بينما تتحدث طائفة كبيرة من معارضي الانقلاب العسكري ومن ثوار مصر عن تصعيد نوعي في آليات معارضة الانقلاب تحت عنوان “المقاومة الشعبية” وعبر آلية جديدة تهدف إلى إرباك قوات الأمن وما يتبعها من مجموعات “البلطجية” لردعها وثنيها عن قمع المتظاهرين، تواصل سلطات الجنرال عبد الفتاح السيسي وحلفاؤه في الداخل والخارج ترويج نفس الخطاب مصرة على أن المعركة هي معركة دولة ضد الإرهاب وليست معركة شعب وانقلاب.
وبغض النظر عن أسباب وحيثيات حادثة سيناء التي قتل وجرح فيها عشرات الجنود المصريين والتي تبنتها جماعة أنصار بيت المقدس وأدانتها جماعة الإخوان المسلمين وبعض التنظيمات المعارضة للانقلاب، وظفت سلطات الجنرال السيسي هذه العملية لصالح طرحها الذي تبنته منذ يوم “3 يونيو” 2013، ليعلن الجنرال السيسي مجددا أن بلاده تخوض حربا ضد الإرهاب وأن “بلاده” تدفع ثمن مواجهتها “للإرهاب والتطرف”، مكررا نفس الخطاب الذي يرسم صورة وردية لعلاقة نظامه بالشعب المصري ويحشر كل معارضيه في دائرة الإرهاب.
وفي نفس السياق، وخلال مشاركته في قمة الاتحاد الأفريقي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، قال الجنرال السيسي أن هذه الهجمات ستستمر، موظفا إياها مجددا لتبرير انقلابه على الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مصري منتخب، قائلا: “إن خسائر الجيش والشرطة من هذه العمليات هي ثمن أقل بكثير مما كانت ستدفعه مصر إذا استمر الإخوان المسلمون في الحكم لمدة ثلاثة أشهر”.
وكما انسجمت الآلة الإعلامية الموالية للنظام المصري وللعسكر مع حملات التركيز على عملية سيناء ومساواتها بأعمال المقاومة الشعبية التي قادها معارضو الانقلاب في الأيام القليلة الماضية، انسجمت دولة الإمارات، أقوى داعمي الانقلاب والجنرال السيسي، مع خطاب السيسي وقال وزير خارجيتها أنور قرقاش: “الأعمال الإرهابية الجبانة لن تنال من عزيمة الشعب المصرى والقيادة المصرية فى مواصلة التصدى بكل حسم للإرهاب”، داعيا المجتمع الدولى إلى “الوقوف إلى جانب مصر لمواجهة هذا التطرف والإرهاب الذى لا وطن ولا دين له ولا أخلاق”.
وجاءت عملية سيناء وعودة خطاب الحرب على الإرهاب إلى خطابات الجنرال السيسي والإعلام الموالي له وحلفائه في الداخل والخارج بعد التحول النوعي الذي عرفه الحراك الشعبي المعارض للانقلاب في مصر، فمنذ يوم الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير 2011 شهدت الشوارع المصرية عدداً من عمليات المقاومة الشعبية النوعية التي استهدفت قوات الأمن ومن يتعاون معها من بلطجية لقمع التظاهرات، وكذلك بعض الطرق الحيوية والمصالح الاقتصادية لرجال الأعمال الداعمين للانقلاب.
وفي حديث لموقع العربي الجديد، قال الخبير في الحركات الإسلامية، كمال حبيب: “لا يمكن الحكم على المجموعات التي انتهجت العنف في مواجهة قوات الأمن المصرية، خلال فعاليات الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير، فطبيعة هذا اليوم تفرض مزيداً من العنف عن أي يوم آخر، نظراً للإحساس بعدم تحقيق أهداف الثورة حتى الآن”.
وميز حبيب ما بين المجموعات الجهادية والمجموعات التي تنفذ عمليات المقاومة الشعبية، فقال: “الحشود والتعبئة التي حدثت قبل الذكرى الرابعة للثورة فرضت وجود مواجهة لقوات الأمن بشكل تلقائي، والمجموعات التي قامت بتفجير أبراج الكهرباء وبعض المنشآت العامة، ليس لها طابع جهادي، أي أن استمرارها من عدمه غير محدد لأن الجماعات التي لها طابع جهادي تكون محددة الأهداف والتحركات، ولا يمكن معها ترك أي شيء للصدفة، أو أن يكون وليد اللحظة أو الحدث، فيما أن المجموعات التي ظهرت ليست جهادية، والحُكم عليها لا يمكن تحليله أو توقّعه إلا إذا استمرت في عملياتها”.
وعلى صفحات فايسبوك علق المدون شهيد بولسين الذي كان أكثر المنظرين لعمليات المقاومة الشعبية، على تعامل الإعلام المصري مع هذه الظاهرة فقال: “التسرع و الذعر اللذين يتعامل بهما الإنقلاب مع الإستراتيجية المعادية للإمبريالية العالمية ، إنما تدلل بكل وضوح على مدى نجاح هذه الإستراتيجية و فعاليتها”، مؤكدا في تغريدة أخرى على أن ما ينظر إليه ليس عمليات إرهابية تستهدف إرهاب الدولة والشعب: “نحن لا نعتبر أي وسيلة من أعمال الدفاع عن النفس وسيلة لإيذاء أو مضايقة أو تخويف عامة الناس . فنحن لا ندعم انقطاع الخدمات عن الشعب أو تدمير البنية التحتية”.
ويفسر المحللون إصرار نظام الانقلاب على تسويق ما يحدث في شوارع مصر من مقاومة شعبية على أنه إرهاب، وسعيه إلى المساواة بين المقاومة الشعبية في شوارع المدن المصرية وبين عملية سيناء وغيرها من العمليات التي تشنها الجماعات المسلحة في سيناء، هو محاولة من النظام لاختيار العدو السهل، إذ سيكون من السهل على النظام أن يقنع أنصاره وداعميه وحلفاءه في الخارج بخوض حرب عسكرية ضد الجماعات المسلحة في سيناء، في حين أنه سيقع في حرج كبير عندما يقول بأنه يحرك الجيش والآليات العسكرية لقمع تظاهرات شعبية جماهيرية لجأت للعنف للرد على ما تتعرض له من قمع وحشي على أيدي قوات الأمن ومجموعات البلطجية.
ويذكر أن الجنرالات الذي قادوا الانقلاب العسكري الذي عاشته الجزائر في مطلع التسعينات قد نهجوا نفس الأسلوب لجعل معركتهم في وجه معارضي الانقلاب وأنصار الديمقراطية تظهر في شكل معركة بين الدولة والشعب من جهة، ومجموعات إرهابية من جهة أخرى. ففي حديث لبرنامج بلا حدود، قال الجنرال محمد سمراوي الذي كان رئيساً لقسم مباحث أمن الدولة ونائبا للمسؤول الأمني عن الانقلاب العسكري الذي عاشته الجزائر في سنة 1992، أن الجنرالات الذي نفذوا الانقلاب هم من صنعوا الإرهاب.
وقال سمراوي: “المعتقلات الضخمة التي أقيمت في الصحراء كان الهدف منها تجميع المظلومين من الإسلاميين في مكان واحد، وذلك حتى يكثر الغليان في داخلهم، والوحدات الخاصة التابعة للجيش كانت تذهب إلى تلك المعتقلات وتقوم بإطلاق النار على تجمعات من المئات ثم تنسحب، وكل ذلك بغاية “خلق التطرف” في داخل الإسلاميين وإجبارهم على رد الفعل”، مفسرا هذا التوجه بأن “الجنرالات كانوا في حاجة إلى إرهاب الشعب”، وأن “رؤيتهم الإستراتيجية كانت تهدف إلى إحداث حرب بين الجيش والجماعات الإسلامية المتطرفة بغاية إرهاب الشعب وإجباره على اختيار أحد خيارين، إما الصعود إلى الجبال ومحاربة الجيش، وإما دعم الجيش بطريقة عمياء”.
ويعتقد أن عمليات المقاومة الشعبية التي شهدتها مصر مؤخرا قد تفشل في التأثير بشكل فعال على نظام الجنرال عبد الفتاح السيسي في حال تحولها من عمليات فردية غير منظمة إلى عمليات منظمة ينتمي منفذوها إلى تنظيمات معينة مما يسهل عملية استهدافها تحت عباءة محاربة الإرهاب.
وفي كل الحالات، ينظر إلى خطاب السلطات المصرية المصرة على الهروب من الغضب الشعبي الرافض للانقلاب وعلى الاختباء خلف دعاية الحرب على الإرهاب؛ على أنه سيدخل مصر في سنوات سوداء من العنف والعنف المضاد شبيهة بسنوات العشرية السوداء التي عاشتها الجزائر بعد انقلاب 1992 بعد اختباء جنرالات الجزائر خلف دعاية الحرب على الإرهاب.
مع العلم أن العشرية السوداء في الجزائر لم تنتهي عبر قضاء الدولة على الإرهاب ولا على معارضي الانقلاب، وإنما عبر مصالحة وطنية واسعة قادها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي استنجد به العسكر بعد فشل استرتيجيتهم في حكم الجزائر. وضمن نتائج هذه المصالحة تم العفو رسميا على كل من لجؤوا إلى حمل السلاح وإلى التحصن بالجبال مما مكنهم من العودة إلى حياتهم الطبيعية (بما في ذلك كبار قادة المجموعات المسلحة) في المدن الجزائرية. ورغم عدم وجود عملية سياسية ديمقراطية سليمة وشفافة في الجزائر إلى حد الآن، فإن نسبة كبيرة من السياسيين المعارضين والمتضررين من انقلاب 1992 عادت إلى المشاركة في الحياة السياسية وتمكنت في أحيان كثيرة من استلام حقائب وزارية ضمن حكومات ائتلافية.