اختار مئات الأفارقة التوجه نحو المغرب وتصيّد الفرصة لتجاوز السياج الفاصل بين الأراضي المغربية والأراضي الإسبانية للدخول لأوروبا وتحقيق حلمهم المشهود، تعدّدت فرص الدخول في أثناء الأزمة المغربية الإسبانية، فالجانب المغربي كان يعمل بمبدأ عين ترى وأخرى مغمضة.
لكن ما إن عادت العلاقات الإسبانية المغربية إلى طبيعتها وحققت المملكة المغربية بعض مطالبها على رأسها الاعتراف الإسباني بوجاهة الطرح المغربي بشأن الصحراء الغربية، حتى تغير الحال مع المهاجرين غير النظاميين، فالمعاملة لم تعد كالسابق ومحاولات اجتياز الحاجز الحديدي لم تعد بتلك السهولة، إذ يبدو أن المغرب غير طريقة تعامله مع الهجرة في الوقت الحاليّ لتتلاءم مع التطورات الأخيرة.
عشرات القتلى
نهاية الأسبوع الماضي، شهد السياج الحدودي الفاصل بين إسبانيا والمغرب “فاجعة”، حيث لقي 37 مهاجرًا غير نظامي حتفهم في اقتحام مدينة مليلية الخاضعة للإدارة الإسبانية، وفق آخر الإحصائيات لمنظمة “كاميناندو فرونتيراس” الإسبانية (غير حكومية).
وأوضحت هيلينا مالينو المتحدثة باسم المنظمة في تصريح عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الأحد، أنه ما زال هناك إصابات خطيرة بين المهاجرين، وأن عدد القتلى مرشح للارتفاع بشكل كبير، وقالت مالينو: “نؤكد أن 37 شخصًا لقوا حتفهم في مأساة مليلية. هذه ليست الحصيلة النهائية، العدد مرجح للزيادة”.
من جهته قال المكلف بملف الهجرة في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالناظور، عمر ناجي: “عدد ضحايا هذه المأساة غير المسبوقة من نوعها في الناظور وفي المغرب عامة مرشح للارتفاع في ظل العنف الذي طبع المواجهات بين المهاجرين وقوات الأمن”.
Scenes horribles a #mellila au nord du #Maroc
Des africains au sol violentés, inconscients, pas de secours médical, il y’a eu des morts ? Des blessés ?
Insupportable à voir https://t.co/BJCVFWULqF
— XM (@XMowatin) June 24, 2022
أظهرت مقاطع فيديو نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، يوم الجمعة، مواجهات بين الأمن المغربي وأعداد كبيرة من المهاجرين – قدّرهم الإسبان بنحو 2000 شخص – تحاول عبور المنطقة الحدودية لتسلق السياج الحديدي، وأعلنت سلطات مليلية فيما بعد أن 130 مهاجرًا على الأقل تمكنوا من دخول المدينة عبر الحدود وهي عبارة عن سياجين متوازيين بارتفاع ستة أمتار.
بالتزامن مع ذلك، نشرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان صورة تظهر السلطات المغربية وهي تحفر نحو 20 قبرًا، تقول المنظمة إنها مخصصة للمهاجرين الذين لقوا حتفهم في أثناء الفوضى على الحدود، وطالبت الجمعية بعدم دفن الجثث “دون تحقيق”.
في المقابل قالت السلطات المغربية إن 140 من أفرادها أصيبوا خلال تصديهم لمحاولة العبور، بينهم 5 إصابات خطيرة، وفقًا للسلطات، وبرر بيان للسلطات المحلية المغربية وقوع الضحايا في صفوف المهاجرين غير النظاميين باستخدامهم “أساليب جد عنيفة”.
“عنف” مغربي
تحدث بعض المهاجرين عن تفاصيل ما حدث لهم في مليلية لوكالة فرانس برس، وأكّدوا تعرضهم للضرب على أيدي قوات الأمن المغربية وكذلك على أيدي أفراد من قوات الأمن الإسبانية بعد عبورهم السياج الحديدي الفاصل بين مليلية والمغرب.
بدورها قالت السلطات المغربية إن المهاجرين هم من بادروا بالعنف رغم محاولات الشرطة التصدي لهم بالطرق السلمية، وتقول السلطات إن المهاجرين اقتحموا السياج باستخدام العصي والقاء الحجارة على حراس الأمن الذين استخدموا الغاز المسيل للدموع في محاولة لتفريقهم.
? فيديو | مشاهد توثق واقعة اقتحام مهاجرين لسياج مليلية 24.06.2022 pic.twitter.com/KPjcg5GHbX
— Le360 – العربية (@Le360ar) June 27, 2022
في إحدى مراحل الاقتحام، انهار جزء من السياج جراء محاولة مجموعة كبيرة التسلق فوقه ليسقط العديد منهم من ارتفاع عدة أمتار، وأرجع مصدر رسمي سبب التدافع إلى تزاحم المهاجرين لدى محاولتهم اقتحام بوابة ضيقة للغاية عند المعبر الحدودي.
وأصبحت مليلية إلى جانب سبتة التي تعد هي الأخرى جيبًا آخر متنازع عليه على الساحل الشمالي لإفريقيا، نقطتي عبور معروفتين للمهاجرين غير النظاميين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، طمعًا في الوصول إلى أوروبا، ويشكل جيبا مليلية وسبتة الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع القارة الإفريقية ويشهدان بانتظام محاولات دخول مهاجرين يريدون الوصول إلى أوروبا.
إشادة إسبانية بـ”العنف” المغربي
في الوقت الذي سارعت فيه العديد من الدول والمنظمات الحقوقية الإقليمية والدولية إلى استنكار “المعاملة العنيفة والمهينة للمهاجرين الأفارقة الذين كانوا يحاولون عبور حدود دولية بين المغرب وإسبانيا” والدعوة إلى التحقيق الجدّي في حيثيات ما حصل.
لم ينظر الإسبان إلى حجم الكارثة التي حصلت ولا إلى عدد الضحايا الذين سقطوا، بل سارعوا إلى التعبير عن تأييدهم للتعامل الأمني المغربي مع المهاجرين غير النظاميين.
المتحدثة باسم الحكومة الإسبانية إيزابيل رودريغيز، قالت إن بلادها “تشكر السلطات المغربية على تعاونها في الدفاع عن حدودنا”، وإنّ مدريد “تأسف بشدة للخسارة في الأرواح البشرية”، مزيحة الحِمل الأخلاقي والقانوني للمأساة عن كاهل الرباط ومحملة مسؤولية الوفيات إلى ما أسمته “المافيا الدولية المتورطة في الاتجار بالبشر”.
أخبار التصريحات-بروكسيل(بلجيكا)”اعلن تضامني مع القوات العمومية المغربية” تصريح لبيدرو سانشيز رئيس الحكومةالإسبانية على إثر إصابتهم خلال اشتباكات عنيفة مع مهاجرين غير القانونيين المنحدرين من بلدان افريقيا جنوب الصحراء قرب السياج الحديدي بين مدينتي الناظور و مليلية المغربية المحتلة pic.twitter.com/z6Q45Bdcrf
— أخبار بلادي-مع هشام (@akhbarbladie) June 24, 2022
وترى السلطات الإسبانية هذه الحادثة خير دليل على “الصداقة” المغربية والتحول الحاصل في تعامل المغاربة مع مسألة الهجرة غير النظامية منذ عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قبل أشهر قليلة بعد توتر دام فترة مهمة.
يذكر أن القانون الدولي يجبر الدول على معاملة جميع المهاجرين بكرامة ووضع سلامتهم وحقوقهم الإنسانية في المقام الأول، مع الحد من أي استخدام مفرط للقوة، لكن يبدو أن هذه القوانين لم تصل بعد للمغاربة والإسبان.
تغير سياسة المغرب بخصوص الهجرة
قبل أشهر قليلة، لم تكن هناك إشادة إسبانية بل كان هناك استنكار ووعيد، ذلك أن المغرب رفع الحراسة في أكثر من مرة على الحدود وسمح بتدفق آلاف المهاجرين غير النظاميين المغاربة والقادمين من الشرق الأوسط وإفريقيا جنوب الصحراء نحو الأراضي الإسبانية، دون أن يعترضهم بدعوة أن إسبانيا لم تلتزم بحسن الجوار.
في مايو/أيار 2021، عبر أكثر من 10 آلاف مهاجر غير نظامي في غضون 24 ساعة إلى جيب سبتة مع تراخي الجانب المغربي في عمليات التدقيق الحدودية، وشهدت مليلية أيضًا محاولات دخول كثيفة ضمت أكبرها على الإطلاق 2500 مهاجر، وقد تمكن 500 منهم الدخول إلى إسبانيا.
جريمة إنسانية ومجزرة بشعة قام بها نظام #المخزن_المغربي ?? بمساعدة حكومة #سانشيز في #مليلية المحتلة في حق مهاجرين أفارقة .
شاهد كيف تعاملت معهم #الشرطة_المغربية بالاعتداء عليهم بالضرب حتى الموت . #محمد_السادس_إختفى #الجزائر pic.twitter.com/tgrlKrnxbU— الجـ?ـزائر المحــ??ـروسـة (@aljazairDz96) June 25, 2022
في ذلك الوقت أحسن المغرب استغلال ورقة الهجرة غير النظامية للضغط على الإسبان، وما إن تمكن من فرض شروطه ورؤيته لمجريات الأحداث والقضايا، حتى غيّر سياسته ورجع للسابق ومرحلة “كلب الحراسة” و”التلميذ النجيب” الذي يحسن الإصغاء للإملاءات الأوروبية.
تأكد الإسبان من قدرة المغرب في استغلال ورقة الهجرة للضغط عليها، لذلك وافقت على بعض شروطه وسايرته في بعض القضايا رغم أنها أزعجت الجزائر في المقابل، لكن السيطرة على مسار الهجرة كفيل بتقديم التنازلات.
هذه الحادثة لن تكون الأخيرة، فالمهاجرون غير النظاميين لن يكفوا عن محاولة اقتحام الحدود والوصول إلى الأراضي الأوروبية، والسلطات المغربية لن تسمح لهم بتجاوز السياج الحدودي مهما كلّف الأمر، حتى إن سقط العشرات منهم قتلى.