أوقفت الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد عمليات الإنشاءات في أرض مخصصة للبناء على مدخل بلدة ببيلا جنوبي دمشق لمدة يومَين، في أواخر شهر يونيو/ حزيران الماضي، بعدما اكتشف القائمون على المشروع مقبرة جماعية تضم جثث عشرات الضحايا، ريثما نقلها فرع الدوريات (أحد الأفرع الأمنية السورية العديدة) إلى مكان مجهول، قبل أن تَستأنف عمليات الإنشاءات وكأن شيئًا لم يكن!
ويتزايد عداد المقابر الجماعية التي تضم جثث ضحايا مدنيين قُتلوا ودُفنوا بطريقة وحشية ضمن الأحياء والمدن المتاخمة لمركز العاصمة السورية دمشق، خلال الأعوام الأولى من انطلاقة الثورة.
وكشف وليد الأغا، وهو صحفي سوري من بلدة ببيلا كان موجودًا فيها منذ مطلع عام 2012 حتى حملات التهجير خلال عام 2018، تفاصيل دقيقة تتعلق بالمقبرة الجماعية التي يعمل النظام على طمسها، من خلال نقل الجثث إلى أماكن مجهولة.
وقال الصحفي نقلًا عن مصادر وصفها بـ”الخاصة” خلال حديثه لـ”نون بوست”: “إن عدد الجثث التي انتشلت من المقبرة تجاوز 100 جثة، بينها جثث لنساء وأطفال، نقلتها الجهات الأمنية إلى مكان مجهول بعدما اكتشف عاملون في الإنشاءات المقبرة الجماعية”.
وأضاف: “إن التعرُّف إلى هوية الضحايا صعب جدًّا، إلا أن وجود الأطفال والنساء ضمن المقبرة الجماعية يكشف أنهم مدنيون أبرياء، كانوا يضطرون إلى عبور هذا الطريق للتنقل بين المدن والبلدات في ريف العاصمة، اعتقلوا من قبل عناصر الحاجز وتمّت تصفيتهم ودفنهم حتى بآلياتهم”.
مقبرة جماعية في ببيلا
اُكتشفت المقبرة الجماعية لأول مرة قبل 10 أعوام تقريبًا في الموقع ذاته، على مقربة من حاجز “كازية الجد ورجب” التابع لقوات نظام الأسد سابقًا في بلدة ببيلا بريف العاصمة دمشق، بعدما سيطرت المعارضة السورية على الحاجز وانسحاب عناصر نظام الأسد منه إلى بلدة يلدا المجاورة التي كانت تحت سيطرته.
وبحسب ما نشرت تنسيقية الثورة السورية في منصة يوتيوب في 23 ديسمبر/ كانون الأول 2012، فإنها أكدت وجود مقبرة جماعية لأكثر من 20 شخصًا من المدنيين بينهم نساء وأطفال، قُتلوا ودُفنوا مع عائلاتهم تحت التراب في أرض عقارية، بين كازية الجد والرجب ومسجد العادل.
واكتفى الناشطون والصحفيون العاملون في البلدة حينها، بتناول هذا الخبر مرفقًا بفيديو مصوّر يؤكد تفاصيل الحادثة، في حين لم تحدث عملية حفر موسّعة حيث نُقلت الجثث الظاهرة على سطح الأرض والتي تحتها لكن بعمق صغير، ربما لعدم توقع هذا العدد الكبير من الضحايا وقلة الإمكانات اللوجستية وكثافة الأحداث من قصف ومعارك.

وكانت بلدة ببيلا كسائر الريف الدمشقي تتعرض خلال تلك الفترة لعمليات عسكرية برية وقصف جوي ومدفعي من قبل نظام الأسد، ما ساهم في التغافل عن تلك الحادثة في ظل التطورات الميدانية اليومية التي تعيشها المنطقة، وضرورة التعامل مع كل الأحداث المستجّدة.
وأوضح الصحفي أن عدد الضحايا قُدّر بنحو 20 شخصًا، لكن تبيّن مؤخرًا أن العدد أكبر من ذلك ويصل إلى 100 شخص، بعدما اُكتشف وجود عشرات الجثث بعد حفر الأرض المحاذية لكازية الجد ورجب ومسجد العادل بين يومَي 26 و27 يونيو/ حزيران الماضي، وهي الأرض نفسها التي وُجدت فيها الجثث خلال عام 2012.
محاكمة ميدانية على الحاجز
وفي منتصف عام 2012، نصبت الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد حاجزًا على مدخل بلدة ببيلا في الغوطة الغربية التابعة إداريًّا إلى محافظة ريف دمشق، ضمن طريق استراتيجية يصلها مع بلدة يلدا وحي التضامن، بهدف السيطرة على المنطقة والتضييق على المتظاهرين المعارضين لنظام الأسد.
وأكد الأغا أن حاجز الجد ورجب أُنشئ على طريق مهمة واستمرَّ لفترة تجاوزت الـ 5 أشهر، واتخذت قوات نظام الأسد من مسجد العادل والأبنية السكنية التي استولت عليها مراكز لاحتجاز المدنيين، فضلًا عن التصفيات الميدانية.

وكان الحاجز يستهدف أي شخص يمرّ من ذلك الطريق، بانتهاكات مختلفة، التحرش أو الاعتقال أو حتى القتل، دون وجود أسباب لتلك الجرائم، إذ كان لدى عناصر نظام الأسد صلاحية القتل التعسفي دون أدنى رقيب أو خوف من مساءلة، وقد ارتكبوا انتهاكات بما فيها الإعدام لمدنيين خلال تلك الفترة الزمنية بحقّ أناس أبرياء ليسوا حتى من المطلوبين للأجهزة الأمنية.
وعُرف الحاجز باسم “حاجز كازية الجد والرجب” كناية عن كازية الوقود التي استولت عليها قوات نظام الأسد، إضافة إلى عدد من الأبنية السكنية ومسجد العادل كونه موقعًا استراتيجيًّا، لفرض السيطرة ومنع تحركات الأهالي، وإلقاء القبض على المطلوبين من الثوار والمتظاهرين بين البلدات والأحياء الدمشقية المترابطة فيما بينها.
واختير موقع الحاجز على عقدة وصل مهمة بين الغوطتَين الغربية والشرقية، ما يجعل السوريين المقيمين في أحياء التضامن والحجر الأسود والقدم مضطرين إلى عبور ذلك الحاجز للتوجُّه إلى الغوطة الشرقية.
وفي المقابل، سيكون على سكان السيدة زينب وبيت سحم والغوطة الشرقية المرور عبر الحاجز ذاته الذي شكّل مكانة محورية آنذاك، لا سيما للأشخاص الذين لا يعرفون هوية المنطقة وسيضطرون إلى قطع مسافات طويلة.
مجازر ومقابر جماعية
تفتح المقبرة الجماعية في ببيلا ملف عشرات المجازر والمقابر الجماعية التي ارتكبتها قوات نظام الأسد بحق المدنيين في مناطق الجنوب الدمشقي، لكنها لم تحظَ بصدى واسع خلال فترة وقوعها، بسبب كثافة الأحداث الميدانية في عموم الجغرافيا السورية، وعدم قدرة الصحفيين والناشطين على توثيقها في ظل ظروف قاهرة تركت حقوق آلاف الضحايا المقتولين على يد أجهزة نظام الأسد الأمنية مهملة.
ومن أفظع المجازر التي وقعت في الجنوب الدمشقي مجزرة علي الوحش، نسبة إلى الشارع الذي وقعت فيه المجزرة بمخيم اليرموك، بعدما واجه سكانه حصارًا دام لأكثر من عام وسط انعدام مقومات الحياة، حيث استغلت قوات الأسد حاجة الأهالي واستدرجهم إلى شارع علي الوحش الواصل بين بلدتَي يلدا وحجيرة، وقتلت نحو 1200 مدني بينهم نساء وأطفال.
ومن تلك المذابح مجزرة التضامن التي وقعت عام 2013 وقُتل فيها نحو 280 مدنيًّا على أيدي قوات نظام الأسد في حي التضامن، حيث كانت عدة أحياء تخضع لحصار حواجز النظام، من أبرزها القدم والتضامن والحجر الأسود ومخيم اليرموك، وكان المدنيون أمام خيارَين: إما الموت جوعًا، وإما الاعتقال أو التصفية على يد عناصر الحواجز العسكرية.
بعد مرور نحو 10 أعوام على اكتشاف المقبرة الجماعية لأول مرة في ببيلا، واكتشافها مرة أخرى بأعداد مضاعفة، يحاول نظام الأسد التعمية على المذبحة التي ارتكبتها قواته بحقّ عشرات الضحايا من المدنيين، وليس خيالًا أنه سيتهم ذوي الضحايا بقتل أحبائهم -على عادته- وتصدير سرديته الشريرة بينما تزهق قواته المزيد من أرواح الأبرياء.