تقود سلطنة عُمان وساطة مدعومة أمريكيًّا في تكتُّم شديد، لمنع تفجر الأوضاع في اليمن في ظل حالة “اللاسلم واللاحرب” التي يشهدها البلد، بعد أن فشلت جهود المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، ووسطاء آخرين في التوصُّل إلى اتفاق بين طرفَي النزاع على تمديد الهدنة التي انتهت في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
جهود سلطنة عمان في الملف اليمني أنعشت الآمال في إحلال السلام وتقريب وجهات النظر
تفاصيل وكواليس ما يدور من تحركات للسلطنة بهدوء #عمان_تصنع_السلام_لليمن— أنيس منصور ?? (@anesmansory) January 12, 2023
منذ أكثر من 8 سنوات، يشهد اليمن حربًا داميةً بين القوات الموالية للحكومة الشرعية، مدعومةً بتحالف عسكريّ تقوده المملكة العربية السعودية المجاورة، في مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران والمسيطرين على محافظات بينها العاصمة صنعاء منذ سبتمبر/ أيلول 2014.
استفادت عُمان من حيادها في الأزمة اليمنية وعدم انضمامها إلى التحالف بقيادة السعودية منذ بداية الحرب، فكانت الدولة الوحيدة في المنطقة المقبولة من أطراف الصراع كوسيط يمكنه تحقيق اختراق نوعي يطوي صفحة الحرب في اليمن التي خلّفت كارثة إنسانية كبيرة.
وفد عُماني إلى صنعاء للمرة الثانية خلال أسبوعَين
توجّه المبعوث الأممي إلى اليمن نحو مسقط الأسبوع الماضي، حيث اجتمع مع وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، لبحث آخر التطورات في اليمن والجهود الإقليمية والدولية لتجديد الهدنة والعمل نحو تسوية سياسية، جدير بالذكر أن زيارة المبعوث الأممي إلى السلطة جاءت بالتزامن مع وجود وفد الوساطة العمانية، للمرة الثانية خلال أسبوعَين، في العاصمة صنعاء.
UN Special Envoy Hans Grundberg concluded his visit to #Muscat today, where he met with @FMofOman and senior Omani officials. The sides discussed developments in #Yemen and regional and international efforts to renew the truce and work toward a political settlement. pic.twitter.com/iuxmRFg7gx
— @OSE_Yemen (@OSE_Yemen) January 11, 2023
في المقابل، بدأ المبعوث الأمريكي إلى اليمن، تيم ليندركينغ، مؤخرًا جولة دبلوماسية جديدة للقاء قيادات ومسؤولين يمنيين وسعوديين، في إطار محاولته تمديد الهدنة المنتهية، لكن التعويل على هذه الجولة لا يبدو مجديًا، خصوصًا أنها تأتي امتدادًا لجولات مكّوكية سابقة فشلت في تحقيق أي اختراق سياسي لتمديد الهدنة منذ أشهر.
“We’re encouraged by Saudi Arabia’s commitment to support @UN-led peace efforts in #Yemen. U.S. diplomacy continues unabated to end the conflict & bring peace & stability,” #USEnvoyYemen Lenderking reiterated during a mtg w/Saudi Amb to Yemen @mohdsalj. @USEmbassyYemen @USAinKSA pic.twitter.com/5EAr3YVkXO
— U.S. State Dept – Near Eastern Affairs (@StateDept_NEA) January 6, 2023
المبعوث الأمريكي وقبل عودته إلى المنطقة، قال في واشنطن إن العام 2023 سيقدّم فرصة لإنهاء الصراع في البلاد بشكل نهائي، وأن بلاده تعمل مع سلطنة عمان والسعودية من أجل ذلك. جاء ذلك خلال مؤتمر دولي حول اليمن عُقد في واشنطن مطلع الشهر الجاري، حيث قال أيضًا: “واشنطن ملتزمة بإيجاد حل للأزمة في اليمن، رغم عدم وضوح تصورات التوصُّل إلى السلام، وتعتقد أن عام 2023 سيقدّم فرصة لإنهاء الصراع بشكل نهائي”.
محادثات بين السعودية والحوثيين
في خضمّ التطورات الأخيرة، كشفت وكالة “أسوشييتد برس” للأنباء عن إحياء السعودية والحوثيين المحادثات بينهما، على أمل تعزيز وقف إطلاق النار غير الرسمي المستمر منذ أكثر من 9 أشهر، ووضع مسار للتفاوض لإنهاء الحرب في اليمن.
ونقلت الوكالة في تقرير لها، الثلاثاء الماضي، عن مسؤول في الأمم المتحدة تحدّث إليها مشترطًا عدم الكشف عن هويته، قوله إن “هذه المحادثات فرصة لإنهاء الحرب، إذا تفاوض الجانبان بحسن نية، وضمّت المحادثات أطرافًا يمنية أخرى”.
من جهته، أشار دبلوماسي سعودي -لم تذكر الوكالة اسمه- إلى أن بلاده طلبت من الصين وروسيا الضغط على إيران والحوثيين لتجنُّب التصعيد، لافتًا إلى أن إيران، التي أطلعها الحوثيون والعُمانيون بانتظام على المحادثات، أيّدت حتى الآن الهدنة غير المعلنة بعد انتهاء الهدنة الأساسية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
الحوثيون يطالبون التحالف بدفع رواتب المقاتلين
وفق تسريبات متداولة، طالب الحوثيون بأن يقوم التحالف الذي تقوده السعودية بدفع رواتب جميع موظفي الدولة، بمن فيهم العسكريين، من عائدات النفط والغاز، بالإضافة إلى فتح كل المطارات والموانئ الخاضعة لسيطرة الجماعة مثل مطار صنعاء وميناء الحديدة.
مسؤول حوثي مشارك في المداولات قال إن السعوديين وعدوا بدفع الرواتب، إلا أن الدبلوماسي السعودي أوضح أن دفع الرواتب مشروط بقبول الحوثيين ضمانات أمنية، بما في ذلك إقامة منطقة عازلة مع مناطق يسيطر عليها الحوثيون على طول الحدود اليمنية السعودية.
بيد أنّ الكاتب اليمني أنيس منصور أوضح في تغريدة له على منصة تويتر، أن النقاشات تدور حاليًّا حول آلية وطريقة صرف الرواتب من السعودية لسلطة صنعاء، مشيرًا إلى أن “الحوثيين يريدون صرف الرواتب بالعملة الصعبة وتحملها طائرة خاصة شهريًّا إلى صنعاء”.
نقاشات تدور حول الية وطريقة صرف الرواتب من السعودية لسلطة صنعاء
الحوثيين يريدون صرف الرواتب بالعملة الصعبة وتحملها طائرة خاصة شهرياً إلى صنعاء!السعودية يريدون تسليمها بالريال اليمني
مقترحاتكم تهمنا كيف تعالج هذه الاشكالية بين الانصار والاشقاء
#السلام_في_اليمن_بجهود_عمانية— أنيس منصور ?? (@anesmansory) January 18, 2023
هل السلام وشيك؟
التسريبات التي تتوالى من نتائج المحادثات العمانية في صنعاء، تشير إلى أن هناك اختراقًا وشيكًا في الأزمة، قد لا تسفر النتائج عن اتفاق سلام كامل بين الحكومة الشرعية والتحالف من جهة والحوثيين من جهة مقابلة، لكن على الأقل هناك فرصة كبيرة لاتفاق مبدئي قد يتضمن تمديد الهدنة المعلّقة.
يدلّ على ذلك عودة الوفد العماني إلى صنعاء مرّتَين خلال نصف شهر، فلو لم تكن هناك مؤشرات إيجابية لما عاد الوفد بهذه السرعة، إضافة إلى التصريحات غير المسبوقة التي أدلى بها وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي يوم الأربعاء.
إذ اعترف الأمير فيصل بن فرحان بأن الصراع اليمني لن ينتهي إلا بالتفاوض، مضيفًا أن بلاده تأمل في إيجاد سبيل لإحياء الهدنة الأممية لفتح الباب أمام حلّ سياسيّ، وقال الوزير السعودي خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي، الأربعاء، إن الحرب اليمنية لا بدَّ أن تنتهي عبر التفاوض، وأن إقناع الحوثيين بالسلام سيفتح الباب أمام إنهاء الحرب.
الصراع في #اليمن لن ينتهي إلا بتسوية سياسية، أحرزنا تقدماً لكن الطريق لا يزال طويلاً، بحسب وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان
للمزيد زوروا https://t.co/tk5IBjauaM
قناتنا على اليوتيوب https://t.co/9G4Lc9r5Cl#الشرق #الشرق_للأخبار pic.twitter.com/FngtvhGwIB— NOW الشرق (@AsharqNOW) January 19, 2023
أشار الوزير السعودي إلى أن هناك تقدمًا قد تمَّ إحرازه، غير أنه لفت إلى أن الطريق لا يزال طويلًا، ومع أن الوزير لم يحدد طبيعة التقدم الذي أُحرز، فإنه ربما يشير إلى انفراجة متوقعة في شأن الهدنة الإنسانية نتيجة التحركات الأخيرة ومشاورات الوفد العماني في زيارته الأخيرة إلى صنعاء، وهذا ما ألمح إليه المتحدث باسم جماعة الحوثي محمد عبد السلام، الذي أشار إلى أن وفد الجماعة أجرى في مسقط “نقاشات جادة وإيجابية حول الترتيبات الإنسانية التي تحقق للشعب اليمني الاستقرار، وتمهّد للسلام الشامل والعادل، وإنهاء العدوان والحصار”، لكنّ مدونين معارضين للحكومة السعودية يرون أن حديث الأمير فيصل عن أنه لا حل لأزمة اليمن إلا بتسوية، يمثل هزيمة سياسية للمملكة واعترافًا بالحوثيين كجهة رسمية.
بعد أيام من إرسال المملكة وفدًا لصنعاء للتفاوض مع ميلـ.يـشيا الحوثي..
وزير الخارجية فيصل بن فرحان يؤكد أنه لا حل لأزمة اليمن إلا بتسوية سياسية!
التسوية السياسية مع ميلـيشـ.يا كالحوثي يمثّل هزيمة سياسية للمملكة واعترافًا بهم كجهة رسمية!— فهد الغفيلي (@fahadlghofaili) January 19, 2023
الوساطة العمانية تُخرج السعودية من الحرب.. ولكن!
الصحفي اليمني المقيم في سويسرا، محمد الجرادي، لا يبدو متفائلًا كثيرًا بنهاية سعيدة للصراع في بلاده، إذ يرى أنه لا يمكن الجزم بنجاح الوساطة العمانية بسبب تعقيدات الملف اليمني، مشيرًا إلى أن اليمنيين لديهم تجارب مريرة مع جماعة الحوثي لم تنجح معها أي اتفاقات سابقة ولن تنجح الاتفاقيات القادمة.
ويلفت الجرادي في حديث خاص لـ”نون بوست” إلى اعتقاده بأن المبادرة العمانية تدور حول نقاط محددة ليس من بينها الحل النهائي للأزمة، إذ تتضمن وقفًا شاملًا لإطلاق النار وفتح مطار صنعاء ودفع مرتّبات الموظفين، بالإضافة إلى تسهيل حصول الحوثيين على النفط والمزيد من الإيرادات.
ويضيف محدّثنا: “هذا هو الهدف الرئيسي للحوثي، فهو يرى نفسه الطرف الأقوى وتنفيذ بعض اشتراطاته لوقف إطلاق النار انتصارًا يخدم استمرار الجماعة وسيطرتها، بل تمكينها وتعامل العالم معها”.
وقال الجرادي لـ”نون بوست”: “تدور كل هذه المشاورات بعيدًا عن الأطراف اليمنية التي تقاتل الحوثيين ولا تقبل بهيمنتهم، وهذا يعني أن المبادرة تهدف إلى إخراج السعودية من المشهد اليمني بطريقة تضمن أمنها وسلامة حدودها، مقابل تنفيذ اشتراطات الحوثيين التي تستطيع السعودية تقديمها عبر الضغط على حلفائها في الشرعية”.
ويختتم بقوله: “أعتقد أن الوساطة العمانية قد تُوقف الحرب لفترة مؤقتة، وستغادر السعودية الحرب وستعود الحرب مجددًا بين الأطراف الداخلية، حتى يتمكّن طرف من هزيمة الآخر أو يقتنع الحوثي فعليًّا بالحل السياسي”.
وبغضّ النظر عمّا ستسفر عنه جهود الوساطة العمانية، ومع مراعاة التعقيدات الأخرى كقضية الانفصاليين المدعومين من الإمارات، فإن وساطة مسقط تكاد أن تكون الأمل الوحيد لكثير من أبناء الشعب اليمني، الذين أرهقتهم الحرب وما تسبّبت فيه من فقدان للأرواح ودمار وجوع وتشريد.
8 سنوات من الحرب المدمّرة مضت حتى الآن، وأيّ من طرفَيها لم يحقق مكاسب كبيرة، حيث ظلّ الحوثيون يسيطرون على معقلهم الرئيسي شمال البلاد، إلى جانب العاصمة صنعاء وجزء كبير من الغرب المعروف بكثافته السكانية، بينما تسيطر الحكومة والميليشيات على الجنوب والشرق، بما في ذلك المناطق المركزية الرئيسية التي تضمّ معظم احتياطات النفط اليمني.