تشكل العلاقة المتوترة بين السلطة التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (مجلس الأمة) العنوان الأبرز للحياة السياسية الكويتية على مدار أكثر من 50 عامًا، وكثيرًا ما كان يقود هذا التوتر والتصادم المستمر بين الطرفين إلى حل أحدهما، فيما يدفع المواطن الكويتي وحده ثمن هذا النزاع.
وعلى مدار العقود الخمس الماضية طالما تدخل أمراء الكويت أكثر من مرة لإنهاء هذا الصدام، إما بإقالة الحكومة أو بحل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة، لكن لم تسفر تلك التدخلات إلا عن تسكين المشهد مؤقتًا لتعود الأجواء إلى ما كانت عليه قبل ذلك.
وتشهد الساحة السياسية هذه الأيام جولة جديدة من النزاع بين السلطتين، استجوابات متتالية قدمها عدد من النواب ضد رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة على خلفية مسائل تشريعية وأخرى تتعلق بالإجراءات الاحترازية الخاصة بفيروس كورونا المستجد، ورغم سعي الحكومة لاحتواء الأمر قدر الإمكان، لكن دون جدوى حتى كتابة هذه السطور.
المواجهات المستمرة بين مجلس الأمة والحكومة باتت الظاهرة الأبرز في كل المجالس النيابية المتعاقبة منذ أول دورة لها، لكنها تتصاعد وتهبط تبعًا لتركيبة ونوعية الأعضاء، ونظرًا لأن الكتلة الأبرز في المجلس الحاليّ من المعارضين للحكومة فإن التساؤل الذي يفرض نفسه الآن: إلى أين يقود هذا النزاع الذي يدخل البلاد في نفق جديد من التعطيل السياسي الذي تعاني منه منذ انتخاب مجلس الأمة في الـ5 من ديسمبر /كانون الأول عام 2020؟
يذكر أن الحكومة الحاليّة أدت اليمين الدستورية الأربعاء الـ3 من مارس/آذار الحاليّ، بعد مضي 37 يومًا على تكليف الشيخ صباح الخالد بتشكيلها، وذلك بعد قبول أمير البلاد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح استقالة حكومة الشيخ صباح الثانية بعد شهر واحد فقط من تشكيلها في 14 من ديسمبر/كانون الأول 2020.
5 استجوابات للحكومة الجديدة
الساعات القليلة القادمة من المتوقع أن تشهد 5 استجوابات للحكومة، الأول قدمه النائبان محمد المطير وبدر الداهوم، لرئيس مجلس الوزراء، وسلّماه للأمانة العامة لمجلس الأمة، ويتعلق بـ”التمايز في تطبيق القانون وذلك على خلفية إحالة وزير الداخلية الشيخ ثامر الصباح المشاركين في وقفة تضامنية مع النائب بدر الداهوم للنيابة العامة بسبب خرقهم للإجراءات الصحية المرتبطة بفيروس كورونا”.
رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم، قال إنه تلقى الاستجواب “وفقًا للإجراءات اللائحية والمادة 135 من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة، وتم إبلاغ سمو رئيس مجلس الوزراء بهذا الاستجواب وتم التأشير عليه ليدرج في أول جلسة قادمة لتحديد موعد لمناقشته”.
وهناك استجوابان منفصلان من المتوقع أن يجري تقديمهما قريبًا من النائبين مساعد العارضي وأسامة المناور لرئيس مجلس الوزراء، الذي لم يؤد اليمين الدستورية أمام البرلمان حتى الآن، فيما أعلن النائبان حسن جوهر ومهند الساير تقديم استجواب لوزير الصحة، باسل الصباح، بسبب الأخطاء التي شابت عملية مواجهة فيروس كورونا وقرارات الإغلاق الصحي والحظر الجزئي للتجول، كما أعلن نواب آخرون عن تقديم استجواب منفصل للوزير لذات السبب.
حاولت الحكومة – ولا تزال – تسوية الأوضاع قبيل الاستجواب ومحاولة حل الأمور بشكل ودي من خلال عقد اجتماع مع عدد من النواب المعارضين، لكنه لم يسفر عن شيء في ظل عدم تقديم ممثلي الحكومة الضمانات الكافية التي تدفع النواب لسحب استجوابهم.
وعلى الجانب الآخر يسعى رئيس الوزراء لامتصاص غضب المعارضين تحت سقف البرلمان من خلال تقديم ضمانات للنواب بتعديل عدد من القوانين، أبرزها قوانين الحريات وقانون النظام الانتخابي، وهي المسائل التي كانت محل خلاف طيلة الفترة الماضية.
تقدمنا قبل قليل مع اخونا الفاضل الدكتور بدر الداهوم باستجواب لرئيس الوزراء..بمحور رئيسي وهو الانتقائية في تطبيق القوانين pic.twitter.com/k4kQElxClQ
— محمد براك المطير (@MBALMUTAIR) March 8, 2021
تصعيد المعارضة
التصعيد الملحوظ من المعارضة يأتي بعد رفض الحكومة التعاطي مع بعض الملفات والقضايا الأساسية محل النزاع بين السلطتين، التشريعية والتنفيذية، على رأسها قضية “العفو الشامل” عن مقتحمي مجلس الأمة عام 2011، الذين يعيشون في الخارج، وهو المطلب الذي طالما رفعه برلمانيون لكن دون استجابة.
هذا بخلاف حالة الغموض السياسي التي تخيم على المشهد في انتظار حكم المحكمة الدستورية في شطب النائب بدر الداهوم في الـ14 من الشهر الحاليّ، فيما لا تُظهر الحكومة أي مبادرات إيجابية في هذا الملف، وهو ما أثار غضب كتلة كبيرة من أعضاء المجلس.
وتنقسم المعارضة داخل مجلس الأمة إلى قسمين، الأول يطالب بالإطاحة برئيس الوزراء بأي ثمن ويقوده النائب محمد المطير وبدر الداهوم، أما القسم الثاني فهو الساعي إلى تفاهمات مع الحكومة للحصول على أكبر قدر من المكاسب في القضايا الرئيسية، ويقوده النائب حسن جوهر.
بعد الإصرار على العبث بإدارة ملف كورونا رغم الفشل المتكرر وتعريض البلاد لخسائر فادحة نعلن تقديم إستجواب لوزير الصحة من ثلاثة محاور
1)المحور الصحي
2)المحور الإقتصادي والمالي
3)المحور الأمني
رسالتنا لرئيس الوزراء في حال استمرار هذا التخبط وعدم الوفاء بالتزاماته سيواجه نفس الاستحقاق— د. حسن جوهر (@dr_hasanjohar) March 4, 2021
شبح الاستقالة يفرض نفسه
ما أشبه الليلة بالبارحة، فالمشهد بكل تفاصيله الآن يتشابه بقدر كبير مع ما حدث قبل أقل من ثلاثة أشهر، حين اضطرت الحكومة لتقديم استقالتها على خلفية معركة تكسير عظام جديدة خاضتها مع البرلمان في مشهد بات على ما يبدو اعتياديًا بالدولة الخليجية.
وجاءت استقالة صباح الخالد على خلفية أزمة نشبت بين الحكومة والبرلمان بسبب إعلان 38 نائبًا تأييدهم لاستجواب قدمه 3 نواب ضد رئيس الوزراء، الأمر الذي دفع رئيس الحكومة الذي ينتمي للعائلة المالكة إلى تقديم استقالة الحكومة في 18 من يناير/كانون الثاني الماضي.
التشكيلة الجديدة للحكومة الحاليّة تضمنت 4 وزراء جدد أبرزهم نائب رئيس الوزراء ووزير العدل ووزير الدولة لشؤون تعزيز النزاهة عبد الله الرومي، وهو نائب سابق لنحو 35 عامًا ومعروف بعلاقاته الطيبة مع مختلف الكتل البرلمانية، فيما خلت من بعض الوزراء الذين طالبت المعارضة باستبعادهم خلال الفترة الماضية.
التكتل المعارض الأبرز داخل البرلمان والمسمى بـ”مجموعة الـ16″ الذي يضم 16 نائبًا، أصدر بيانًا أكد فيه أن أولوياته في المرحلة المقبلة، هي ذاتها التي تضمنها بيانه السابق في 12 يناير/كانون الثاني الماضي، وهي تعديل النظام الانتخابي والقوانين المرتبطة بالحريات، و”تكويت” الوظائف العامة والمصالحة الوطنية ومنع تعارض المصالح وتعديل اللائحة الداخلية لمجلس الأمة.
ورغم أن رئيس الحكومة من خلال مصادر مقربة أشار إلى مناقشته لتلك المطالب ومحاولة تقديم ضمانات بشأنها في محاولة لتقريب وجهات النظر مع المعارضة، وهو التوجه الذي طالما أكده مرارًا، إلا أن الدخول في أتون الاستجوابات مبكرًا ربما يحول دون التوصل إلى تفاهمات سريعة.
يذكر أن رئيس الوزراء عقد اجتماعًا بأعضاء التكتل في الأول من فبراير/شباط الماضي، وانتهى إلى الاتفاق على تشكيل فريق عمل حكومي نيابي لإقرار القوانين التي وردت في بيان الكتلة في أول جلسة يعقدها المجلس عقب تشكيل الحكومة، بحسب تصريحات وزير الدولة لشؤون مجلس الأمة مبارك الحريص.
وسجلت الكويت منذ الألفية الجديدة استقالات عدة لحكومات متعاقبة، أبرز أسبابها تقديم استجوابات لرئيس مجلس الوزراء أو أحد الوزراء، أبرزها حكومة ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الراحل الشيخ، سعد العبد الله السالم الصباح في 2001، ثم حكومة الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح في 2007 و2008 و2011، مرورًا بحكومة حكومة الشيخ جابر المبارك الحمد الصباح في 2017، وصولًا إلى الحكومة الحاليّة التي قدمت استقالتها مرتين قبل ذلك.
عدم التعلم من التجارب السابقة
مدير مركز المدار للدراسات السياسية، الدكتور صالح المطيري، عزا أسباب استمرار الأزمة المتكررة بين البرلمان والحكومة إلى “محاولة إعادة التجربة ذاتها بنمط واحد ونهج ثابت من جانب الحكومة”، لافتًا في تصريحات له أن الحكومة لم تتعلم من التجارب السابقة وأنها تعيد التجربة ذاتها فيما تنتظر نتائج مختلفة.
المطيري أضاف “أعتقد أن الأزمات السياسية مستمرة طالما النهج واحد. لدينا تجربة طويلة ودستور منذ عام 1962 ينظم العملية السياسية، لكن التطبيق يأتي دون إيمان بمواده وأفكاره وفلسفته”، وذلك وفق تصريحاته لموقع “الحرة” مستشهدًا ببعض التجارب السابقة التي لم تتعلم منها الحكومة على حد قوله.
ومن بين التجارب التي ساقها “تجربة وزير الشؤون الاجتماعية السابقة غدير أسيري التي استقالت بعد أيام عقب اكتشاف آراء لها في قضايا تمس دول أخرى” بجانب تجربة “وزير الكهرباء والماء محمد بوشهري الذي قبلت استقالته على خلفية صدور حكم نهائي بحقه تؤكد عدم قراءة المشهد السياسي قبل تشكيل الحكومة”.
وختم الباحث السياسي حديثه بأن مشاكل البلاد الأساسية تكمن في القراءة الخاطئة للمشهد، خصوصًا في الوزارت قصيرة العمر، محذرًا من الاستقالة السريعة للحكومة التي تلجأ إليها مع كل تصعيد ينشب مع البرلمان، لافتًا إلى أن هذا الإجراء من شأنه تعطيل المصالح العامة خاصة في فترة الوباء التي تحياها الدولة الخليجية الآن.
تبقى الأيام القادمة ساحة مفتوحة لكل السيناريوهات بشأن مستقبل الحكومة التي لم يمر على أدائها لليمين الدستورية إلا أسبوع واحد فقط
وتموج خريطة الكويت السياسية بالعديد من التيارات التي كان لها تداعياتها على المشهد برمته، إيجابًا وسلبًا، حيث يسيطر تياران رئيسيان على الساحة ينبثق منهما تيارات فرعية، الأول وهو التيار الإسلامي فيما يأتي الليبراليون في المرتبة الثانية.
وينبثق عن التيار الإسلامي العديد من اللجان الفرعية، منها التيار السلفي والتجمع السلفي اللذان يتبعان جمعية إحياء التراث، بجانب الحركة السلفية التي انشقت عن التيار السلفي الرئيسي إثر خلافات فكرية، وقد أسسها عدد من الشخصيات الأكاديمية الإسلامية.
ومن أبرز التيارات الإسلامية في الكويت، الحركة الدستورية، المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، وهي منبثقة من جمعية الإصلاح الاجتماعي أوسع الجمعيات في البلاد، ولها حضور شعبي كبير رغم الانتقادات والتضييقات التي تتعرض لها خلال السنوات الماضية.
كذلك هناك الليبراليون، وهم خليط من القوميين واليساريين، ويسيطر هذا التيار على العديد من المواقع الإعلامية المهمة الخاصة والحكومية، فيما يعد “المنبر الديمقراطي” أحد أقدم التيارات الليبرالية الحاليّة، ويسميه البعض بمجموعة “الطليعة” بخلاف تيارات أخرى مثل “التكتل الشعبي الليبرالي” و”التحالف الوطني الديمقراطي” و”التيار التقدمي الكويتي” و”الناصريون”.
وتبقى الأيام القادمة ساحة مفتوحة لكل السيناريوهات بشأن مستقبل الحكومة التي لم يمر على أدائها لليمين الدستورية إلا أسبوع واحد فقط، فيما يتكئ المواطن الكويتي (المتضرر الأكبر من هذا السجال) على جدران الانتظار، ترقبًا لما ستسفر عنه الجولة القادمة من المواجهات بين البرلمان ورئاسة الوزراء.