الذكرى الثالثة لمقتل خاشقجي.. وصمة عار لا يمحوها الزمن

كثير من الجرائم لا تسقط بالتقادم مهما نجح مرتكبوها في إهالة التراب فوقها لطمس هويتها وتغييب ملامحها، ومهما تفنّن المجرم في المراوغة للإفلات من العقاب، فإنه حتمًا سيقع تحت طائلة المحاسبة، إن لم يكن عبر القانون الوضعي فعبر الضمير الإنساني حيث العار الذي سيلاحقه وسلالته أينما ذهبوا أو ارتحلوا.
تأتي الذكرى الثالثة لمقتل الصحفي السعودي المعارض، جمال خاشقجي، الذي غُدر به داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، في 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، وسط تغييب شبه تام للقضية -رغم ما تحمله تفاصيلها من شرخ كبير في جدار الإنسانية- عن جدول اهتمامات المجتمع الدولي.
تلك الجريمة التي مثّلت لحظة فارقة في تاريخ السعودية، فما قبلها ما كان ولم يكن كما بعدها مطلقًا، لتظلَّ بكواليسها الدموية فيلمًا سينمائيًّا عالقًا في الأذهان، رغم مساحيق التجميل المستخدَمة لتخفيف قبح الصورة ووحشية المشهد الذي لا يستوعبه عقل.
تهاوٍ كبير في منسوب الاهتمام بتلك القضية التي فرضت نفسها كإحدى أبرز القضايا على طاولة الاهتمام الدولي، لتصل في نهاية الأمر إلى رقم يُضاف إلى قائمة طويلة من الجرائم التي يسابق مرتكبوها الزمن لتهميشها حتى لو كان المقابل هو ارتهان القرار السياسي والسيادي لدولة بأكملها بعدما باتت في مرمى الانتقادات الدولية.
عامان من التستُّر والمراوغة من قبل إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، يليهما 10 أشهر من التجاهل المتعمَّد من قبل إدارة جو بايدن التي كان يعوِّل عليها البعض للوصول إلى العدالة الغائبة في تلك الجريمة التي ستظل شبحًا يلاحق ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وأحد المنغّصات التي شكلت تهديدًا كبيرًا لمستقبله السياسي وتحقيق حلمه في خلافة والده.. ليبقى السؤال: هل ينجح عامل الزمن في طيّ تلك الصفحة كأن لم تكن؟
ما توصّلت إليه التحقيقات
وصل التحقيق في القضية -بعد أكثر من عامَين من المباحثات واللقاءات والدراسة والتقصّي- إلى مرحلة متقدمة تبلغ حد اليقين التام بتحديد الشخوص الضالعة في تلك الجريمة، محمِّلًا ولي العهد مسؤولية ما حدث، بحكم صفته ومنصبه وسيطرته على قرار تنفيذ العملية.
البداية كانت مع التقرير الذي أعدّته المقرِّرة الخاصة للأمم المتحدة، أغنيس كالامار، في يونيو/ حزيران 2019، والذي توصّل إلى أن مقتل خاشقجي “يُعدّ جريمة قتل خارج القانون تتحمّل السعودية مسؤوليتها”، كاشفًا عن عن أن هناك “أدلة موثوقة” تستدعي فتح تحقيق في تورُّط محمد بن سلمان وغيره من كبار المسؤولين رفيعي المستوى في السعودية في القتل.
أشارت كالامار إلى أن المحاكمات الواردة في تلك القضية “لن تحقق العدالة كما ينبغي”، مطالبةً بضرورة أن يخضع ولي العهد للعقوبات التي فرضتها بالفعل دول أعضاء في الأمم المتحدة على بعض الأفراد الذين يُعتقد أنهم متورِّطون في القتل.
كما قالت إن المحاكمة “تُجرى خلف أبواب مغلقة، ولم يكشف النقاب عن هوية من يواجهون الاتهامات ولا هوية هؤلاء الذين يواجهون أحكامًا بالإعدام. وحتى وقت كتابة هذا التقرير، لا يزال واحد على الأقل من بين من ثبت أنهم خططوا ورتّبوا عملية قتل خاشقجي لم توجَّه إليه أي اتهامات بعد”.
بعد مرور أكثر من 7 أشهر على الإعلان عن هذا التقرير الاستخباراتي الأمريكي الذي توقّع البعض أن يكون له صدى إزاء السياسة الخارجية الأمريكية تجاه قضية خاشقجي، ما زال الصمت هو لغة الحوار الأبرز.
وفي منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، أعلنت تركيا أنها أطلعت أمريكا والسعودية وبريطانيا وألمانيا وفرنسا على تسجيلات صوتية لمقتل خاشقجي، والتي كان من بينها تسجيل لمناقشةٍ بين من يبدو أنهم اثنين من المسؤولين السعوديين حول كيفية تقطيع ونقل جثمان خاشقجي، وكان ذلك قبل دقائق معدودة من وصوله مقرّ القنصلية في إسطنبول.
نسبَ التقريرُ إلى أحد الضالعين في الجريمة من السعوديين قوله إن “الجثمان ثقيل، وهذه هي المرة الأولى التي أقطّع فيها جثمانًا على الأرض. إذا أخذنا الأكياس البلاستيكية وقطعناها إلى قطع صغيرة، سوف ينتهي الأمر”. وفي آخر التسجيل تساءلَ المسؤول الثاني عمّا إذا كانت “الأضحية” وصلت.
كشفَ التقرير الأممي عن وجود أدلة قوية على أن مسرح الجريمة “خضع لتنظيف عميق بمعرفة متخصِّصين في الطب الشرعي” قبل وصول المحققين إليه، فيما تمّ تفتيش الموقع الذي زاره الملحق القنصلي السعودي في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول عام 2018، أي قبل مقتل الصحفي السعودي بيوم واحد، في غابة بلغراد بإسطنبول، كان يتردد أن مواطنًا سعوديًّا يمتلك منزلًا داخل مزرعة هناك، على أمل الحصول على جثة المعارض المغدور به، وهو ما لم يحدث.
ورغم كشف تلك الأدلة والوثائق بشكل كبير لهوية المتورِّطين في الجريمة وعلى رأسهم بن سلمان، إلا أن أحدًا لم يتحرك رغم المناشدات الحقوقية الدولية، وكان المبرِّر المقدَّم سابقًا يتمحور حول حماية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لولي العهد الذي فتح خزائن بلاده أمام سيد البيت الأبيض لشراء دعمه وصمته في آن واحد.
ومع رحيل ترامب ومجيء بايدن، ذلك الديمقراطي الذي قد تعهّد خلال حملته الانتخابية بالتدقيق في سياسات المملكة وسجلّها الحقوقي المشين، استبشر البعض خيرًا لا سيما بعدما أعلنَ عن الكشف عن التقرير السرّي الذي أعدّته الاستخبارات الأمريكية بشأن تلك الجريمة.
وبالفعل في فبراير/ شباط الماضي نشرت الإدارة الأمريكية تقريرها الذي قالت فيه الاستخبارات الأمريكية: “نحن نقدّر أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وافق على عملية في إسطنبول بتركيا لاعتقال أو قتل خاشقجي”، كما شمل التقرير أسماء 21 شخصًا آخرين قبل أن يتمَّ حذف 3 أسماء منهم في وقت لاحق.
وبعد مرور أكثر من 7 أشهر على الإعلان عن هذا التقرير الذي توقّع البعض أن يكون له صدى إزاء السياسة الخارجية الأمريكية تجاه قضية خاشقجي، ما زال الصمت هو لغة الحوار الأبرز، إذ إن الأوضاع ظلت كما هي دون أي تغيير يُذكر، وسط مناشدات لبايدن بالوفاء بعهوده التي قطعها على نفسه خلال حملته الانتخابية.
استهزاء بالتحقيقات
مارست السلطات السعودية كافة استراتيجيات المراوغة والتسويف في التعامُل مع تلك القضية منذ فتح باب التحقيقات بشأنها، متأرجحة بين 3 روايات متباينة، بداية من الادِّعاء بوجود شجار بين المغدور به وأحد الأشخاص أفضى إلى اشتباك ثم وفاة، مرورًا بخلاف نشب بينه وبين الفريق المرسَل لإعادته لبلاده بقيادة اللواء أحمد عسيري والمستشار بالديوان الملكي السعودي سعود القحطاني، ذراعَي ابن سلمان، ما أدّى إلى وفاته، وصولًا إلى إصدار تعليمات بقتله من قيادات أمنية بالمملكة دون استشارة القيادة السياسية بالبلاد.
وفي مسار موازٍ، كانت التحقيقات القضائية تسير وفق أبجدية ضبابية فوضوية تسويفية بامتياز، كان الهدف منها تسكين الرأي العام وتخدير الشارع العالمي الثائر ضد الوحشية التي تضمّنتها تفاصيل عملية القتل، فبعد أحكام صدرت سابقًا بإعدام 5 من المتّهمين في الجريمة، إذ بالمملكة تنكث أحكامها التي ترتبط صعودًا وهبوطًا وفق ترمومتر التعاطي الدولي مع القضية.
تسابقُ الرياض الزمن لطيّ هذا الملف للأبد، حتى وصل الأمر إلى تهديد المقرِّرة الأممية التي أعدّت تقرير إدانة ولي العهد، أغنيس كالامار، والتي أشارت في تصريحات لصحيفة “ذي غارديان” البريطانية أنها تلقّت تهديدات من مسؤول سعودي بارز.
ففي سبتمبر/ أيلول 2020 أصدرت محكمة في الرياض أحكامًا نهائية في تلك القضية، قضت بسجن 8 مدانين لفترات تراوح بين 20 سنة و7 سنوات، لتسدل الستار داخليًّا على هذا الملف، خاصة بعد إعلان أبناء خاشقجي “العفو” عن قَتَلة والدهم في أيار/ مايو من العام نفسه، في خطوة سمحت للمتّهمين بالإفلات من عقوبة الإعدام.
المحكمة في نصّ حكمها قالت إنها “أصدرت أحكامًا بحق 8 أشخاص مدانين، اكتسبت الصفة القطعية (…) حيث قضت بالسجن 20 عامًا على 5 من المدانين حيال كل فرد منهم، و3 من المدانين بأحكام تقضي بالسجن لـ 10 سنوات لكل واحد منهم (مع إضافة) 7 سنوات لاثنين منهم”، وكان صلاح خاشقجي قد نشرَ في تغريدة له على حسابه على تويتر قال فيها: “نعلنُ نحن أبناء الشهيد جمال خاشقجي أننا عفونا عمّن قتل والدنا”، مضيفًا أن قرار العائلة يستند إلى آية قرآنية تشجّع على العفو.
تهديدات وضغوط
تسابقُ الرياض الزمن لطيّ هذا الملف للأبد، حتى وصل الأمر إلى تهديد المقرِّرة الأممية التي أعدّت تقرير إدانة ولي العهد، أغنيس كالامار، والتي أشارت في تصريحات لصحيفة “الغارديان” البريطانية أنها تلقّت تهديدات من مسؤول سعودي بارز خلال اجتماع في يناير/ كانون الثاني 2020 بين مسؤولين من السعودية والأمم المتحدة في جنيف، حيث قال لها إنه “سيتم الاهتمام بأمرها” إذا لم يتمَّ تحجيمها فيما يتعلق بتحقيقها في مقتل خاشقجي.
استوثقت الصحيفة من تصريحات كالامالار من خلال تأكيدات المتحدث باسم مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، روبرت كولفيل، والذي أكّد أن التفاصيل الواردة في قصة “الغارديان” عن التهديد الموجَّه إلى أغنيس كالامار دقيقة، مضيفًا أن مكتب حقوق الإنسان أبلغ كالامار وأمن الأمم المتحدة ومسؤوليها بالتهديد.
وفي السياق ذاته وظّفت المملكة نفوذها المالي والسياسي لتجنيد العديد من الساسة والنخبة في الولايات المتحدة للضغط على الإدارة الأمريكية لتبريد تعاطيها مع هذا الملف، الذي بات يمثّل صداعًا يؤرق مضاجع السلطة الحاكمة في المملكة طيلة السنوات الثلاث الأخيرة.
هذا بخلاف التعاقدات التي أبرمتها الرياض مع بعض شركات العلاقات العامة ومراكز الأبحاث والرأي العام لتجميل الصورة المشوَّهة، وتخفيف حالة الاحتقان الدولي حيال كواليس الجريمة التي أثارت حفيظة المجتمع الدولي والمتهمين بالشأن الحقوقي في كافة بقاع الأرض.
الصمت الأمريكي.. علامة استفهام
تعاني العدالة القضائية إزاء تلك القضية تحديدًا من شروخات غائرة في جدارها الهشّ، وهو ما تكشفه التطورات البطيئة التي شهدتها القضية منذ ارتفاع سقف الطموحات في القصاص إلى رفض محكمة إسطنبول إضافة معلومات تقرير الاستخبارات الأمريكية الأخير بشأن تلك الجريمة، كونه لا يقدِّم جديدًا حسبما أشارت الباحثة التركية خديجة جنكيز، خطيبة الصحفي المغدور به.
وكانت جنكيز قد كتبت عبر حسابها على تويتر في يوليو/ تموز الماضي: “أتمنى وأدعو أن تطبَّق العدالة”، وأضافت: “آخر تحديثات من إسطنبول: جلسة الاستماع قد انتهت، والقاضي رفض إضافة المعلومات من تقرير الاستخبارات الأمريكية مرة أخرى”.
وفي تغريدة سابقة لها قالت إن “ثمن هذا القتل ليس جمال فقط ولكن هذه جريمة قتل ضد الإنسانية، وهذا الجرم لا يمكن أن يُنسى أو يُغتفر”، وأضافت: “سأبذل قصارى جهدي وأفعل ما يمكنني فعله لأتأكد من أن العدالة تمَّ تطبيقها في هذه القضية”.
مع الذكرى الثالثة لمقتل خاشقجي، ربما تكون العدالة غائبة، والأجواء ملبّدة بغيوم التدليس والتسويف والمماطلة، وأحيانًا غضّ الطرف لحسابات ومصالح سياسية واقتصادية، لكن تبقى القضية في حدّ ذاتها شبحًا يطارد كل من تواطأ أو تخاذل.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن: لماذا تصمت إدارة بايدن عن اتخاذ موقف حازم إزاء المتورِّطين في تلك الجريمة بعد كل تلك الأدلة الموثَّقة، والتي كان آخرها تقرير الاستخبارات الأمريكية؟ غير أن الإجابة كشفَ عنها وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكين، حين أشار إلى أن بلاده تريد تغييرًا وليس “قطيعة” في العلاقات مع السعودية بعد نشر التقرير.
هذا الموقف السلبي أثار استنكار منظمة “فريدوم هاوس” الحقوقية ومقرّها واشنطن، حيث علقت قائلة إنه “من المخيّب للآمال أن الولايات المتحدة ما زالت غير مستعدّة بعد للتصرف بناء على معلوماتها الاستخباراتية” وفرض عقوبات على ولي العهد السعودي، فيما طالبت منظمة “هيومن رايتس فاونديشن” التي تتّخذ من نيويورك مقرًّا لها (قامت بإنتاج فيلم وثائقي عن مقتل خاشقجي بعنوان “المنشقّ”) بالعدالة لخاشقجي ولكل المعارضين السعوديين، وأضافت: “يجب على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فرض عقوبات بشكل عاجل على محمد بن سلمان نفسه”.
وقد علّقت الباحثة في معهد الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، فارشا كودوفايور، على تقاعس واشنطن عن فرض عقوبات بحقّ ولي العهد السعودي حتى اليوم، بقولها إن ما حدث يشير إلى أن “موقف بايدن بشكل عام حول السعودية هو وضع القِيَم في قلب السياسة الأمريكية الخارجية والتأكيد على حقوق الإنسان والتراجُع عن نهج المساومة في السنوات الأربع الأخيرة (في إدارة ترامب) – مع الحفاظ على العلاقة”.
أما الباحثة في معهد دول الخليج العربي في واشنطن، كريستين ديوان، ترى أن “فريق بايدن للسياسة الخارجية يتألف من خبراء متمرّسين وليسوا ساذجين لدرجة الاعتقاد بأنه يمكنهم تحقيق أهدافهم في الشرق الأوسط دون التعامل مع الدولة السعودية، التي لا تزال ممسكة بزمام النفط والأمن في الخليج حتى لو بطريقة أقل شمولية”.
وبعيدًا عن محاولة كودوفايور تجميل صورة بايدن والإيحاء بأنه يضع قِيَم بلاده، التي يفترض أن تنتصر للعدالة، في قلب السياسة الخارجية الأمريكية، إلا أن مبدأ المساومة الذي كان يتبعه ترامب مع الرياض هو المبدأ ذاته الذي ينتهجه بايدن وإن كان باستراتيجية مختلفة، فغضّ الطرف عن معاقبة المجرم الحقيقي بزعم الحفاظ على مكتسبات ما من الإبقاء على العلاقات معه، انهيار للعدالة في حد ذاتها، وتشويه للشعارات الزائفة التي يرفعها الديمقراطيون ليلًا نهارًا.
ومع الذكرى الثالثة لمقتل خاشقجي، ربما تكون العدالة غائبة، والأجواء ملبّدة بغيوم التدليس والتسويف والمماطلة، وأحيانًا غضّ الطرف لحسابات ومصالح سياسية واقتصادية، لكن تبقى القضية في حد ذاتها شبحًا يطارد كل من تواطأ أو تخاذل، وصداعًا مزمنًا في رأس ولي العهد وصبيانه، وستظل وصمة العار التي لا يستطيع الزمن ولا المال أن يُمحياها من الذاكرة الإنسانية.