سبق أن أشرنا في تقرير سابق لـ“نون بوست” إلى وجود مؤشرات لتهيئة الشعب التونسي للقبول بتطبيع قادم على مهل مع كيان الاحتلال الصهيوني، الأمر الذي أكّدته تقارير صحفية إسرائيلية، إذ أشارت وسائل إعلام إلى وجود رغبة تونسية في الدخول بعلاقات دبلوماسية مع الكيان الإسرائيلي.. فما حقيقة هذه الاتصالات؟ وهل تنكّر سعيّد لمقولته الشهيرة “التطبيع خيانة كبرى”؟
اتصالات مع الإسرائيليين
تحدّثت الصحف الإسرائيلية مجددًا عن وجود رغبة تونسية للتطبيع، إذ أشارت صحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية إلى أن الرئيس قيس سعيّد أوعزَ بتسهيل زيارات الإسرائيليين إلى بلاده، لكن المعارضة في الداخل حالت دون رغبته في المضيّ بمساعي التطبيع مع “إسرائيل”.
وأوضحت الصحيفة الإسرائيلية عن مصادر وصفتها بالمطّلعة أن “هناك اتصالات دبلوماسية بين “إسرائيل” وتونس بشأن تقارب محتمَل بينهما”، وأشارت إلى أنه “كان لـ”إسرائيل” وتونس علاقات دبلوماسية في الماضي، وافتتح البَلدان مكاتب تمثيل دبلوماسي في كل من تونس وتل أبيب عام 1996، بعد التوقيع على اتفاق أوسلو، إلا أن هذه المكاتب أُغلقت فور اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000″.
ولفتت الصحيفة إلى أن “رئيسة الاتحاد العالمي ليهود تونس في “إسرائيل”، ميريام غاز أفيغال، قد أوضحت أنه رغم إغلاق هذه المكاتب، بإمكان الإسرائيليين دخول تونس بجواز سفر إسرائيلي، وإن كان بشكل محدود”.
يعارض نظام تبون تطبيع تونس مع الإسرائيليين، كون بلاده لا تريد أن يحاصرها كيان الاحتلال الصهيوني من الشرق أيضًا
أشارَ مسؤولون إسرائيليون إلى وجود اتصالات مع عدة دول عربية إضافية استمرارًا للاتفاقيات الإبراهيمية، ووصفوا هذه الاتصالات بالهادئة والتي تُجرى وراء الكواليس، لكن ليس من الضروري أن تؤدّي إلى اتفاقيات كاملة مثل الاتفاقيات المنعقدة مع الإمارات والبحرين.
كما سبق أن رشّح وزراء في حكومة الاحتلال أن تنضمَّ تونس في وقت قريب إلى “حظيرة التطبيع” والرباعي العربي، ونقصد الإمارات والمغرب والسودان والبحرين، الذي أعلنَ عن تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع كيان الاحتلال قبل سنة ونصف من الآن.
ترافقَ الحديث الإسرائيلي عن عملية تطبيع جديدة مع قول وزير الخارجية التونسي الأسبق، أحمد ونيّس، إن بلاده لا تعتبر “إسرائيل” عدوًّا لها، كما قال حينها: “تونس كانت أول دولة عربية في التاريخ اعتبرت أن أنسب وأسلم السياسات العربية هي التفاوض مع “إسرائيل” على أساس قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة.”
مؤشرات قوية على قُرب التطبيع
سارعت الخارجية التونسية إلى نفي وجود أي محادثات دبلوماسية مع “إسرائيل”، معتبرةً الأنباء المتداولة بشأن ذلك “إشاعات تبثّها مواقع تابعة للكيان الإسرائيلي المحتل”، وأضافت أن تلك “المواقع دأبت على نشر هذه الإشاعات في محاولات متكررة للمسّ من صورة بلادنا وموقفها الثابت الداعم للحقّ الفلسطيني غير القابل للتصرف والسقوط بالتقادم”.
وأردفت الخارجية: “تونس غير معنيّة بإرساء علاقات دبلوماسية مع كيان محتل وستظل رسميًّا وشعبيًّا (..) سندًا للأشقاء الفلسطينيين في نضالهم إلى حين استرداد حقوقهم المشروعة، وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف”.
من اجل ترسيخ الانقلاب ونكالة بالشعب المسلم ولاستعباده بارهاب الحديد والنار و محاكم التفتيش الاسبانية يلهثون وراء تطبيع مع الكيان لارضاء راعي البقر ليفك عنهم الحصار.#يسقط_الانقلاب_في_تونس pic.twitter.com/6kSW0ApavP
— عبد الستار فرح (@errabii) June 9, 2022
لا يعكس هذا النفي الرسمي الحقيقة على أرض الواقع، فالتطبيع حاصل لكن في انتظار الإعلان الرسمي فقط ومؤشرات ذلك كثيرة، إذ سمحت تونس في عهد قيس سعيّد بتنظيم رحلات مباشرة من مطار بن غوريون الدولي إلى مطار قرطاج الدولي، وسمحت بدخول إسرائيليين إلى تونس بجوزات سفر إسرائيلية.
من مؤشرات التطبيع أيضًا جلوس وزير الدفاع التونسي إلى الطاولة نفسها مع نظيره الإسرائيلي، رغم أن التطبيع عند قيس سعيّد خيانة عظمى، كما تفهّمت تونس تطبيع الدول العربية وقالت إن ذلك وجهة نظر وشأنًا داخليًّا بينما قبل ذلك كان خيانة.
دولة عربية جديدة تجري محادثات تطبيع مع الكيان.
الحديث عن تونس
— Hanzala (@Hanzpal2) June 8, 2022
فضلًا عن ذلك، سمح سعيّد الذي يحكم قبضته على تونس بارتفاع التبادلات التجارية مع كيان الاحتلال، إذ وصلَ حجم التطبيع الاقتصادي بين تونس و”إسرائيل” إلى ذروته، فبلغت قيمة البضائع التي صدّرتها تونس إلى كيان الاحتلال 18.248 مليون دولار، ما يقارب 49.5 مليون دينار تونسي، لعام 2020 وحده، بحسب الإحصاءات التي حصلنا عليها من قاعدة بيانات منظمة الأمم المتحدة.
كما يُفهَم من عدم سنّ قيس سعيّد لقانون يجرِّم أو يعاقب تطبيع العلاقات السياسية أو الاقتصادية مع تل أبيب، رغم وجود كل الظروف المواتية لذلك، وجود رغبة لديه في ترك الباب مفتوحًا أمام كل التطورات التي يمكن أن تحصل في البلاد، وحتى لا يكون في حرج أكبر إن قَبِلَ التطبيع.
إسلاميّو تونس
توجد بعض العقبات أمام سعيّد لإعلان التطبيع الرسمي، منها رفض إسلاميي تونس وتحديدًا حركة النهضة للتطبيع، ويعلم سعيّد أن اتخاذ مثل هذه الخطوة في الوقت الحالي سيسبِّب له إحراجًا شعبيًّا وسيُستَغل الأمر ضدّه، خاصة مع تنامي الغضب الشعبي الرافض لسياساته.
يبقى الشعب التونسي صمّام الأمان أمام أي محاولة تطبيع رسمية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي
دائمًا ما تؤكد حركة النهضة التونسية وقوفها مع القضية الفلسطينية، ويذكر الفلسطينيون زيارة وفد حكومي لقطاع غزة المحاصر مباشرة إثر الثورة، وضمَّ الوفد حينها وزراء تابعين للنهضة التي كانت تقود الائتلاف الحاكم في ذلك الوقت.
ورغم اتِّهام النهضة بتعمُّد تأجيل النظر في مشروع قانون تجريم التطبيع خلال فعاليات المجلس التأسيسي، ورفضها إدراج ذلك في الدستور، فإنها أثبتت في العديد من المحطات وقوفها إلى جانب الفلسطينيين، وقدرتها الكبيرة على تحريك الشارع لمناصرة القضية الفلسطينية.
معارضة الجزائر
إلى جانب إسلاميي تونس، يعارض نظام عبد المجيد تبون أي خطوة تونسية نحو التطبيع، وتقرُّ الصحف الإسرائيلية بوجود رغبة إسرائيلية في توسعة دائرة دول الجوار، لكن يوجد عداء واضح من الجزائر تجاه تل أبيب، ورفض جزائري لمثل هذه الخطوة.
يعارض نظام تبون تطبيع تونس مع الإسرائيليين، كون بلاده لا تريد أن يحاصرها كيان الاحتلال الصهيوني من الشرق أيضًا، بعد أن وضع قدمه في الحدود الغربية للبلاد بعد تطبيعه مع المغرب في ديسمبر/ كانون الأول 2020.
وتعمل الجزائر على الضغط أكثر على الرئيس التونسي حتى يعدل عن موقفه من التطبيع ويرجع إلى سالف عهده، فقبل توليه الرئاسة قال سعيّد إن “التطبيع خيانة عظمى.. ما يحدث في فلسطين هو مظلمة القرن.. الحق الفلسطيني لا يسقط بالتقادم ومن يكون له علاقة مع الكيان الصهيوني هو خائن”.
بعضكم يتسائل عن الموقف الجزائري و اسباب الرصاصة الاخيرة التي اطلقها تبون على المتملق المنافق المحتال..
.. الاف الصهاينة دخلوا تونس في تطبيع علني غير مشروط و تحت حماية كل مؤسسات الدولة .. فبربكم من يضمن حماية حدود الجزائر من اختراق الاف المستعربين الارهابيين مثلا ؟ #التطبيع pic.twitter.com/scN72JJIgm— ?? نبيل التونسي (@Nabilettounsi) May 26, 2022
تنظر “إسرائيل” بعين القلق إلى النظام الجزائري، إذ يمثّل حاجزًا صلبًا أمامها لاستكمال عملية التطبيع مع تونس، رغم بعض مساعي الرئيس قيس سعيّد للتقرُّب من الصهاينة لتخفيف الضغط عنه، كما عملت الجزائر على التضييق على الإسرائيليين في أفريقيا ووقفت أمام انضمام كيان الاحتلال إلى الاتحاد الأفريقي.
وتضغط الجزائر حاليًّا على النظام التونسي حتى لا ينساق مع الوعود الإسرائيلية وبعض الدول العربية والغربية التي تسوِّق للتطبيع، وهو ما فهمناه من تغيُّر لهجة تبون ممّا يحصل في تونس، وأيضًا تواصُل غلق الحدود البرّية الجزائرية مع تونس والتلكُّؤ في الاستجابة لمطالب تونس برفع إمدادات الغاز إليها.
يدرك نظام قيس سعيّد ضرورة وقوف نظام تبون إلى جانبه في الوقت الحالي حتى يواصل حكمه بعد تنامي الغضب الشعبي ضدّه، لذلك من المستبعَد أن يُبادر إلى القيام بخطوات تغضب الجزائر على المدى القصير، لكن يبقى التطبيع خيارًا متاحًا لسعيّد للخروج من عزلته الخارجية وشرعنة سطوته على السلطة.
مع ذلك يبقى الشعب التونسي صمّام الأمان أمام أي محاولة تطبيع رسمية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، حيث أثبت التونسيون وقوفهم إلى جانب القضية الفلسطينية، بدءًا من التحاقهم بصفوف المقاومة وصولًا إلى تقديم شهداء للقضية مرورًا باحتضان قادة منظمة التحرير.