“تنتظركم أيام زي الزفت”.. لماذا يُرهب السيسي المصريين مجددًا؟

السيسي مع الإعلاميين

“خوف الناس من المستقبل يسبب لهم قلق والقلق بيخلق الاستعداد لتقبل الإيحاء، وفي ظل الإيحاء الناس بتصدق أي حاجة، دا ممكن يسمع بودانه ويشوف بعينيه حاجات ملهاش أي وجود”، بهذه الكلمات الفلسفية العميقة نقل الكاتب والسيناريست محمود أبو زيد، على لسان العبقري أحمد زكي، في فيلم “البيضة والحجر” إنتاج 1990، تأثير الخوف على الناس في تمرير ما لا يمكن تمريره في الظروف الطبيعية، ودفعهم نحو تصديق ما يُحال تصديقه في الأجواء المغايرة التي لا يوجد بها خوف أو قلق من المستقبل.

وبعد أكثر من 3 عقود كاملة على هذا الفيلم السينمائي الرائع، تحيا مصر الأجواء ذاتها التي خلقها العمل حيث تصدير الخوف والقلق للناس بشأن ما هو قادم، ورغم أن القلق أصبح ظاهرة عالمية في ضوء الأزمات التي تعاني منها جميع الدول بلا استثناء بسبب الحرب الروسية الأوكرانية وتداعيات جائحة كورونا، لكن الوضع في المحروسة يسير بخطوات متسارعة مقارنة بالدول الأخرى.

الأيام القليلة الماضية شهدت حملة تخويف إعلامية غير مسبوقة، قادها المقربون من النظام الحاليّ، حيث تبني خطاب إعلامي سوداوي بشأن مستقبل البلاد، والتحذير مما هو قادم دون تقديم حلول أو مناقشات جادة تبحث عن المخرج، وهو عكس مسار عقارب السلطة الحاليّة التي تسير في الغالب نحو رسم الصورة الوردية وأن كل شيء تحت السيطرة وأن مصر البلد الوحيد في العالم الذي يتمتع بالاستقرار دون أي مؤثرات خارجية، وهو التناقض الذي أثار الشكوك ودفع للتساؤل: لماذا الآن تتصاعد تلك الحملة؟ وما الدافع الرئيسي وراء تخويف الناس بهذه الطريقة التي يفقدون معها السيطرة على توازنهم في قراءة المشهد بواقعية بحيث تكون الأمور متاحة لتقبل أي شيء وعلى أي مستوى دون رد فعل مواز؟

حملة تخويف ممنهجة

على مدار عامين كاملين تحت وطأة جائحة كورونا، وخلال الأشهر الثلاث الأولى من الحرب الروسية التي نشبت في فبراير/شباط الماضي، كان النظام المصري حريصًا على إبداء صورة التماسك والاستعداد الكامل لامتصاص الصدمات كافة وتحمل تبعاتها، إذ طالما تفاخر الرئيس عبد الفتاح السيسي ووزراء حكومته بأن الأمور مستقرة وأن السوق لم يتعرض لأي هزة مقارنة بالدول الأخرى.

لكن منذ بداية يونيو/حزيران الحاليّ تغيرت قواعد اللعبة، تحول مفاجئ في الخطاب الإعلامي، من التفاؤل إلى اليأس، من تصدير الصورة الإيجابية إلى رسم مستقبل متشائم، من طمأنة الناس إلى تخويفهم مما هو قادم، تغيرات جذرية قلبت الطاولة، خاصة أنها جاءت على ألسنة أكثر الإعلاميين قربًا من النظام، بل من الرئيس نفسه.

في 3 يونيو/حزيران الماضي فوجئ المصريون بتصريحات غير معهودة للإعلامي عمرو أديب خلال برنامجه “الحكاية” المذاع على قناة “إم بي سي مصر” السعودية، قال فيها نصًا: “محدش يطمن يا جماعة اللي جاي صعب، والدنيا منيلة بستين نيلة فيه غلاء جاي ومعاه كمان ركود، والأيام المقبلة ستشهد موجة جديدة في ارتفاع الأسعار”، وتابع “وإحنا من هنا عايزين ننتقل من حالة طمأنة للناس وإعلامهم بالواقع وأن الأمر ليس سهلًا وأن القادم ليس بسيطًا”.

وانتقد أديب الذي أجرى السيسي معه أكثر من مداخلة هاتفية خلال الآونة الأخيرة، ما أسماه “خطاب الطمأنة” الذي تتبناه الدولة، منوهًا أنه ليس “خطاب الأزمة” المفترض أن يكون في ظل تلك الظروف، مضيفًا “وأنا عايز الناس تقلق والأسعار هتنط مرة واتنين وتلاتة وأربعة وهذا التضخم جايلنا من العالم من الخارج، وأنا أتوقع حدوث زيادات في الأسعار ويارب أكون غلط ويعطوا في السوبرماركت فرخة فوق الفرخة”.

وبعد تسعة أيام فقط على تلك التصريحات التي أثارت البلبلة لدى قطاع كبير من المصريين، جاء الإعلامي أحمد موسى بتصريحات أكثر كارثية وسوداوية، حين قال في حلقة 12 يونيو/حزيران من برنامجه “على مسئوليتي” المذاع على قناة “صدى البلد” المملوكة لرجل الأعمال وعضو البرلمان محمد أبو العينين: “لازم الناس تبقى مصحصحة، لأن فيه لمبة حمراء قادمة، وأحد المسؤولين الكبار في دولة كبرى قال لي إننا رايحين على 60% زيادة في الأسعار تقريبًا في السلع الأساسية ومفيش بوادر بخروج قمح من روسيا وأوكرانيا”.

ومن 60% زيادة متوقعة في الأسعار بحسب تحذيرات موسى إلى أكثر من 500% بعد قرابة 10 أيام فقط على التصريح الأول، ففي حلقة 22 يونيو/حزيران أكد الإعلامي المقرب من النظام أن “الأسعار سترتفع حول العالم 5 أضعاف المقررة الآن، ما يحدث في مصر تسوماني وليس انفجارًا سكانيًا، محدش عايز يسمع محدش عايز يواجه”، مردفًا “الزيادة السكانية ستلتهم المشروعات التنموية، مينفعش نقارن الأوضاع الأخرى ببلد فيها انفجار سكاني”.

يبدو أن الرسالة لم تحقق أهدافها بعد، فانتقل التخويف من مسار الإعلاميين المعروفة ميولهم مسبقًا والمشكك في مهنيتهم إلى خبراء الاقتصاد بوصفهم الأكثر مصداقية لدى رجل الشارع، حيث حل خبير الاقتصاد المعروف، هاني توفيق، ضيفًا على برنامج عمرو أديب في الثاني من الشهر الحاليّ، وشهد اللقاء حزمة تصريحات أحدثت حالة من الهلع.

الخبير استعرض أبرز ملامح الأزمة التي تحياها مصر في الآونة الأخيرة، أبرزها الخطأ الكارثي الذي وقعت فيه حين مولت مشروعات طويلة الأجل بديون قصيرة الأجل، ما تسبب في أن أصبحت ثاني أكبر عجز موازنة في العالم، لتصل حجم مديونياتها إلى 150 مليار دولار بحسب توفيق.

وحمّل كذلك السياسات الاقتصادية الحاليّة مسؤولية خروج المال السائل من السوق وانخفاض إيرادات الضرائب بعدما نجح الاقتصاد الموازي في الإفلات من الرقابة، منوهًا أن 100% من إيرادات الدولة مخصصة لسداد الدين، فيما يتم الإنفاق على التعليم والصحة والطعام وكل الخدمات الأخرى بديون جديدة، وهو ما أدى في النهاية إلى أن تحولت مصر من مستقرة إلى سلبية، ما يصعب معه الاقتراض من الخارج مرة أخرى.

حين تخرج مثل تلك التصريحات الصادمة من شخصية متمرسة في الاقتصاد لعشرات السنين، بجانب أنه على صلة وثيقة بدوائر صنع القرار في البلاد، كونه شقيق وزير قطاع الأعمال في الحكومة الحاليّة، هشام توفيق، فإن الأمر لا بد أن يؤخذ على محمل الجدية هذه المرة، ورغم أن ما قاله هاني ليس جديدًا لكن توقيته واختيار شخصية بتلك المواصفات لتصديره للناس أثار الكثير من التساؤلات بشأن ما يمهد له خلال المرحلة المقبلة.

سياق آخر لا يقل أهمية

استبقت حملة التخويف تلك، دعوة أطلقها السيسي لإجراء حوار وطني يهدف لوضع روشتة علاجية للخروج من المأزق الحاليّ، الدعوة قوبلت باحتفاء وحفاوة كبيرة من أنصار النظام وبعض القوى السياسية الداعمة له، ممن اعتبروها قراءةً واقعيةً للمشهد بتفاصيله وتغيرًا واضحًا في السياسات العامة بهدف بلورة موقف داخلي موحد في مواجهة الأزمات.

ورأى البعض أن الحوار المدعو له والمقرر أن تنطلق أولى فعالياته الثلاثاء 5 يوليو/تموز الحاليّ، يمثل نقلة كبيرة في المسار الوطني الداخلي بما يعيد تقويمه وتقييمه في آن واحد، لكن جاءت التفاصيل على عكس الهوى المأمول، حيث وكل الأمر إلى “أكاديمية التدريب الوطني” وهي أحد الكيانات التابعة لرئاسة الجمهورية التي مارست سياسة إقصائية عنصرية في اختياراتها بشأن المشاركين في الحوار.

رئيس حزب الإصلاح والتنمية وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، محمد أنور السادات، في بيان له أعلن استبعاده وسياسيين آخرين من المشاركة في تلك الفعاليات، لافتًا إلى أن استبعاده – الذي كان بسبب معارضته للنظام في كثير من المواقف على حد قوله – وحظر ظهوره وآخرين في وسائل الإعلام يُعتبر “بداية غير مشجعة وغير موفقة” للحوار.

الموقف تكشف أكثر مع تصريحات السيسي أمس حين أشار إلى أن كل من كانوا في السلطة قبل 3 يوليو/تموز 2013 مستبعدين من الحوار، في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين وتيار الإسلام السياسي برمته بجانب بعض التيارات المدنية التي كانت في السلطة وقتها، بخلاف الرموز السياسية التي عارضت سياسات دولة الثالث من يوليو التي كانت في السابق أحد أركان التيار المدني، كالدكتور محمد البرداعي والأديب علاء الأسواني والسياسي أيمن نور.

وبعد الاستبعادات الأخيرة والإقصاءات الرسمية لم يتبق من القوى المشاركة في الحوار إلا تلك المؤيدة للسيسي بطبيعة الحال، الأحزاب الكرتونية وشريحة الأقباط، بجانب بعض الخصوم التاريخيين للإسلاميين من ليبراليين وعلمانيين ويساريين، وهي التيارات التي لم تختلف يومًا مع النظام، بل على العكس كانت أحد أبرز الأدوات المساعدة له في تمرير ما مرره طيلة السنوات الماضية، ما يحول الحوار إلى “تمثيلية” استعراضية تهدف إلى إلهاء الناس وشغلهم بمسائل محسومة مسبقًا.

بيع الأصول.. أول التمريرات

في 13 يونيو/حزيران الماضي أطلق رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الحوار المجتمعي بشأن ما أسماه وثيقة “سياسة ملكية الدولة”، تلك الوثيقة المتعلقة بخريطة تعامل الدولة مع أصولها المملوكة في المجالات كافة، التي قسمتها إلى 3 مستويات: الأول يشمل تلك القطاعات التي ستخرج منها الدولة بصورة نهائية خلال 3 سنوات، والثاني تلك التي ستقلل الحكومة من حجم الاستثمارات فيها مع منح مستثمرين أجانب حق المشاركة، أما القسم الثالث فيتضمن القطاعات التي ستتوسع الدولة في الاستثمار فيها.

طرح الوثيقة في هذا التوقيت أثار شكوك البعض من أن الدولة استغلت الحوار والانشغال به وبتفاصيله لتمريرها بما يشرعن عملية بيع الأصول للخروج من المأزق الحاليّ، خاصة أن السيسي كان قد أشار خلال حفل “إفطار الأسرة المصرية” الذي عقدته مؤسسة الرئاسة في أبريل/نيسان الماضي إلى استهداف جمع 40 مليار دولار من بيع الأصول المملوكة للدولة بمعدل 10 مليارات دولار سنويًا لمدة أربع سنوات لتعزيز احتياطي البلاد من العملات الأجنبية.

وبالفعل شهدت الأيام الماضية زخمًا كبيرًا بشأن الأخبار المتداولة عن بيع الدولة لبعض أصولها، أو إدخال شركات أجنبية بنسب متفاوتة بها، ولعل آخرها في الأول من الشهر الحاليّ حين أعلنت شركة موانئ أبو ظبي، استحواذها على 70% من شركة إنترناشونال أسوسييتيد كارغو كاريير IACC المصرية، مقابل 140 مليون دولار.

وتعتبر تلك الشركة التي تمتلك بالكامل شركتين مصريتين هما: “ترانسمار” (شركة إقليمية لنقل الحاويات في البحرين المتوسط والأحمر والخليج العربي وشرق إفريقيا)، و”ترانسكارجو” (المشغل الحصري لشحن وتفريغ الحاويات في ميناء الأدبية المهم بالسويس) واحدة من أكبر الشركات في مجال النقل البحري في المنطقة.

وقبلها بأربعة أيام فقط، كشف وزير قطاع الأعمال المصري هشام توفيق، عن طرح عدد من الفرص الاستثمارية – أبرزها في القطاع العقاري – على وفد من رجال الأعمال والمستثمرين السعوديين كان يزور مصر، منها بحسب بيان الوزارة “متنزه حديقة الميريلاند وقصر غرناطة بمصر الجديدة، وأرض شركة الحديد والصلب (تحت التصفية) في حلوان وأرض تابعة لشركة الدلتا للصلب بمسطرد، وفرص للاستثمار في قطاع الفنادق، ومنها فندق “غراند كونتيننتال”.

وكانت الحكومة وعلى لسان رئيس وزرائها قد أعلنت عزمها إدراج 10 شركات حكومية وشركتين تابعتين للقوات المسلحة في البورصة المصرية هذا العام، على رأسها مصر الجديدة للإسكان والتعمير (التي تتطلع إلى طرح ثانوي) وشركة “موبكو” الحكومية المنتجة للأسمدة و”مصر لتأمينات الحياة” التابعة للقابضة للتأمين، إضافة إلى “بنك القاهرة”، هذا بجانب دمج سبعة من أكبر الموانئ المصرية تحت كيان واحد وإدراجه في البورصة المصرية، بجانب شركتي “الوطنية لتعبئة المياه الطبيعية (صافي)” و”الوطنية لإنتاج وتوزيع المواد البترولية (وطنية)” التابعتين لمؤسسة الجيش.

الأجواء المخيفة التي فرضتها موجات التضخم العالمية والمعززة بفضل الحملات الإعلامية الداخلية، بالتزامن مع مساعي غض الطرف والإلهاء عبر بوابة الحوار الوطني الذي بلا شك سيأخذ حظًا وفيرًا من التناول والنقاش، ستفرض سحب ضبابية على المشهد تجعل من التصرف في أصول الدولة بزعم إنقاذ ما يمكن إنقاذه أمرًا مقبولًا وسهل تمريره لدى قطاع كبير من المصريين.

تيران وصنافير.. إنهاء الصفقة في هدوء

يشكل ملف جزيرتي “تيران وصنافير” أحد الملفات الحساسة التي أثارت الجدل داخل الشارع المصري خلال الآونة الأخيرة ولم تُحسم بعد رغم مرور 6 سنوات على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية التي بمقتضاها تم التنازل عن الجزيرتين لصالح المملكة بعد عقود من الهيمنة المصرية عليها.

ورغم توقيع الاتفاقية والتنازل عن الجزيرتين، فإن السلطات المصرية لم تسلمهما بعد للجانب السعودي، الأمر الذي أحدث نوعًا من التوتر بين القاهرة والرياض، فيما تبذل دولة الاحتلال جهودًا حثيثةً لإنهاء هذا الملف بما يسمح لها بتحويل هذا الممر إلى ممر عالمي يخدم أجندتها التوسعية.

هناك تخوفات لدى البعض من تسليم الجانب المصري للجزيرتين خلال زيارة جو بايدن للمنطقة المقررة الشهر الحاليّ، فيما ذكر المراسل السياسي لموقع “واللاه” العبري، باراك رافيد، في تقرير ترجمه “عربي 21” أن “دبلوماسيين ومحامين من الولايات المتحدة و”إسرائيل” والمملكة العربية السعودية ومصر قريبون جدًا من إتمام سلسلة من الاتفاقيات والتفاهمات وخطابات الضمان التي ستسمح بإتمام الصفقة في جزيرتي تيران وصنافير الإستراتيجيتين في البحر الأحمر، وهو ما أكده ثلاثة من كبار المسؤولين الإسرائيليين، بحيث سيتم هذا الأمر قبل زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن المرتقبة إلى الشرق الأوسط”.

التقرير اعتبر إنهاء تلك الصفقة إنجازًا يحسب لإدارة بايدن وربما يسرع من خطوات التطبيع الكامل بين السعودية و”إسرائيل” “من خلال اللجوء لحلول دبلوماسية لإتمام الاتفاقية من خلال اتصالات غير مباشرة، مع العلم أن اتفاقية السلام بين “إسرائيل” ومصر نصت على نزع سلاح جزيرتي تيران وصنافير، ووضع قوة مراقبة دولية تحت قيادة أمريكية، وفي 2018 وافقت مصر على نقلهما للسعودية، ووافقت “إسرائيل” من حيث المبدأ على هذه الخطوة بشرط استمرار أنشطة قوة المراقبة الدولية”، بحسب رافيد.

الاتفاقية منذ توقيعها أحدثت انقسامًا لدى الشارع المصري بين مؤيد ومعارض، حيث رُفعت قضية أمام القضاء الإداري برفضها وعدم قانونيتها ليصدر الحكم ببطلانها، لكن سرعان ما انتفض المؤيدون لها برفض قضية أخرى أمام محكمة الأمور المستعجلة انتهت بإسقاط أسباب حكم الإدارية العليا القاضي ببطلان توقيع الاتفاقية، واستمرار سريانها، لتحال إلى مجلس النواب الذي وافق عليها في 14 يونيو/حزيران 2017، ليصادّق عليها الرئيس السيسي في الرابع والعشرين من الشهر ذاته.

وكان من أسباب عدم تسليم الجزيرتين بشكل نهائي حالة الاحتقان والرفض الشعبي التي بسببها زُج بالبعض داخل السجون فيما عرفت بقضية “تيران وصنافير”، غير أن الأجواء الآن في ظل حالة الخوف من المستقبل والبحث عن مصادر تمويلية لإنعاش خزائن البلاد ربما تكون ملائمة لتمرير الاتفاقية بشكل كامل، إذا اتفق الأطراف على النقاط الخلافية بينهم.

تفتيت الكتل الصلبة

على مدار السنوات الثمانية الماضية كانت هناك كتلة صلبة من المجتمع المصري تلقي دومًا بالكرة في ملعب السلطة، وتحملها – منفردة – مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع من تدهور، وهو ما كان يضع النظام في خندق المتهم المضطر للدفاع عن نفسه أمام تلك الكتلة مهما كانت صغيرة الحجم ومضيق عليها الخناق على كافة المسارات.

اليوم وفي ظل المستجدات الأخيرة يحاول النظام قدر الإمكان تفتيت تلك الكتلة من خلال المسؤولية المشتركة وتحميلها جزءً من تلك المسؤولية بالزج بها في حوار سياسي يضعها مع السلطة في خندق واحد، ومن ثم ينجح في خلق معادلة متوازنة نسبيًا بين الفريقين، المؤيدين لبيع أصول الدولة والمعارضين، الداعمين للتنازل عن تيران والرافضين، بما يساعد على التنصل من سردية “المسؤولية الأحادية” عن تفاقم المشهد.

في ضوء ما سبق، فإن الإستراتيجيات التي استحدثها النظام الحاليّ في التعاطي مع المشهد، ستقود في النهاية إلى وأد الغضب الشعبي في مهده، والحيلولة دون ولادته مكتمل النمو، بما يحمي السلطة الحاليّة من أي تداعيات محتملة قد تقود المشهد برمته إلى الانفجار في ضوء التحذيرات المتتالية من مغبة السياسات المتبعة التي أودت بالدولة إلى طريق مسدود.