ماذا لو ضرب العراق زلزال كبير؟

ليس على خط الزلازل، لكن العراق على مقربة من صفائح نشطة زلزاليًّا، إذ يقع على الصفيحة العربية الملاصقة للصفيحة الإيرانية وصفيحة الأناضول، ما يجعله عرضة لتأثيرات الزلازل التي تشهدها كل من تركيا وإيران، لا سيما مناطقه الشرقية والشمالية، وربما تصل الزلازل والهزات الأرضية إلى مناطقه الوسطى.
إذ أكّد قسم الرصد والزلازل في هيئة الأنواء الجوية العراقية حدوث هزة أرضية قوية ضربت الحدود العراقية التركية، شعر بها سكان إقليم كردستان ومحافظة نينوى، بسبب الزلزالَين الأخيرَين اللذين تعرّضت لهما مناطق جنوب تركيا، ووصل تأثيره إلى شمال سوريا وتسبّب في دمار كبير في 11 ولاية تركية وعدد من المدن السورية، كما شعر به سكان لبنان والأردن وفلسطين وحتى محافظة الجيزة في مصر.
وشهد العراق في السنوات الأخيرة عددًا من الهزات الأرضية والزلازل الخفيفة، وصلت ذروتها خلال عامَي 2019 و2020، تسبّبت في هلع كبير لأن السكان غير معتادين على هذا النوع من الظواهر الطبيعية، لكن الموقع الجغرافي للعراق الملاصق لدول واقعة على خطوط صدع عالمية، وعدم وجود الإمكانات في الدولة قادرة على مواجهة هذا النوع من الكوارث، زادا من خوف سكان المناطق التي شهدت هزات أرضية.
العراق قريب من صفائح ساخنة والدولة تُطمئن
رغم قرب العراق من الشريط الزلزالي المتمثّل بخطّ زاغروس، الذي يحدّه من الشمال تركيا ومن الشمال الشرقي جنوب إيران، إلا أن الهزات الأرضية التي قد يتعرّض لها العراق لا تتجاوز شدّتها 3.5 درجات على مقياس ريختر، وهي قوة لا تخلّف خسائر مادية أو بشرية.
حددت هيئة الأنواء الجوية العراقية المناطق الأكثر عرضة لتلك الهزات، وهي ما أطلقت عليه “المثلث الزلزالي” متمثلًا بمناطق من محافظة السليمانية وأجزاء من مدن جمجمال وكلار شمال العراق، وخانقين ومندلي في ديالى شرقًا، وبدرة في محافظة واسط، بحسب ما صرّح به مدير إعلام الهيئة عامر الجابري.
حصرت هيئة الأنواء الجوية العراقية أسباب حدوث الزلازل والهزات الأرضية بموقع العراق الجغرافي وبُعده عن خطوط الصدع المحيطة به، دون التطرُّق إلى أسباب تكرار الهزات خلال السنوات الأخيرة، كما ربطت دراسة أمريكية بين عمليات التنقيب عن النفط وحدوث الزلازل.
إذ خلصت تقارير صادرة عن المعهد الأمريكي للفيزياء إلى أن الزلازل التي حدثت في لوس أنجلوس خلال الفترة بين عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، كانت في مناطق شهدت حَفْرًا على عمق يتجاوز 1000 متر، أي قريب من الأخاديد الأرضية، ما سبّب حركة فيها تساعد في حدوث زلازل.
ربط خبراء جيولوجيون عراقيون الدراسة الأمريكية هذه بما يحدث في العراق، إذ اعتبروا أن طريقة التكسير الهيدروليكي المستخدَم في حفر آبار النفط وما يولده من ضغط يؤديان إلى تكسير صخور قشرة الأرض، ما يتسبّب في هزات أرضية كبيرة.
تعد متانة البناء وخضوع المباني لمعايير صارمة من أهم العوامل التي تحول دون وقوع خسائر بشرية كبيرة خلال حدوث الزلازل
تفسير فنّده الخبير الجيولوجي رياض الدباغ، رئيس أكاديمية مانشستر الدولية ورئيس الجامعة المستنصرية سابقًا، خلال حديثه لـ”نون بوست”، مؤكدًا أن الزلازل لا تؤثّر على المناطق النفطية، لأن النفط موجود في تشقُّقات الأرض وفراغات داخل الصخور، ولا تسبّب ضغطًا يؤدي إلى هزات.
وأشار الدباغ إلى أن ما شهده العراق من هزات أرضية هي ارتداد لزلازل حدثت في الدول المجاورة، كما قال إن “سبب الهزات هو حركة الصفائح تحت سطح الأرض ومدتها ثوانٍ فقط، تليها ارتدادات تصيب الأرض بشكل موجات قد تصل إلى مناطق أخرى نتيجة الإجهادات داخل الأرض”.
وقال الدباغ: “إن هذه العملية هي مؤثرات جيولوجية ينتج عنها تحرك الصفائح التكتونية، وتؤدي إلى الزلازل التي قد تتسبّب في تشقُّقات في الأرض، ونضوب ينابيع أو ظهور جديدة”.
إعادة النظر في نظام البناء
تعد متانة البناء وخضوع المباني لمعايير صارمة من أهم العوامل التي تحول دون وقوع خسائر بشرية كبيرة خلال حدوث الزلازل، وهذا يحتاج إلى مراقبة مباشرة من قبل الدولة وعلى جميع الصعد، إذ تقع على عاتق الحكومة مسؤولية وضع معايير بناء تتماشى مع طبيعة تربة المناطق التي تشيّد عليها تلك المباني، وقربها من خطوط الصدع الزلزالية.
حيث يجب الإشراف على مدى تطبيق هذه المعايير، وعدم السماح للرشوة والمحسوبية بالتسلل إلى هذا القطاع، لأنه يتعلق بأرواح الملايين في حال ضرب زلزال منطقة معيّنة، والإهمال به يتسبّب في كارثة إنسانية كبيرة، إضافة إلى التبعات الاقتصادية التي تلحق حدثًا كهذا.
يعرَف العراق بنظام بنائه الأفقي، الذي يقلّل من حجم الخسائر البشرية إذا تعرّضت أي منطقة في البلاد للزلزال، فهذا النظام يسمح للسكان بإخلاء المباني بسرعة أكبر بعكس البنايات الشاهقة، التي يحتاج فيها السكان إلى وقت طويل لمغادرتها لا يتناسب مع مدة حدوث الزلزال الذي يستغرق ثواني معدودة، إضافة إلى أن المباني الأفقية أقل عرضة للضرر من المباني الشاهقة، في حال حدث الزلزال.
خلال السنوات الأخيرة، اجتاحت ظاهرة البناء العمودي المدن العراقية، باختلاف أسعارها ومستوى الرفاهية التي تملكها تلك المشاريع، إذ كشف المتحدث الرسمي باسم وزارة التخطيط، عبد الزهرة الهنداوي، عن وجود 119 مشروعًا ضمن الخطط التنموية للوزارة، إضافة إلى 15 مدينة سكنية عمودية منتشرة في عدد من محافظات العراق، هدفها معالجة أزمة السكن التي يواجهها العراقيون، والتي تحتاج إلى 3 ملايين وحدة سكنية لحلّها.
لكن الأبنية في العراق لا تراعي شروط الحماية من الزلازل، كون العراق لا يقع على خطوط الصدع الزلزالية، وهذا ما أكّدته لنا المهندسة إيمان حميد خلال حديث خاص لـ”نون بوست”، إذ قالت إن “العراق لا يقع على خط الزلازل، لذلك لم يسبق أن طُرحت فكرة مراعاة شروط البناء المقاومة للزلزال في المشاريع السكنية، لا سيما في مناطق الوسط والجنوب”.
وأضافت: “إن المعايير التي تتمّ مراعاتها تتعلق فقط بالأبعاد وقياسات الأعمدة داخل المباني، إضافة إلى كمّية التسليح وقوة الخراسانات وكميات الأسمنت ومواد البناء المستخدَمة، وهذه هي المعايير المتّبعة في البناء”.
لكن المهندسة إيمان قالت أيضًا: “بسبب التغييرات الجيولوجية والطبيعية التي يشهدها العالم، وما تتعرض له دول مجاورة من كوارث طبيعية، فلا بدَّ من إعادة النظر في معايير البناء في العراق، لا سيما مع اتجاهه إلى البناء العمودي خلال السنوات الأخيرة، وأخذ موضوع الزلازل على محمل الجدّ لحماية السكان”.
لا يزال العراق يعتمد على الطرق التقليدية في الإنقاذ، ما يحرم سكانه من الاعتماد على فرق الإنقاذ أو حتى الاتصال بهم في حال حدوث حريق أو حادث
لا تقتصر المخاوف من انهيار المباني على معايير البناء فقط، بل التربة التي تُبنى عليها تلك البنايات تؤثر بشكل مباشر على متانتها، وهذا ما أكّده لنا المهندس مهند راضي، إذ قال إن “البناء على أرض كانت تضمّ أبنية قديمة وتمَّ هدمها يحتاج إلى دراسة لتربة هذه الأرض، لمعرفة مدى قدرتها على تحمُّل إقامة بناء جديد عليها، ومدى ضخامة هذا البناء”.
وأشار المهندس مهند خلال حديث له لـ”نون بوست”، إلى أن “الأرض التي كانت تضم مباني قديمة قد تحتاج في بعض الأحيان إلى إعادة تأهيل قبل إقامة أبنية جديدة عليها، وربما نتائج فحص التربة تقود إلى عدم تحمُّلها لإقامة مباني بمواصفات معيّنة، وتجبر أصحاب المشروع على تغيير مواصفات هذا البناء بما يتلاءم مع مواصفات هذه التربة وقدرة تحمُّلها”.
عوامل تفرض على الحكومة العراقية إعادة النظر في معايير البناء، ووضع شروط حازمة لإقامة المشاريع السكنية ومراقبتها بشكل مستمر وفي جميع مراحل البناء، لا سيما مع انتشار ظاهرة البناء العمودي، وإلحاق العراق بركب الدول التي تعتمد النظام العمودي في بنائها.
حيث تحتاج هذه المسألة إلى اهتمام كبير لأنها متعلّقة بأرواح الملايين، لا سيما أن أعداد ضحايا سكان البناء العمودي يفوق ضحايا البناء الأفقي، فالمبنى العمودي الواحد يضمّ عددًا كبيرًا من العائلات، بينما المبنى الأفقي يضمّ عائلة أو اثنتين فقط.
إمكانات العراق الإنقاذية
تحتاج الدولة أثناء حدوث الكوارث الطبيعية، كالزلازل والفيضانات وغيرها، إلى إمكانات كبيرة لإنقاذ العالقين وإسعاف الضحايا وتقديم المساعدات للناجين، وهذه الإمكانات تشمل متطلبات مادية وتوفير المستلزمات اللوجستية والأجهزة المتطورة ومواد الإسعافات الأولية والخيم، إضافة إلى الطاقة البشرية المتمثلة بالفرق المدرَّبة ومنظمات الإغاثة التي تضمّ عناصر مؤهلين للقيام بهذه المهام الصعبة، وتحمُّل الضغط الجسدي والنفسي الذي يتعرّض له عناصر فرق الإنقاذ أثناء هذه الكوارث.
يملك العراق إمكانات مادية تؤهّله ليكون في المرتبة الأولى على جميع الصعد، لكن سوء إدارة موارده المادية، والفساد الذي ينخر في مؤسسات الدولة، وثقافة الاستهتار التي تطغى على تلك المؤسسات، تضعه في المراتب الأخيرة من جميع النشاطات.
فلا يملك العراق فرق إنقاذ مدرَّبة لمواجهة أي من الكوارث، ولم تهتم الدولة في تجهيز قطاع الإنقاذ والدفاع المدني بالتقنيات الحديثة التي تساعد فرق الإنقاذ الموجودة على أداء عملها، كما تفتقر الفرق المتواضعة الموجودة للتدريب ومواكبة تطورات هذا المجال، الذي شهد قفزة تكنولوجية كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
فلا يزال العراق يعتمد على الطرق التقليدية في الإنقاذ، ما يحرم سكانه من الاعتماد على فرق الإنقاذ أو حتى الاتصال بهم في حال حدوث حريق أو تعرُّض أي فرد لحادث، إذ تنعدم في العراق ثقافة الاتصال برجال الإنقاذ في حال التعرض لحوادث، حتى لو كانت بشكل فردي وليست كارثة جماعية، إذ اعتاد العراقيون على الاعتماد على أنفسهم في تلقي الإسعافات الأولية والتدخل حال وقوع حادث معيّن، وسبب هذا هو غياب الدولة التي يعتمد عليها المواطن العراقي ويشعر من خلالها بالأمان.
الفساد الذي ينخر في مؤسسات العراق، وثقافة الاستهتار التي تطغى على تلك المؤسسات، تضعه في المراتب الأخيرة من جميع النشاطات رغم إمكانياته المالية الضخمة
وفي مجال الإغاثة، تحتاج الجهات المعنية في العراق إلى إعادة النظر أيضًا، فالكارثة تحدث بسرعة البرق، ومواجهتها يحتاج إلى سرعة حركة تتطلب تدريبًا وتحمل مسؤولية من قبل فرق الإنقاذ، ومحاسبة من قبل الدوائر المعنية بها.
كما تحتاج تلك الفرق إلى زيادة بأعدادها، وتوفير التدريب لها على أعلى مستوى، من خلال جلب خبراء من خارج العراق ومن الدول صاحبة الخبرة في مجال الإنقاذ، لتقديم الدورات والورش لفرق الإنقاذ الموجودة، ليس في حالة حدوث زلازل فقط، بل التعامل مع كافة الحوادث حتى اليومية منها.
هذا بالإضافة إلى توفير المعدّات الحديثة والخدمات اللوجستية لهذه الفرق، وجعل أفرادها يشعرون بأهمية ما يقومون به، لأن فرق الإنقاذ لا تقلّ أهميتها عن القطاع الطبّي والأمن، فجميع هذه القطاعات تتصل بشكل مباشر بحياة الإنسان وإنقاذه حال تعرضه لحوادث معيّنة وكوارث.