ولّدت حالة الاضطراب الشديد في كل من سوريا والعراق فراغاً اجتماعياً-سياسياً، حيث تمكّنت المجموعات الجهادية من الازدهار. وقد أثبتت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) أنها الأقوى والأكثر ديناميكية بين هذه المجموعات، من خلال سيطرتها على مساحات واسعة من الأراضي في سوريا والعراق. وبعد فترة وجيزة على إلحاق الهزيمة بالقوات العراقية واحتلال الموصل في يونيو 2014، أعلنت داعش بجرأة عن إقامة الخلافة وغيّرت تسميتها لتصبح ما نعرفه اليوم بالدولة الإسلامية. كيف أصبحت الدولة الإسلامية قويةً إلى هذا الحدّ؟ ما هي أهدافها وخصائصها؟ وما هي أفضل الخيارات المتاحة لاحتواء هذه المجموعة وهزيمتها؟
في ورقة تحليلية جديدة صادرة عن مركز بروكنجز الدوحة، يعود تشارلز ليستر بجذور الدولة الإسلامية من الأردن إلى أفغانستان، فالعراق ووصولاً إلى سوريا. يصف ليستر تطورها من مجرد مجموعة إرهابية صغيرة إلى تنظيم بيروقراطي يسيطر حالياً على آلاف الأميال المربعة يحاول أن يحكم الملايين من الناس. يقدّم ليستر تقييماً لقدرات المجموعة ويوضّح تكتيكاتها المختلفة ويحدّد مسارها المحتمل.
يرى ليستر أنّ معالجة الإخفاقات الاجتماعية والسياسية في سوريا والعراق هي المفتاح لتقويض استدامة الدولة الإسلامية على المدى الطويل. بالتالي، يشير إلى أنّ التصدي للدولة الإسلامية بشكل فعال سيكون عملية مطوّلة على الجهات الفاعلة المحلية قيادتها. على وجه التحديد، يقول ليستر إنّه على الجهات الفاعلة المحلية ودول المنطقة والمجتمع الدولي أن تعمل معاً من أجل مواجهة قوة الدولة الإسلامية المالية وتعطيل حراكها العسكري واستهداف قيادتها وتقييد استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في عمليات التجنيد ونشر المعلومات وجمعها.
خريطة سوريا والعراق، والتي تبين المحافظات والمدن الرئيسية في البلدين، وكذلك الأنهار وشبكات الطرق الرئيسية. تمتد مناطق عمليات الدولة الإسلامية حالياً من منطقة الباب الواقعة في شمال غرب سوريا إلى بعقوبة وبغداد في وسط العراق.
وفي ورقته يقول ليستر أنه على الرغم من أ ّن داعش ترتكز حالياً داخل سوريا والعراق، إلا أن تاريخها يبدأ منذ العام 1999 على الأقل، وجذورها تعود إلى الأردن وأفغانستان.
ليستر يرى لداعـش جـذور عميقـة تعود إلى العـام 1999 على الأقل، عندمـا أطلق سراح الأب الروحي للتنظيم، أحمـد فاضـل نـزال الخلايلـة (أبو مصعب الزرقاوي) من سـجن في الأردن.
أُطلـق سراح الزرقـاوي مـن سـجن “سـواقة” في الأردن بعـد أن قضـى 5 سـنوات مـن حكـم بالسـجن لمـدة 15 عامـاً بتهمـة حيـازة أسـلحة والانتـماء إلى تنظيـم بيعـة الإمـام، وهو تنظيم مسـلح تأسـس في العـام 1992 على يـد منظر الجهادية السـلفية الجهاديـة الأردني عاصـم محمـد طاهـر البرقـاوي (أبـو محمـد المقـدسي). ثـم انتقـل الزرقـاوي إلى أفغانسـتان، ووصـل إلى إقليـم قندهـار مـع خطـاب تزكيـة من أبو قتـادة الفلسـطيني الذي كان مقيـماً في لندن آنـذاك. تواصـل الزرقاوي مـع قيـادة تنظيـم القاعـدة، وحصـل عـلى إذن وقـرض بقيمـة 200 ألـف دولار أمريـكي لإقامـة معسـكر تدريبـي. اسـتخدم الزرقـاوي هـذاالمعسـكر كقاعـدة لبنـاء مجموعتـه الجهاديـة المنشـأة حديثـاً باسـم جندالشـام. وفي غضون أشـهر، تـّم تغيير اسـم هـذه المجموعـة ليصبـح جماعـة التوحيـد والجهاد.
ولكّن الدولة قد تطورت كثيراً منذ ذلك الحين، وتحولت من مجموعة صغيرة وغير منظمة ذات طموحات دولية إلى منظمة تركّز على الحكم كدولة إسلامية عابرة للحدود القومية.
التطور يظهر بشدة ليستر من وجهة نظر عسكرية، حيث تضّم الدولة الإسلامية حوالي 31 ألف مقاتل، من بينهم 20 إلى 25 ألفاً يمثلون نواة التنظيم وهم أعضاء متفرغون وأصحاب ولاء عقائدي. ومن خلال قدرتها على الحفاظ على زخم الهجوم والمحافظة على مكاسب مادية منتظمة،أصبحت الدولةالإسلامية منظّمة مسلّحة بشكٍل مذهل، تعمل في الوقت عينه كمنظمة إرهابية.
على المستوى الداخلي، تطورت الدولة الإسلامية لتصبح منظمة بيروقراطية إلى حّد كبير تركّز على اكتساب دخل كاٍف لتمويل مبادرات الحكم على نطاق واسع. لقد دفع تركيز الدولة الإسلامية على المحافظة على استقلالها المالي– مقارنًة بنموذج القاعدة التقليدي القاضي بالاعتماد على مانحين وممّولين خارجيين – بالتنظيم إلى تطوير مصادر دخل متعددة، بما في ذلك النفط والغاز والزراعة والضرائب وعمليات الابتزاز التي تضم الخطف مقابل الفدية وبيع التحف في السوق السوداء وغيرها من التجارات غير المشروعة. بحلول سبتمبر 2014، أصبحت داعش تجني حوالي مليو ْني دولار يومياً، مما يجعلها أغنى منظمة إرهابية في العالم.
ويرى ليستر أن من بين نقاط القوة التي تتمتع بها داعش:
- القدرة على اكتساب إيرادات كبيرة باستمرار من أجل تمويل الحكم بفعالية وتوفير الخدمات الإدارية والاجتماعية في المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم.
- التنقل السريع والقدرة على إعادة نشر العناصر والموارد باستمرار إلى جبهات حديثة النشاط.
- قيادة عليا ذات قدرة هائلة ومسيطر عليها بإحكام وقيادة عسكرية وبنية تحكّم على المستويين المحلي والإقليمي، والجميع مسؤول عن إدارة الحملات العسكرية المحترفة والحفاظ على الزخم.
- الاستخدام الفعال لوسائل التواصل الاجتماعي لنشر أيديولوجية الدولة الإسلامية وأنشطتها وأهدافها وإضفاء الشرعية عليها والتجنيد والحصول على الدعم الدولي.
- بيئة متساهلة تتجسد في حالة الصراع المستمرة وعدم الاستقرار الاجتماعي الكبير في كلّ من سوريا والعراق.
ويعتقد ليستر أنه في سبيل القضاء على داعش، ينبغي التخلّص من صورة المواجهة الثنائية بين المعارضة السورية والحكومة واستبدالها بتركيز أكثر شمولاً على فكرة الحفاظ على سيادة الأراضي السورية ووحدة المجتمع السوري. وبشكل حاسم، -يؤكد ليستر- ينبغي على المجتمع الدولي أن يدرك ويوضح أنّ الرئيس الأسد لا يمثل زعيماً موحِّداً لبلاده.
وفي ورقته أيضا أورد ليستر تصور لتراتبية القيادة في “داعش” وأسماء القادة المعروفين وصورهم:
يمكنكم الاطلاع على الورقة الكاملة هنا أو على موقع بروكنغز الدوحة