باستخدام برامج إسرائيلية.. البحرين تتجسس على المعارضة والموالاة معًا

1198

ترجمة وتحرير: نون بوست

تفاجأ المحامي محمد التاجر عندما تلقى إشعارًا على هاتفه في تشرين الثاني/ نوفمبر  يحذره من أن هاتفه استُهدف من قبل دولة قومية. كان المحامي البحريني البالغ من العمر 55 سنة معروفًا بدفاعه “الصريح” عن قادة المعارضة والمتظاهرين بعد انتفاضة 2011 المؤيدة للديمقراطية في البحرين، عندما قمعت السلطات سلسلة من المظاهرات والاحتجاجات بعنف بمساعدة القوات السعودية.

لم يتورط هذا المحامي في قضايا حقوق الإنسان لمدة خمس سنوات، وفي المرة الأخيرة التي اعتُقل فيها هددته السلطات البحرينية بالسجن. وقد أظهر الفحص التقني لهاتف محمد التاجر من قبل باحثين في مختبر “سيتيزن لاب” بجامعة تورنتو أن هاتفه قد اختُرق عديد المرات في شهر أيلول/ سبتمبر 2021 من قبل أحد العملاء الحكوميين لمجموعة “إن إس أو” الإسرائيلية، المطورة لبرنامج التجسس “بيغاسوس”.

وفي تصريح له لـ “مجموعة الخليج لمراقبة الحريات والصحافة” غير الربحية التي تضم صحفيين ونشطاء يركزون على الأمن الرقمي وحرية التعبير في دول الخليج وعملت مع مختبر “سيتيزن لاب” في التحقيق الأخير، قال المحامي البحريني الذي لا يزال مقيمًا في البحرين: “كنت رئيسًا لمرصد البحرين لحقوق الإنسان، وكت ناشطًا في مجال حقوق الإنسان داخل البحرين أو مع الأمم المتحدة”.

وأضاف أن “أسوأ الأشياء وأكثرها ضررًا هو أن تشعر أنك لست آمنًا. وبدلًا من أن يكون هاتفك صديقًا لك، بات الآن عدوك. أنت لا تعرف ما هي المعلومات الخاصة، وما هي المعلومات التي اطلعت عليها الدولة بالفعل، هذا الأمر مؤلم”.

حدد تحقيق إعلامي منفصل تحت عنوان “مشروع بيغاسوس”، أجرته مجموعة من المؤسسات الإعلامية يضم صحيفة “الغارديان” وتنسقه منظمة “فوربيدن ستوريز” غير الربحية، أسماء 20 مسؤول بحريني مقربين من الحكومة وربما يكونون مستهدفين من قبل البرنامج. وتم التعرف على أرقام هواتفهم بمساعدة علي عبد الإمام من مجموعة الخليج لمراقبة الحريات والصحافة.

إدارة بايدن أضافت مجموعة “إن إس أو” إلى القائمة السوداء التابعة لوزارة التجارة السنة الماضية، مستشهدة بأدلة على أن الحكومات الأجنبية استخدمت التكنولوجيا التي تطورها “لاستهداف” العاملين بالسفارات والصحفيين والنشطاء

ظهرت أرقام الهواتف المحمولة – بما في ذلك أرقام الأشخاص المقربين من الأسرة الحاكمة في البحرين – على قاعدة بيانات مسربة يشير تحقيق “مشروع بيغاسوس” إلى أنها تضم أرقام هواتف الأفراد الذين حُددوا كأهداف محتملة من قبل عملاء المجموعة الإسرائيلية.

كان رقم هاتف مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية عمل سابقًا في البحرين موجودًا على قاعدة البيانات المسربة. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن الولايات المتحدة تدين المضايقات والمراقبة التعسفية أو غير القانونية للصحفيين أو نشطاء حقوق الإنسان أو غيرهم من منتقدي النظام.

وتابع المتحدث “بينما لا نناقش البروتوكولات أو الإجراءات أو القدرات الأمنية، يمكن القول إننا قلقون للغاية بشأن مخاطر التجسس المضاد والأمن التي تشكلها هذه الأنواع من برامج التجسس التجارية على موظفي الحكومة الأمريكية”.

يُذكر أن إدارة بايدن أضافت مجموعة “إن إس أو” إلى القائمة السوداء التابعة لوزارة التجارة السنة الماضية، مستشهدة بأدلة على أن الحكومات الأجنبية استخدمت التكنولوجيا التي تطورها “لاستهداف” العاملين بالسفارات والصحفيين والنشطاء وغيرهم بشكل ضار.

في حين أن ظهور رقم الهاتف المحمول لشخص ما ليس دليلا على تعرض هاتفه للاختراق، نشر تحقيق “مشروع بيغاسوس” سابقًا قصصًا عن ظهور أرقام عشرات الأفراد – بمن فيهم صحفيون ونشطاء حقوقيون – على القائمة والذين استُهدفت هواتفهم أو اختُرقت من قبل عملاء مجموعة “إن إس أو”، وذلك وفقا لباحثين أمنيين في منظمة العفو الدولية قاموا بفحص الأجهزة.

ومن بين الأفراد الذين يُحتمل أنهم رُشّحوا للاستهداف من قبل برامج التجسس، 20 نائبًا من مجلس النواب البحريني ورئيسة مجلس النواب فوزية زينل المُعنية من قبل الملك وأحمد صباح السلوم النائب في البرلمان والعضو في المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، وهي منظمة تمولها حكومة البحرين.

حدد تحقيق “مشروع بيغاسوس” أيضًا أرقام اثنين من أفراد العائلة المالكة المدرجين في قاعدة البيانات المسربة، بما في ذلك خالد بن أحمد آل خليفة، وزير الخارجية السابق. وقد رفض الأفراد التعليق على ظهور أرقامهم في هذه القائمة.

وقال متحدث باسم مجموعة “إن إس أو” إن “إساءة استخدام أجهزة الاستخبارات الإلكترونية مسألة خطيرة ويجب التحقيق في جميع الادعاءات الموثوقة. إن استمرار الإبلاغ عن مزاعم لا أساس لها من قبل مصادر غير مطلعة هو أمر مؤسف وباطل”.

هاتف المحامي محمد التاجر قد اختُرق باستخدام برنامج التجسس “بيغاسوس” بعد أسبوع واحد فقط من صدور تقرير سابق عن المختبر في تورنتو يشرح تفاصيل تسع حالات أخرى لنشطاء بحرينيين استُهدفوا ببرامج تجسس

قال خبراء أمنيون إن سلسلة الاكتشافات ترسم صورة لدولة تبدو مستعدة لاستخدام تكنولوجيا المراقبة ضد أعدائها وأصدقائها على حد سواء. عند النجاح في استهداف أحد الأهداف باستخدام برنامج “بيغاسوس” للتجسس، يمكن التسلل إلى الهاتف المحمول مما يمنح مستخدم برنامج التجسس وصولا كاملا إلى المكالمات الهاتفية والرسائل النصية والرسائل المشفرة والصور. كما يمكنه تتبع موقع مستخدم الهاتف المحمول وتحويل الهاتف إلى جهاز استماع عن بعد.

حسب بيل ماركزاك، الباحث البارز في مختبر “سيتيزن لاب” فإن “الوضع في البحرين لا يزال قمعيا إلى حد كبير. فمنذ سنة 2011، حرصت البحرين على تصفية المؤسسات التي تساعد الناس على التنظيم. ولا توجد مساحة للمعارضة أو ممارسة النشاط السياسي، وتساعد برامج التجسس في مزيد ترسيخ هذا الوضع. إنهم قادرون على مراقبة ما يجري حتى عندما تكون بمفردك، وبذلك يمكنهم التأكد من عدم وجود أي شيء يتخمّر على انفراد”.

من جانبها، قالت مجموعة “إن إس أو” إن عملاءها الحكوميين يسعون فقط إلى استخدام برامج التجسس “بيغاسوس” لاستهداف المجرمين الخطرين والإرهابيين. ونفت الشركة بشدة أن تكون قاعدة البيانات المسربة على صلة بالشركة الإسرائيلية وقالت إن أرقام الهواتف الواردة في القائمة ليست أهدافًا لعملاء مجموعة “إن إس أو”. ولم ترد سفارة البحرين في واشنطن على طلب التعليق.

وجد تحليل أجراه مختبر “سيتيزن لاب” أن هاتف المحامي محمد التاجر قد اختُرق باستخدام برنامج التجسس “بيغاسوس” بعد أسبوع واحد فقط من صدور تقرير سابق عن المختبر في تورنتو يشرح تفاصيل تسع حالات أخرى لنشطاء بحرينيين استُهدفوا ببرامج تجسس. كما اكتشف الباحثون تعرض أحد الصحفيين، لم يذكروا اسمه، لهجوم باستخدام برنامج التجسس التابع لمجموعة “إن إس أو”.

حيال هذا الشأن، قال سيد أحمد الوداعي، مدير معهد البحرين للحقوق والديمقراطية في المملكة المتحدة، إن البحرين شهدت عقدا من “القمع المنهجي” منذ أحداث 2011. وأضاف الوداعي أن الحكومة تسعى إلى إخضاع جميع النشطاء والفاعلين السياسيين “لسيطرتها” لضمان عدم حدوث أي انتفاضات أخرى، مشيرا إلى أنه ​​”يعتقد أن هذا هو الواقع الجديد حقًا، أي أنهم يريدون التأكد من أن هذا لن يتكرر مرة أخرى”.

المصدر: الغارديان