ممكن.
يمكن القول إن الأشهر القليلة المقبلة، سلاح ذو حدين، فقد تعطي مساحة لصقل وتحسين مقترحات بايدن حتى يحصل على مساحة أكبر من الثقة، خاصة أنه يشترك مع ترامب في نقطة ضعف التعامل مع قضايا الأمن القومي، وإن كان ترامب هو الآخر يمكنه التعامل مع هذه الإشكالية وتعيين أشخاص بين فريقه لديهم القوة والاستعداد لإقناع الناس بالحجج السليمة، حتى يسابق بايدن في أفضل ما يملك وهو ملف التسويات الذي له فيه باع وتاريخ.