الكاظمي في أوروبا.. البحث عن الدعم وتحشيد الحلفاء

تأتي زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى دول أوروبية، بعد زيارته واشنطن في أغسطس/آب الماضي، لتسلط الضوء على طبيعة تحركات الكاظمي الخارجية، وهو توجه سياسي على ما يبدو لموازنة الضغوط الداخلية التي يتعرض لها، سواء تلك المتعلقة بالكتل السياسية المرتبكة من تحركاته أم المتعلقة بالأزمات الاقتصادية والأمنية.
وفي هذا الإطار ينظر الكاظمي إلى أن الحصول على مزيد من الدعم الاقتصادي وتفعيل دور الاتحاد الأوروبي في العراق، وتحديدًا الدورين الفرنسي والألماني، من الممكن أن يسهم في تفعيل إجراءاته الداخلية، خصوصًا المتعلقة بمكافحة الفساد أو حصر السلاح بيد الدولة.
إذ إن التحديات الكبيرة التي تقف في وجه حكومة الكاظمي تعطي تصورًا واضحًا عن الطريقة التي يفكر بها، فهو يرى أن إجراء إصلاحات إدارية واقتصادية وأمنية، لا تكفي للحصول على نتائج فعالة في الداخل العراقي، دون أن يكون هناك ظهير خارجي داعم ومؤيد لهذه الإصلاحات، خصوصًا الاتحاد الأوروبي الذي ينظر للعراق على أنه فرصة استثمارية كبيرة، فيما لو نجحت إجراءات الكاظمي في تحقيق استقرار سياسي وأمني، ومن هذا المنطلق جاءت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للعراق الشهر الماضي، لتعبر عن رغبة أوروبية واضحة في دعم جهود الكاظمي بهذا المجال.
الكاظمي وفرصة الدعم الاقتصادي
وقعت الحكومة العراقية في العاصمة الفرنسية باريس، ثلاث مذكرات إعلان نوايا في مجالات النقل والزراعة والتعليم، بحضور الكاظمي ورئيس الوزراء الفرنسي جان كاستيكس، وأكد الكاظمي أهمية تعزيز التعاون بين البلدين في العديد من القطاعات، وعبر عن سعي الحكومة العراقية إلى بناء علاقات متينة مع دول العالم، تقوم على أساس المصالح المشتركة وإعادة العراق لوضعه دوليًا.
وجرى خلال لقاء جمعه برئيس الوزراء الفرنسي بحث سبل تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين، وتعزيزها في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والأمنية والصحية، فضلًا عن بحث الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، وتبادل وجهات النظر بشأن عدد من القضايا.
أكد الكاظمي أن بلاده تتطلع لشراكة حقيقية مع ألمانيا
وتتضح الأهمية الاقتصادية لهذه الجولة الأوروبية عبر الوفد المرافق للكاظمي، حيث ضم محافظ البنك المركزي ووزير المالية وعددًا من الاقتصاديين الكبار، لإقناع البلدان الأوروبية بوضع العراق في المكان الصحيح، ليتمكن من بدء النمو والنشاط الاقتصادي المقبول والانفتاح على العالم، إلى جانب حل مشاكل السيولة النقدية وكيفية دفع كلفة التعاقد مع العالم الخارجي.
بعد وصوله ألمانيا، أكد الكاظمي أن بلاده تتطلع لشراكة حقيقية مع ألمانيا، وأشار إلى أنه “جاء إلى برلين ليؤكد التزام العراق برغبته في إقامة علاقات وثيقة والتطلع لشراكة حقيقية”، وأضاف أنه شرع ببرنامج طموح لإعادة هيكلة وبناء الاقتصاد العراقي، لافتًا إلى أنه يقترب من إعلان المرحلة الثانية من خريطة الطريق لتطوير الكهرباء في العراق بمشاركة الشركات الألمانية، ويتطلع لتعزيز جهود التعاون الأمني والعسكري مع ألمانيا والاستفادة من الدعم المالي وتنظيم انتخابات حرة نزيهة، مؤكدًا أن “العالم يمر بأوقات صعبة بسبب كورونا”.
تحقيق التوازن والانفتاح في الساحة العراقية
تشهد الساحة العراقية اليوم استقطابًا إقليميًا معقدًا، خصوصًا عندما يتم الحديث عن الدورين التركي والإيراني في العراق، فضلًا عن الولايات المتحدة التي ما زالت تبحث عن حلول لكيفية التخلص من المستنقع العراقي بأقل الخسائر، وفي هذا الإطار ينظر الكاظمي إلى أن جذب فرنسا وألمانيا لممارسة أدوار داعمة له في العراق، قد يخفف من حدة هذا الاستقطاب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالخلاف التركي الفرنسي على شرق المتوسط أو الخلاف الألماني الإيراني بشأن سوريا والبرنامج النووي، ومن ثم فمن شأن هذه الخلافات أن تمنح الكاظمي فرصة لموازنة الدورين التركي والإيراني في العراق، بالشكل الذي يمنحه حرية حركة حيال تصفير الأوضاع في العراق.
تمثل جولة الكاظمي الأوروبية محاولة لفتح آفاق التعاون مع القوى الكبرى في النظام الدولي بالشكل الذي يخدم المصلحة العراقية، في محاولة حثيثة للحصول على دعم هذه القوى لحكومته، في ظل التحديات التي تواجهها.
وهنا تبرز ملفات مهمة في جولة الكاظمي الأوروبية يتقدمها التفاوض مع القوى الأوروبية بشأن إخراج العراق من لائحة الدول عالية المخاطر بجرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بعد أن تم إدراجه في شهر مايو/أيار الماضي على هذه اللائحة، إذ مثل إدراج العراق في هذه اللائحة، ضربة موجعة لحكومة الكاظمي التي تحاول انتشال الاقتصاد العراقي من الأزمة الحادة التي يواجهها لا سيما في الجوانب الاقتصادية والمالية.
لم تحظى القوى الأوروبية بمكانة متميزة في توجهات صانع القرار السياسي العراقي، بسبب تجاذبات النفوذ الأمريكي والتركي والإيراني في المشهد السياسي العراقي
ورغم تبني البنك المركزي العراقي للإستراتيجية الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الأرهاب عام 2017، بمشاركة مجموعة العمل المالي وعدد من المؤسسات الاقتصادية العالمية، فإن الواقع الفعلي يشير إلى أن هذه الإستراتيجية بقيت حبرًا على ورق، ولم تنجح في تحقيق أهدافها، نتيجة تعقيدات الواقع السياسي العراقي وانعدام سيطرة الحكومات المتعاقبة على الملف المالي، بما يتوافق مع متطلبات المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية.
لم تحظ القوى الأوربية بمكانة متميزة في توجهات صانع القرار السياسي العراقي، بسبب تجاذبات النفوذ الأمريكي والتركي والإيراني، وفي بعض الأحيان الخليجي في المشهد السياسي العراقي، وهي رؤية بحاجة إلى إعادة تقييم في ظل حاجة العراق للشراكات الإستراتيجية مع هذه القوى.
وتبقى المسألة الأكثر أهمية في ملف العلاقات العراقية الأوروبية، هي مكانة العراق في إدراك هذه القوى، لا سيما في ضوء إمكانات الطاقة التي يملكها وحاجة هذه القوى لها، وتؤشر خطوات الكاظمي الخارجية إلى أن هناك محاولة لمواءمة العمل الخارجي مع الداخلي، بما يؤكد الحاجة لتبني رؤية إستراتيجية جديدة في السياسة الخارجية العراقية قائمة على تحقيق المصالح الوطنية.
إشراك أوروبا في إصلاح قطاع الأمن في العراق
أخذ موضوع إصلاح قطاع الأمن في العراق، يطرح نفسه بقوة بعد نهاية الحرب على تنظيم داعش في ديسمبر/كانون الأول 2017، وذلك من أجل تلافي الإخفاقات الكبيرة التي مرت بها القوات العسكرية العراقية، التي كانت سببًا في الانتكاسات العسكرية أمام التنظيم منذ ظهوره في يونيو/حزيران 2014، إذ عقدت الحكومة العراقية خلال فترة حكومة السيد حيدر العبادي، العديد من الاتفاقيات مع التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش، من أجل إعادة تهيئة وتدريب القوات العسكرية العراقية، ودعمها عسكريًا وأمنيًا.
وفي الجانب المقابل، بدأ الحشد الشعبي يفرض نفسه بقوة في المعادلة الأمنية العراقية، ويؤسس قواته وقدراته العسكرية بعيدًا عن الحكومة العراقية، ولعبت إيران دورًا كبيرًا في هذا المجال.
تنظر الفصائل الولائية إلى جهود تطبيع الحشد الشعبي، بأنها جزء من إستراتيجية أمريكية موجهة ضد إيران
إن موضوع تطبيع الحشد الشعبي، كجزء من عملية إصلاح قطاع الأمن في العراق، أخذ يترجم نفسه عبر العديد من الأوامر الديوانية التي صدرت، ومن أبرزها الأوامر المرقمة (237 -331-328) الصادرة عام 2019، التي أكدت ضرورة إجراء مراجعة هيكلية ووظيفية لدور الحشد الشعبي، وبالشكل الذي يحقق مزيدًا من التكامل الوظيفي بين فروع القوات المسلحة العراقية، بصورة تجعل من الحشد الشعبي قوات عسكرية خاضعة لأوامر وقيادة القائد العام للقوات المسلحة العراقية.
إذ تنظر الفصائل الولائية إلى جهود تطبيع الحشد الشعبي، بأنها جزء من إستراتيجية أمريكية موجهة ضد إيران، ومن ثم فإنها أعلنت في أكثر من مرة، بأنها ينبغي أن تكون جزءًا من قيادة أي عملية إصلاحية تطال الحشد الشعبي، وأن تكون هذه العملية من الداخل، ورفض أي جهود إصلاحية تأتي من الخارج.
والأكثر من ذلك، ترى هذه الفصائل أن أي عملية إصلاحية ينبغي أن لا تؤثر على دور ومهام الحشد الشعبي، وهو ما يجعل من مسألة تطبيع الحشد الشعبي مسألة تخضع لمتغيرات داخلية عراقية واستحقاقات إقليمية ودولية.
ونظرًا لرفض القوى المتنفذة داخل هيئة الحشد الشعبي لأي عملية إصلاحية تطال الحشد عبر الولايات المتحدة أو التحالف الدولي، فإن زيارة الكاظمي لأوروبا، تأتي في إطار إفساح المجال للأوروبيين للقيام بدور في هذا المجال، كونه لا يثير مخاوف حلفاء إيران في العراق، عبر برامج وسياسات تحقق مزيدًا من الحرفية والمهنية في سلوك الفصائل المتمردة على قرارات القائد العام للقوات المسلحة العراقية والخضوع لها واحترامها، وقد عبرت فرنسا وألمانيا عن رغبتهما في إجراء هذه العملية الإصلاحية عبر شراكات أمنية مع العراق.