ترجمة وتحرير: نون بوست
عندما أعلن مقتدى الصدر الشهر الماضي عن انسحاب حركته من الانتخابات العراقية المقبلة التي ستُعقد في شهر تشرين الأول/ أكتوبر، رأى العديد من منافسيه أن الفرصة سانحة أمامهم للتقدم بيد أن مخاوف أكبر انتابت البعض الآخر بشأن التأثيرات التي سيحدثها انسحاب “تحالف سائرون”.
وفق ما صرح به مسؤولون وسياسيون ومحللون لموقع “ميدل إيست آي”، فإنه بالنسبة لرئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، وغيره من القوى السياسية، فإن قرار مقتدى الصدر يثير تساؤلات حول قدرة العراق على تنظيم الانتخابات من الأساس.
علاوة على ذلك، أشاروا إلى المخاوف الجدية التي تنتابهم من أن يؤدي تزعزع الوضع الأمني في الأسابيع المقبلة بالإضافة إلى الفراغ السياسي الذي خلفه الصدر، إلى اندلاع الفوضى.
شدّد الصدر على ضرورة “إنقاذ الوطن الذي أحرقه الفاسدون وما زالوا يحرقونه” عندما أعلن عن انسحاب مرشحي حركته عبر التلفزيون في 15 تموز/ يوليو. ولم يلغ المرشحون بعد ترشحهم بشكل رسمي، ولكن جميعهم أوقفوا جميعا حملتهم الانتخابية وأعلنوا عن امتثالهم لقرار الصدر.
يؤيّد حوالي خمسة ملايين عراقي رجل الدين الشيعي بإخلاص ومن المتوقع الآن أن يمتنع الكثير منهم عن التصويت. كما يبسط نفوذه على واحدة من أكبر الجماعات شبه العسكرية وحوالي نصف المناصب الحكومية العليا والمتوسطة. لهذا السبب، سوف تطرح مقاطعة مؤيديه وحلفائه للانتخابات على الفور تساؤلات بشأن نزاهة الانتخابات، لا سيما أنه من المحتمل أن يؤدي ذلك إلى انخفاض كبير في عدد الناخبين.
في حال استمرار السباق الانتخابي، فقد يعتبر أنصاره ذلك تحديا لمقتدى الصدر نفسه، وهو ما يخشى المسؤولون من أن يؤدي إلى اندلاع أعمال عنف ومظاهرات في بغداد والمحافظات الجنوبية. وقال مسؤول عراقي رفيع المستوى مقرب من الكاظمي لموقع “ميدل إيست آي”، رفض الكشف عن هويته، إنه “من الناحية التقنية، نحن أكثر استعدادا من أي وقت مضى لإجراء الانتخابات، ولكن من الناحية السياسية، الفوضى تلوح في الأفق”.
أضاف المصدر ذاته: “إذا أجرينا الانتخابات في موعدها المقرر، الموافق للعاشر من شهر تشرين الأول/ أكتوبر، فسوف تكون ناجحة من الناحية التقنية، ولكنها ستكون كارثية من الناحية السياسية بسبب غياب القوى الكبرى. يعتبر الصدريون من ضمن القوى السياسية الرئيسية التي لا يمكن تجاهلها أو المضي قدما من دونها. من أجل حماية نتائج العملية الانتخابية على الأقل وضمان استقرار البرلمان والحكومة المستقبلية وتمثيلهما للجميع”.
حرب قذرة
جاء إعلان الصدر بعد يومين فقط من نشوب حريق مدمر استهدف مستشفى الحسين التعليمي بمدينة الناصرية، والذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 64 شخصا وجرح العشرات. وسبق الحريق تفجير العشرات من أبراج نقل الطاقة الكهربائية، مما أدى إلى انقطاع شبه كامل للتيار الكهربائي في عدة محافظات لعدة أيام، في ظل ارتفاع درجات الحرارة في الصيف إلى حوالي 50 درجة مئوية.
الجدير بالذكر أن التيار الصدري يسيطر على وزارتي الصحة والكهرباء، وقد أثارت تلك الكوارث سيلا من الانتقادات عبر المحطات التلفزيونية والحسابات المملوكة لخصوم الصدر على منصات التواصل الاجتماعي. وقد حمّلت الإنتقادات حركته مسؤولية حدوث هذا الدمار، معتبرة أنها ناجمة عن الفساد والاستخفاف بحياة الناس، وانعدام المساءلة.

أشار أحد الزعماء الصدريين إلى أنه سرعان ما نُظر إلى رفض الصدر المفاجئ للانتخابات على أنه رد على هذا النقد العنيف و”حرب قذرة شنها خصومه على الشعب لإحراجه هو وأتباعه”. وقال هذا الزعيم لموقع ميدل إيست آي: “قرر الصدر الانسحاب من الانتخابات لوقف إراقة الدماء”، وزعم أن “الهجوم الإعلامي علينا كان غير مسبوق، وأصبح النضال الانتخابي دمويا وقذرا. لقد كانوا [خصوم الصدر] يستهدفون الأبرياء لتدميرنا سياسيا. فقررنا الانسحاب لوقف هذا القتل وفضح حقيقتهم ولنثبت للناس أننا لا نتحكم في ما يحدث”.
سدّ الفراغ
بافتراض أن الانتخابات ستُعقد، فإن غياب مرشحيه سيعزز حظوظ جميع خصوم الصدر الشيعة، الذين يتوقعون الحصول على المزيد من المقاعد، خاصة في المناطق التي يسيطر عليها الشيعة مثل بغداد ووسط العراق وجنوبه. سيكون ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، العدو اللدود للصدر، بينما سيكون مرشحو الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، المنافسين التقليديين لرجل الدين، أكبر المستفيدين من مقاطعته للانتخابات.
قال بعض السياسيين والمراقبين لموقع “ميدل إيست آي” إن تلك الأطراف تخطط للاستفادة من الوضع والحملة في مناطق الصدر التي لم يجرؤوا عليها أبدا. وأضاف الزعيم الصدري أن “المالكي والموالون [الأحزاب المدعومة من إيران] هم أكبر المستفيدين من انسحابنا. وهم يسعون حاليا لإجراء انتخابات مع استبعادنا من الساحة. لكنهم لن ينجحوا، وإلا فسيكون عليهم مواجهة العواقب. لن تكون هناك انتخابات دون الصدريين ولا برلمان ولا حكومة. لن يهدأ الشارع ولن يجرؤ الكاظمي على إجراء انتخابات دون مشاركتنا”.
شرع المرشحون الصدريون، الذين يشعرون بالاستياء من عدم قدرتهم على الترشح للانتخابات البرلمانية لكنهم قلقون من التحدث علانية ضد زعيمهم، بدلا من ذلك في الترويج لفكرة تأجيل الانتخابات إلى غاية نيسان/أبريل، لضمان مشاركتهم فيها. في غضون ذلك، يصر خصوم رجل الدين على إجراء الاختراعات في موعدها، بحجة أن مقاطعة الصدر للانتخابات ليست جدية وأنه من المرجح أن يتراجع عن هذا القرار في أي لحظة.
في سنة 2014، اعتمد رجل الدين الحيلة ذاتها قبل انتخابات ذلك العام، قبل أن يعدل عن قراره بعد شهرين. علاوة على ذلك، يجادل خصوم الصدر بأن هناك حماسا شعبيا ساحقا لانتخابات تشرين الأول/ أكتوبر، وقد تم بالفعل تحديد الإطار القانوني لإجراء الانتخابات.
ذكر قيادي في دولة القانون أن “تراجع الصدر عن قراره بمقاطعة الانتخابات لن يكون أمرا غريبا أو جديدا، إذ سبق وأن فعل ذلك عدة مرات خلال السنوات الماضية. لم يقدم مرشحوه طلبات رسمية إلى مفوضية الانتخابات لسحب ترشحهم، وفي حال كان [الصدر] جادا في قراره، كان ليطلب منهم الانسحاب رسميا”.
مهما كانت نتائج الانتخابات المقبلة، فإنها ستؤدي إلى إعادة توزيع السلطات والمناصب والنفوذ والمال بين الفائزين
خلال السنة الماضية، روج الصدر وأتباعه لفكرة أن الانتخابات القادمة ستشهد حصول حركته على 100 من أصل 329 مقعدا في البرلمان وأيضا إمكانية تنصيب أحدهم رئيسا للوزراء، كما جادلوا بأنه إن لم يحصل ذلك، فستكون الانتخابات مزورة. يعتقد زعيم دولة القانون أن هذا الخوف لن يتحول إلى حقيقة، لكنه منع الصدر من الترشح تماما.
يضيف القيادي ذاته: “سواء ندم على قراره أم لا، فقد خسر الرهان وأثبت أنه وأتباعه غير قادرين على الفوز بنصف عدد المقاعد التي وعدوا بها”. وقد استفزت تصريحاته والتي تقول إن الصدر على وشك أن يصبح رئيساً للوزراء، خصوم الصدر. لذلك عندما تدهورت قطاعات كانت تحت سيطرة الصدر، سرعان ما ربط خصومه ذلك بالفساد والإهمال الذي يتسم به التيار الصدري.
كما ادعى معارضو الصدر بأنه انسحب فقط لأن التوقعات تشير إلى أن مرشحيه سيفوزون بما بين 32 و34 مقعدًا فقط في البرلمان، وهو عدد أقل بكثير مما توقعه. في السياق ذاته، صرح زعيم بارز في حركة الحكمة لموقع ميدل إيست آي بأن قراره بمقاطعة الانتخابات كان بمثابة “قرار تكتيكي للتهرب من وعوده وحفظ ماء وجهه”.
فيما بينهم، لا يخفي قادة التيار الصدري أنهم يراهنون على الفوضى والعنف الذي يعتقدون أنه سيجتاح الشوارع قبل يوم الانتخابات ويجبر الحكومة وخصوم الصدر على تأجيل الانتخابات.
في سياق متصل، أوضح سياسي شيعي بارز لموقع “ميدل إيست آي” أنه “مهما كانت نتائج الانتخابات المقبلة، فإنها ستؤدي إلى إعادة توزيع السلطات والمناصب والنفوذ والمال بين الفائزين”. وتابع:”يسيطر الصدر وحركته السياسية على حوالي نصف الحكومة والسلطات الأخرى. لن يتخلوا ببساطة عن كل هذا، حتى لو كانت هذه رغبة الصدر. كما لدى قادة التيار الصدري التزامات وعقود وعمولات وقواعد جماهيرية تنتظرهم لمواصلة الحفاظ على مصالحهم. وأردف قائلا:” “منعهم من المشاركة في الانتخابات وتهديد كل هذه الامتيازات سيثير سخطهم على الصدر نفسه، وسيترجمون ذلك من خلال فرض ضغط على الجميع، بمن فيهم الصدر”.
التأجيل ليس خيارا
كما هو واضح، فإن تأجيل الانتخابات بعيد عن أن يكون خيارًا للحكومة العراقية والمجتمع الدولي. في هذا الإطار، يقول مسؤولون لموقع ميدل إيست آي إن “هذا يرجع في المقام الأول للوقت والمال الذي وقع إنفاقه في التحضير لها وتطبيق القانون الانتخابي”.
في شأن ذي صلة، صرح مسؤول مقرب من الكاظمي لموقع ميدل إيست آي: “لا يمكن تأجيل الانتخابات المبكرة الآن. يعني التأجيل إعادة جميع الخطوات التقنية من جديد. وربما نشهد حتى مطالبات بتعديل أو إلغاء قانون الانتخابات. هذه الإجراءات قد تستغرق سنة أو أكثر. وهذا يعني أن خيار تأجيل الانتخابات أقرب إلى فكرة الإلغاء، وهذا ما لا يرغب به رئيس الوزراء”.
حسب المسؤول ذاته، “فإن الكاظمي، الذي لن يخوض الانتخابات المقبلة، يريد مشاركة جميع القوى الرئيسية وضمان انتقال سلس للسلطة. وحذر من أن غياب الصدر يهدد ذلك”. كما تابع: “رئيس الوزراء يشعر بالقلق للغاية ويسعى حاليا لإيجاد تسوية بمشاركة القوى السياسية التي تدعمه، لطمأنة الصدر وتخفيف حدة الاعتداءات عليه وعلى أتباعه وإقناعه بالتراجع عن قراره”.
وأوضح قائلا: “الكل يعلم أن الصدريين لن ينسحبوا من المشهد السياسي بهدوء ولن يسمحوا بإجراء الانتخابات دونه، حيث سيحرق أتباع الصدر الشوارع إذا لزم الأمر. لهذا السبب، ينبغي على الجميع فهم أنه لا فائدة من مقاطعة الصدريين للانتخابات ولن ينجر عن ذلك استقرار الساحة السياسية. لذلك ينبغي التحرك على هذا الأساس”.
المصدر: ميدل إيست آي