في 22 أبريل/نيسان 2025، شن مسلحون هجومًا على سياح في بلدة باهالغام بكشمير الخاضعة للهند، ما أسفر عن مقتل أكثر من 20 شخصًا وإصابة العشرات. واتهمت الهند باكستان بالمسؤولية عن الهجوم، فيما نفت إسلام آباد تورطها فيه.
بعد أيام، علّقت الهند العمل بمعاهدة مياه نهر السند الموقعة عام 1960، والتي نظمت تقاسم المياه بين البلدين وصمدت أمام حروب وأزمات متكررة. وربطت نيودلهي استئناف العمل بها بتخلي باكستان عن دعم الإرهاب، معتبرةً أن الاتفاقية بصيغتها الحالية لم تعد تلائم المتغيرات الاستراتيجية والسكانية والبيئية.
وسرعان ما تحول التوتر إلى صدام عسكري مباشر مطلع مايو/أيار 2025، استمر أربعة أيام وانتهى بوقف إطلاق النار. وفي أغسطس/آب من العام نفسه، حذّر قائد الجيش الباكستاني عاصم منير من أن بلاده لن تسمح للهند بخنق تدفق مياه نهر السند، متعهدًا بتدمير أي سد تسعى نيودلهي إلى بنائه.
ورغم توقف القتال، بقيت المعاهدة معلقة، وتصاعد استخدام المياه كورقة ضغط بين البلدين. ورفضت باكستان قرار التعليق، مؤكدةً أن المعاهدة لا تسمح لأي طرف بتعليقها منفردًا. كما حذرت من أن التلاعب بتدفق المياه أو حرمانها من حقوقها المائية سيُعامل باعتباره مساسًا بأمنها القومي، ولوّح مسؤولون باحتمال اندلاع حرب إذا تحول الضغط المائي إلى تهديد وجودي.
وبلغ التصعيد مستوى جديدًا منتصف عام 2026، حين قال وزير الموارد المائية الهندي إن «قطرة ماء واحدة لن تصل إلى باكستان في السنوات المقبلة». في المقابل، كثفت إسلام آباد تحركاتها الدبلوماسية والقانونية، واستضافت مؤتمرًا دوليًا وعقدت ندوات بمشاركة مسؤولين وخبراء لبحث حقوقها المائية وسبل مواجهة التحركات الهندية.
يتتبع هذا التقرير جذور نزاع مياه نهر السند منذ تقسيم شبه القارة، مرورًا بمعاهدة عام 1960 والخلافات حول المشاريع المائية الهندية، وصولًا إلى الأزمة الراهنة. كما يبحث في قدرة الهند على تحويل المياه إلى أداة ضغط سياسي واستراتيجي على باكستان.
بداية النزاع على مياه السند
يُعدّ نهر السند أحد أطول أنهار العالم وأكبرها، إذ يبلغ طوله نحو 3180 كيلومترًا، وينبع من هضبة التبت قرب جبل كايلاش، ثم يتجه شمالًا وغربًا عبر كشمير قبل أن يصل إلى باكستان.
ويغطي حوضه مساحة تقارب 1.14 مليون كيلومتر مربع، ويمتد عبر باكستان والهند والصين وأفغانستان. وبلغ عدد سكانه عام 2025 نحو 320 مليون نسمة، يعيش 61% منهم في باكستان و35% في الهند، بينما يتوزع الباقون بين أفغانستان والصين.
أدى ترسيم الحدود بعد استقلال الهند وباكستان عام 1947 إلى تقسيم حوض النهر وتفكيك شبكة الري المترابطة التي كانت تغذي المنطقة. ووضع التقسيم الهند في موقع دولة المنبع المتحكمة في منابع المياه، فيما أصبحت باكستان دولة مصب تعتمد على التدفقات القادمة منها.
وتفاقمت الأزمة عام 1948، عندما أوقفت الهند إمدادات المياه عن قنوات حيوية تتدفق إلى باكستان. وفي كتابه “السند المقسّم”، يشير الباحث دانيال هاينز إلى أن الأزمة تجاوزت الخلاف على الحصص المائية إلى نزاع على السيادة؛ إذ تمسكت الهند بحقها في إدارة الموارد الواقعة داخل حدودها كدولة منبع، فيما دافعت باكستان عن حقها التاريخي في استمرار تدفق المياه التي اعتمدت عليها قبل التقسيم.
وارتبطت المياه آنذاك ببناء الدولتين وترسيخ سلطة حكومتيهما المركزيتين، فضلًا عن أهميتها الاقتصادية. فبحسب هاينز، شكّلت المياه عنصرًا أساسيًا للسيادة الداخلية في الهند وباكستان، وارتبط تنظيم الري وتوسيع الأراضي الزراعية وجباية الضرائب من القطاع الزراعي ببسط سلطة الدولة على الأرض والسكان.
معاهدة مياه السند 1960
استمر الخلاف المائي بين الهند وباكستان بعد أزمة عام 1948، وتعثر التوصل إلى تسوية بسبب قضايا السيادة وتبعات التقسيم. ومع اتساع الأزمة، اقترح الخبير الأمريكي في إدارة المياه ديفيد إي. ليليانثال أن يتولى البنك الدولي رعاية مفاوضات بين البلدين، وهو ما وافقت عليه حكومتاهما.
وبعد تسع سنوات من المفاوضات برعاية البنك الدولي، وقّعت الهند وباكستان في 19 سبتمبر/أيلول 1960 «معاهدة مياه السند»، التي قسمت الأنهار الستة الرئيسية في الحوض إلى مجموعتين؛ فخُصصت الأنهار الشرقية الثلاثة، رافي وبياس وسوتليج، للهند، فيما خُصصت الأنهار الغربية، السند وجيلوم وتشيناب، لباكستان.
ومنحت المعاهدة البلدين حقوقًا محددة في استخدام أنهار الطرف الآخر. فبينما تتمتع باكستان بحرية استخدام مياه الأنهار الغربية، سُمح للهند بإقامة مشاريع للطاقة الكهرومائية عليها، ضمن قيود فنية وتصميمية. كما تُلزمها المعاهدة بعدم تغيير تدفق المياه أو تخزينها بما يضر بباكستان.
ووضعت المعاهدة آلية من ثلاث مراحل لحل النزاعات، تبدأ بعرضها على اللجنة الدائمة لنهر السند، التي تضم مفوضًا عن كل دولة وتعقد اجتماعات سنوية. وإذا تعذر التوصل إلى حل، يمكن الاستعانة بخبير محايد أو اللجوء إلى محكمة تحكيم. ولا تتضمن المعاهدة بندًا يسمح لأي من الطرفين بتعليقها أو تعديلها من جانب واحد.
ويرى الباحث دانيال هاينز، في كتابه “السند المقسّم”، أن التسوية قامت على تنازلات متبادلة؛ إذ قبلت الهند تقييد استخدامها للأنهار الغربية رغم وقوع منابعها داخل أراضيها، فيما تخلت باكستان عن مطالبها في مياه الأنهار الشرقية.
واستُقبل توقيع المعاهدة آنذاك كإنجاز وفرصة لفتح مرحلة جديدة من التعاون وتخفيف التوتر، لكنه أثار أيضًا انتقادات داخلية في البلدين من معارضين رأوا فيه تنازلًا عن حقوق مائية وسيادية.
ورغم صمود المعاهدة أمام الحروب والأزمات المتعاقبة ونجاحها في إدارة النزاع المائي، يشير هاينز إلى أنها لم تعالج جذور الخلاف بين البلدين، وفي مقدمتها قضية كشمير، حيث تتداخل المياه مع النزاع على السيادة على الإقليم الذي تمر عبره الأنهار الغربية.
من “نهج سالال” إلى صعود مشروعات الطاقة الهندية
بحسب دانيال هاينز في كتابه “السند المقسّم”، ظل التوتر المائي محدودًا خلال العقود الأولى التي أعقبت توقيع معاهدة مياه السند عام 1960، إذ عالج البلدان الخلافات والقضايا التقنية من خلال اللجنة الدائمة لنهر السند، بعيدًا عن التصعيد السياسي أو اللجوء المبكر إلى التحكيم الدولي.
ويشير المفوض السامي الهندي السابق تي سي إيه راغافان إلى أن هذه المقاربة الهادئة سادت منذ سبعينيات القرن الماضي حتى أواخر التسعينيات، وعُرفت باسم «نهج سالال»، نسبة إلى مشروع سالال الكهرومائي على نهر تشيناب في جامو وكشمير. فقد انتقدت باكستان المشروع، قبل أن ينتهي الخلاف بتسوية أدخلت الهند بموجبها تعديلات عليه، ليصبح نموذجًا لإبقاء النزاعات المائية ضمن إطارها الفني.

لكن هذا النهج واجه اختبارات عدة. ففي ثمانينيات القرن الماضي، خططت الهند لإنشاء مشروع تولبول على نهر جيلوم، ما أثار اعتراض باكستان التي رأت أنه يمنح نيودلهي قدرة على التحكم في تدفقات النهر. ووافقت الهند عام 1987 على تعليق المشروع إلى حين التوصل إلى تسوية ودية، لكن المفاوضات لم تسفر عن اتفاق نهائي، ثم أصبح المشروع في عهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي رمزًا للتحول في النهج الهندي.
ومع توسع الهند في استغلال إمكانات الطاقة الكهرومائية على الأنهار الغربية المخصصة لباكستان، تصاعدت الخلافات التقنية والقانونية بشأن مدى توافق مشاريعها مع قيود المعاهدة. وكان من أبرزها سد باغليهار على نهر تشيناب، الذي اعترضت عليه باكستان وأحالته إلى «خبير محايد». وفي عام 2007، سمح الخبير للهند بمواصلة المشروع، مع إلزامها بإدخال تعديلات على بعض جوانبه.
ثم انتقل الخلاف إلى مشروع كيشنغانغا على نهر جيلوم، إذ اعترضت باكستان على تحويل جزء من مياهه لتوليد الطاقة، خشية تأثر التدفقات الواصلة إلى المناطق الخاضعة لإدارتها في كشمير. ووصل النزاع إلى محكمة التحكيم التي أجازت عام 2013 للهند استخدام المياه لتوليد الطاقة، لكنها ألزمتها بالحفاظ على حد أدنى من التدفق إلى باكستان. وافتُتح المشروع عام 2018.
وتكررت الخلافات حول مشروعات أخرى، مثل راتل وكيرو وكوار ودولهاستي، ثم امتدت إلى آلية تسوية النزاعات نفسها. فقد تمسكت باكستان بإحالة الخلافات إلى محكمة التحكيم، فيما أصرت الهند على عرضها على خبير محايد.
وفي الآونة الأخيرة، لجأت إسلام آباد إلى محكمة التحكيم، معتبرة أن مشروعات الهند على نهر تشيناب تخالف المعاهدة. وحصلت باكستان على قرارات لصالحها، لكن الهند رفضت الاعتراف بها. كما طلبت إسلام آباد تفاصيل فنية عن المشروعات الهندية المقامة على الأنهار الغربية، ولا سيما نهر تشيناب، فيما رفضت نيودلهي تزويدها بالمعلومات.


لكن رغم تعليق الهند معاهدة مياه السند وامتلاكها نفوذًا أكبر كدولة منبع، يشير خبراء إلى أن قدرة الهند الفعلية على وقف تدفق مياه نهر السند بصورة كاملة إلى باكستان محدودة في الوقت الراهن، ويعود ذلك إلى افتقارها الحالي للبنية التحتية القادرة على حجز كميات هائلة من مياه الحوض لفترة طويلة.
لكن محدودية قدرة الهند على قطع المياه عن جارتها لا تعني انعدام القدرة على التأثير في تدفقها، فحتى من دون امتلاكها خزانات ضخمة، تستطيع الهند التلاعب بتوقيت تدفقات المياه، وإبطاء التدفقات لفترات محدودة، أو إطلاق كميات كبيرة من المياه في توقيتات محددة.
وتوضح المحللة المتخصصة في قضايا المياه أنوتاما بانيرجي أن تحكم الهند في توقيت التدفقات يصبح أكثر حساسية لباكستان خلال الفترات التي تكون فيها حاجة المزارعين إلى المياه مرتفعة، ولا سيما في الشتاء، إذ يمكن أن يؤثر تغير توقيت وصول المياه في الزراعة والمحاصيل الشتوية كالقمح.
وهذه النقطة تحديدًا هي مصدر القلق الأكبر لإسلام آباد، وظهرت مؤشرات عملية على هذه القدرة في مايو/أيار 2025، عندما خفضت الهند تدفقات المياه من سدي باغليهار وسالال على نهر تشيناب، وأثرت هذه التغييرات في قدرة المزارعين في البنجاب الباكستانية على زراعة محاصيل مثل الأرز وقصب السكر والذرة والقطن، كما أغلقت الهند بوابات بعض السدود في كشمير الخاضعة لإدارتها من حين إلى آخر، ما أدى إلى انخفاض تدفقات المياه المتجهة إلى باكستان خلال مواسم تعتمد فيها الزراعة على المياه.
وتعتمد باكستان على 80% من مياه حوض نهر السند، ومن بين نحو 168 مليون فدان قدم من مياه الحوض، تُخصص للهند قرابة 33 مليون فدان قدم، بينما تحصل باكستان على نحو 135 مليون فدان قدم، ويجعل هذا التوزيع باكستان شديدة الحساسية تجاه تحكم الهند في توقيت التصريف، إما لتقليل المياه في أوقات الحاجة إليها، أو إطلاق كميات كبيرة بصورة مفاجئة قد تؤدي إلى فيضانات، وقد اتهمت باكستان الهند بإطلاق المياه من سدودها دون إخطارها، وهي اتهامات نفتها الهند.
ومع ذلك لا ينبغي الخلط بين هذه الإجراءات والقدرة على التحكم الكامل في النهر، فسدا باغليهار وسالال رغم قدرتهما على تنظيم التدفقات، لا يمتلكان سعة تخزينية تسمح للهند بحجز كميات هائلة من المياه لفترات طويلة، إذ تشير بعض التقارير إلى أنه يمكن للهند أن تحجز المياه لمدة تتراوح بين 50 و60 يومًا.
ويشير محسن لغاري، وزير الري السابق في إقليم البنجاب الباكستاني، إلى أن إنشاء الهند لسدود وقنوات جديدة أو توسيع قدرتها التخزينية على الأنهار الغربية يتطلب استثمارات ضخمة وسنوات طويلة. وتشير بعض التقديرات إلى أن حجم الاستثمارات الهندية في مشروعات المياه والطاقة الكهرومائية خلال السنوات الأخيرة بلغ نحو 15 مليار دولار.
من زاوية أخرى، يرى خبراء أن وقف الهند لتبادل البيانات والمعلومات المنصوص عليها في المعاهدة قد يكون في المدى القريب أكثر تأثيرًا على باكستان من القدرة المادية على حجز المياه، إذ تلزم المعاهدة البلدين بتبادل بيانات عن تدفقات الأنهار والمشروعات والظروف الهيدرولوجية، وهي معلومات ضرورية لتخطيط الري وإدارة المحاصيل وتجنب كوارث الفيضانات بالنسبة لباكستان.
كيف تعتمد باكستان على نهر السند؟
بحسب دانيال هاينز في كتابه “السند المنقسم”، فأهمية نهر السند بالنسبة إلى باكستان ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والطاقة والصناعة وسبل عيش ملايين السكان، وأي اضطراب في تدفق المياه ستنتقل آثاره سريعًا من الزراعة إلى القطاعات الحيوية.
ويستحوذ القطاع الزراعي على 94% من استهلاك المياه في باكستان، ويشكل هذا القطاع ركيزة الاقتصاد، إذ يمثل 23% من الناتج المحلي الإجمالي، ويوظف 40% من إجمالي القوى العاملة.
أيضًا تولد باكستان نحو خُمس احتياجاتها من الكهرباء من الطاقة الكهرومائية، وتقع محطات الطاقة الكهرومائية الرئيسية في حوض نهر السند. وكما يلخص عادل نجم، فإن أهمية المياه بالنسبة إلى باكستان ذات طابع وجودي، لأنها بلد جاف يعتمد بدرجة كبيرة على موارد مائية تأتي من خارج حدوده.
كما تزداد هشاشة الأمن المائي الباكستاني بسبب محدودية قدرة البلد على تخزين المياه، فرغم امتلاك باكستان لثلاثة خزانات رئيسية متعددة الأغراض (مانغلا، وتربيلا، وتشاشما)، إلى جانب عدد من السدود وقنوات الربط التي تنظم جزءًا من التدفقات الموسمية، لا يتوافر لديها احتياطي استراتيجي يساعدها في أي انقطاع مفاجئ.
ولا تتجاوز السعة التخزينية لهذه الخزانات 14.4 مليون فدان قدم، ويتجسد هذا الخلل بوضوح في وثيقة صادرة عن معهد باكستان للخدمات البرلمانية عام 2024، والتي كشفت عن تفاوت صارخ مقارنة بالجانب الهندي الذي يمتلك سعة تخزين تعادل 190 يومًا، مقابل 30 يومًا فقط لباكستان.
ويحذر الخبراء من أن إنشاء الهند مستقبلًا لمشاريع تخزين كبرى، وهو ما بدأت بتسريعه فعليًا، سيمنحها قدرة فعلية على خنق الاقتصاد الباكستاني، حيث يمكن أن يؤدي أي انقطاع للمياه إلى خفض إنتاج الكهرباء في باكستان بنسبة 30-50%.
وقد أقر رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف مؤخرًا بضرورة بناء مرافق تخزين المياه، لكن مهما بلغت سعة التخزين، لن تكون كافية للتعامل مع انقطاع طويل في تدفقات الأنهار، وإنما قد تساعد في امتصاص آثار الاضطرابات قصيرة الأجل.
ويرى البروفيسور عادل نجم، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بوسطن، أن تكرار التحذيرات الباكستانية من اندلاع مواجهة عسكرية مع الهند بسبب اعتماد البلاد شبه الكامل على نظام نهر السند وافتقارها إلى بديل مائي.
وفي المقابل، يرى البروفيسور أشوك سوين، أستاذ أبحاث السلام والصراع بجامعة أوبسالا في السويد، أن جانبًا كبيرًا من هذا الخطاب يأتي في إطار الرسائل السياسية، مؤكدًا أن انتقال النزاع المائي إلى حرب يظل احتمالًا ضعيفًا، لأن استهداف المنشآت المائية ستكون له عواقب كارثية على الطرفين.
تعديل المعاهدة.. إلى أين يتجه النزاع؟
منذ مطلع الألفية، بدأت مجموعة من العوامل تدفع معاهدة مياه السند نحو مزيد من التسييس، وفي مقدمتها النمو السكاني، وتزايد الاحتياجات المائية، والتحديات البيئية، إلى جانب تنامي الطموحات الهندية في تطوير موارد المياه والطاقة الكهرومائية على الأنهار الغربية.
وفي مارس/آذار 2003، أصدرت الجمعية التشريعية لجامو وكشمير قرارًا يدعو إلى مراجعة معاهدة مياه السند، معتبرةً أن القيود التي فرضتها المعاهدة على استخدام الأنهار الغربية حدت من قدرة الولاية على الاستفادة من مواردها المائية وتطوير إمكاناتها في مجال الطاقة الكهرومائية. وتواصلت لاحقًا المطالب بمراجعة آثار المعاهدة، ففي عام 2010 وافقت حكومة جامو وكشمير على الاستعانة بجهة استشارية لتقدير الخسائر التي لحقت بالإقليم بسبب المعاهدة.
ومع مرور الوقت، أخذت الهند تنظر بصورة متزايدة إلى المعاهدة باعتبارها غير متناسبة مع موقعها واحتياجاتها، فبينما خُصصت الأنهار الغربية الثلاثة، وهي السند وجيلوم وتشيناب لباكستان، ترى الهند أن ذلك منح جارتها 80% من مياه الحوض، مقابل 20% لها.
ويرى بعض المحللين الهنود أن توزيع المياه وفق معايير مثل عدد السكان ومساحة الأراضي الزراعية كان سيمنح الهند حصة أكبر، كما يعتبرون أن الظروف التي أحاطت بإبرام معاهدة 1960 تغيرت ولا تتناسب مع واقع اليوم. بينما يرى محللون هنود آخرون أن المعاهدة أضرت بالمصالح الاستراتيجية والتنموية الهندية ولم تتمكن البلاد من استغلال مواردها طوال العقود الماضية.
ولذا يؤكد بعض المحللين الهنود أن المعاهدة “ظالمة” للمصالح الهندية، وأن الظروف التي كانت قائمة في ستينيات القرن العشرين تغيرت جذريًا من حيث السكان والتكنولوجيا والجغرافيا والبيئة.
وقد عبر رئيس الوزراء ناريندرا مودي عن هذا الاتجاه في خطابه بمناسبة عيد الاستقلال عام 2025 بقوله إن “الدم والماء لا يجتمعان”، في إشارة إلى ربط قضية المياه بالتهديدات الأمنية والعلاقات مع باكستان، وقد وصف المعاهدة بأنها مجحفة بحق المصالح الهندية، واعتبر أنها حدت من استفادة المزارعين والقطاعات التنموية داخل الهند من موارد مائية تقع منابعها في أراضيها.
وطلبت الهند رسميًا من باكستان تعديل معاهدة مياه السند في أعوام 2021 و2023 و2024، مشيرةً إلى التغيرات الديموغرافية والتحديات البيئية والمناخية، ولم توافق باكستان، ومنذ عام 2023 توقفت الهند عن المشاركة في اجتماعات لجنة نهر السند قبل أن تعلن تعليق العمل بالمعاهدة في أبريل 2025.
وبعد أن علقت نيودلهي مشاركتها في معاهدة مياه السند، صرح وزير الداخلية الهندي في يونيو/حزيران 2025، بأن المعاهدة لن يعاد تفعيلها أبدًا، وهو موقف أثار احتجاجات في باكستان واتهامات للهند بـ “الإرهاب المائي”.
ويرى خبراء أن تعليق الهند للاتفاقية يمثل تحولًا جذريًا في سياستها تجاه جارتها، فهي تهدف إلى استخدام المياه كسلاح لمعاقبة باكستان. لكن الحكومة الهندية ترى أن موقفها لا يتعلق باستخدام المياه كسلاح، بل بإعادة النظر في اتفاقية تعتبرها غير متوازنة ولا تعكس التحولات التي طرأت خلال العقود الستة الماضية.
وبحسب إيروم ستار المحاضرة في إدارة المياه المستدامة بجامعة تافتس، فإن هذا المسار أعاد قضية المياه إلى المجال السياسي بعد عقود من محاولة إبقائها ضمن إطار فني وقانوني. ويرى بعض المحللين أن تعليق المعاهدة قد يوفر للهند فرصة للمضي قدمًا في مطالبها بالحصول على مجال أوسع للاستفادة من مياه الحوض.
لكن تداعيات تسييس المياه لا تقتصر على العلاقة بين الهند وباكستان، إذ يخشى بعض المراقبين في الهند من أن يؤدي استخدام المياه كأداة ضغط ضد إسلام آباد إلى خلق سابقة قد تنعكس على نيودلهي نفسها.
فالهند تعتمد أيضًا على أنهار تنبع من الصين، وعلى رأسها نهر براهمابوترا الذي يمثل أهم مصادر المياه في شمال شرق البلاد، ولذا يحذر بعض الخبراء الهنود من أن استخدام المياه كورقة ضغط في مواجهة باكستان قد يمنح بكين مبررًا لتبني النهج نفسه في إدارة خلافاتها المائية مع نيودلهي.