سطع نجم بنيامين نتانياهو منذ استلامه السلطة لأول مرة في عام 1996، في أعقاب فوزه بالانتخابات الإسرائيلية، على حساب حزب العمل الصهيوني، وذلك بعد إعلانه صراحةً بأنه لا يولي أهمية كبيرة لحل الدولتين، وبأنه يدعم المشروعات الاستيطانية في كل المناطق الفلسطينية، باعتبارها أراضٍ إسرائيلية، حيث باشر في توسيعها بشكل كبير جدًا، وخاصة المشروعات الاستيطانية العشوائية، والتي تهدف إلى احتجاز المزيد من الأراضي الفلسطينية، وإلى تقييد حركة التمددات الفلسطينية بما فيها الطبيعية.
وصل إلى الهاوية بعد انتخابات عام 1999، بعد أن ترك نقطة معينة في الطريق أحدثت له أمر سيئًا، حيث تحول أمام الكل، من زعيم قادر على توقيع اتفاق مع الفلسطينيين إلى كتلة من التشدد، وكان سببًا مباشرًا، في انهيار مفاوضات (واي ريفر) مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، لكن مكوثه في تلك الهاوية، لم يدم طويلًا، حين عاد إلى الحكم مرة أخرى بعد تكليفه بتشكيل حكومة في أعقاب انتخابات فبراير 2009، بعد فشل تسيبي ليفني من تشكيلها، والتي كانت تتزعم حزب كاديما آنذاك.
بقي نتانياهو ممسكًا بتلابيب السلطة حتى هذه الساعة، ليس لأنه الأقوى فقط، بل لعدم وجود أحزاب منافسة وبضمنها حزب العمل الصهيوني، الذي بقي في الأسفل طوال تلك المدة، برغم انتفاخ حجمه بشكلٍ مختلف، خلال الانتخابات الـ 20 الأخيرة بزعامة إسحق هيرتسوغ، نتيجة تحالفه مع حزب الحركة الذي تقوده تسيبي ليفني والذي شارف على استلام الحكم، بعد أن أوشك نتانياهو على إعلان عجزه بتشكيل الحكومة.
بعد استطاعته تكوين حكومة في اللحظات الأخيرة، من خلال اضطراره إلى توقيع اتفاقات ضيقة تحتوي على – طيف واحد -، أحزاب يمينية خالصة، لا يتعدى مجموع أعضائها الـ 61 عضوًا، اضطر أيضًا إلى استلام مجموعات فائضة من التكهنات والأوصاف المُحبطة، بادر بها ساسة وخبراء وبرلمانيون، من أنها حكومة ضيقة ومنعزلة وسيئة الصيت، وبأنها ستسقط من ذاتها عند أول اختبار.
لكن وبعد مرور شهرين فقط على تكوينها وبدئها العمل، باتت الصورة واضحة أمام الجميع، باعتبارها تشتد أكثر كلما أوغلت في الزمن، حيث استطاعت، أن تُشكل صدمة كبيرة وخيبة أمل عارمة، لدى من توعدوا بها، وخاصةً بعدما تمكنت من انتشال نفسها من بين مخالب طلبين متتاليين لحجب الثقة عنها.
باعتراف المقاومين لها والمناكفين باتجاهها، بأنهم لم ينتبهوا إلى أنها جلبت وزراء للعمل وليس فقط من أجل حيازة المناصب والتنعم على فراش الحكم، بدلالة أن من قاموا بالهروب من أمامها، يتمنون الآن الالتحاق بركبها وهم في انتظار فرصة، وأصبح زعيم حزب إسرائيل بيتنا، أفيغدور ليبرمان، وهو أكثر المتشددين اليمينيين معاداةً للحكومة ولنتانياهو نفسه، لا يُطيق الابتعاد عنها مقدار أنملة، وكان أعلن مؤخرًا، بأن قيام نتانياهو بالموافقة على استئناف البناء الاستيطاني، فإنه تلقائيًا سيقفز إلى داخل جيبه بلا قيد.
النخبة في العمل – المعسكر الصهيوني – أصبحت أقل حماسًا عن ذي قبل، أمام تعهداتها بإسقاط الحكومة، وتمامًا بالنسبة إلى حركات اليسار الأخرى والمنضوية تحت ظله، والتي طمعت بتحسين مركزها الحزبي، باتت أكثر فتورًا باتجاه نواياها ضدها، حتى بدت هامدة وكأنها لم تكن قط، بعد الافتراض بأنها ستمضي في نضالاتها المشروعة، من أجل الوصول إلى السلطة، بهدف تنظيف الصورة الإسرائيلية التي كان نتانياهو سببًا في توسيخها داخليًا، وعلى المستوى الخارجي بخاصة.
إضافة إلى ما سبق، فقد أصبحت لدى الإسرائيليين، باعتبارها الأمل الوحيد للدولة اليهودية، بسبب اعتقادهم بأنها تحمل أجزاءً كبيرة من الواقع، سيما وقد نالت إعجابهم بصورةٍ أكبر، حالما رأوا بأعينهم وخلال لمحة واحدة من البصر، كيف تقوم بتفتيت المشكلات التي ما فتئت تعصف بمجتمعهم، والتي على رأسها أزمة السكن، التي كاد بسببها أن يخسر نتانياهو رصيده الحيوي الموصل إلى رئاسة هذه الحكومة.
وعلى الصعيد الدولي، وبغض النظر عن ضمان الخدمات الأمريكية المقدمة للحكومة، فقد آمنت بها مجموعة دول الاتحاد الأوروبي، منذ لحظاتها الأولى، تمامًا كإيمانها بنتانياهو منذ فوزه، والتي تمنت العمل معه في أقرب فرصة، برغم استبعاده لأي احتمالية لصنع السلام مع الفلسطينيين، وفي ضوء إعلانه بأن حكومته لن تكون سماعةً لأية ضغوطات من أي جهةٍ، بما فيها الولايات المتحدة.
الأهم، فإن الحكومة برزت كقيمة مثالية، عندما ثبُت لدى الكل، بأن علاقتها بالعالم العربي (الإستراتيجية)، هي أقوى بكثير مما هي عليه العلاقات العربية بعضها ببعض، وذلك عندما انكشفت – بحجةٍ وأخرى – باتجاه كل من المملكة السعودية ومصر وقطر ودول عربية أخرى، ما يعني بوضوح، بأنها ليست وحيدةً ولا سيئة، وفي ضوء هذا الواقع، فإنه لا يتوجب لأي إنسان أن ينتظر أي انهيارٍ لها – قريبًا على الأقل -، خاصةً وأنها منهمكة الآن، في ردم فجوات وتسوية حُفر، لتمرير هدنة طويلة مع حركة حماس، باعتبارها تتويجًا كبيرًا لنجاحات تاريخية.