البيضاء .. جغرافيا اليمن الأكثر استنزافًا للمتمردين الحوثيين

هي قلب اليمن جغرافيًا، والفاصل بين شمال اليمن وجنوبه، تمتلك بوابات على تسع محافظات يمنية، وحدودًا مع خمسة أقاليم من إجمالي الأقاليم المقترحة في التقسيم الإداري الجديد طبقًا لمخرجات الحوار اليمني، وتكمن أهميتها الإستراتيجية من موقعها الذي يتوسط خارطة البلاد وانغماساته العسكرية، وإمكانية السيطرة من خلاله على منابع الثروة والطاقة في اليمن.
تتكون محافظة البيضاء من عشرين مديرية أكبرها رداع، وهي مزيج يمثل الإنسان اليمني بكل تناقضاته وتداخلاته وكل تجاعيد السنين راسمة السحنة اليمنية التي أورثتها المنطقة الوسطى وتداخلت مع المناطق الطرفية عبر الإنسان البيضاني؛ فهي تمثل اتحادًا بين الإنسان الرداعي والبيضاني والقيفي.
يجهل الكثيرون موقع محافظة البيضاء اليمنية – التي يشكل سكانها نحو 2.9% من سكان البلاد – الذي يطل على أهم المنافذ المؤدية إلى منابع النفط والغاز في الشمال والجنوب، وتحيط بها تسع محافظات، هي صنعاء وذمار ومأرب وإب الشمالية، ولحج وأبين وشبوة والضالع الجنوبية.
وانطلاقًا من هذا الموقع المهم كانت البيضاء، وتحديدًا منها مديريات رداع وقبائلها الشرسة، وجهة جماعة الحوثيين الأولى بعد العاصمة صنعاء، حين وضعت شرط الحرب هناك كبند من بنود ما يسمى “السلم والشراكة” الذي فرضته الجماعة بالقوة بعد سيطرتها على صنعاء.
كما كانت البيضاء أولى وجهات المتمردين في مناطق ترفض الحوثيين سياسيًا واجتماعيًا، وهذه المناطق ظلت تاريخيًا أشبه بطينة مغمورة بالمياه وكل من اقترب منها لا ينجو من “التغريز” بحسب توصيف الكاتب اليمني عباس الذماري.
في أكتوبر 2014 كانت الجماعة المتمردة وبعد سيطرتها على أجهزة الدولة في العاصمة قد دشنت حملة إعلامية واسعة وتقمصت دور الدولة، ورفعت شعار الحرب ضد القاعدة في رداع، في محاولة لتقديم نفسها بشكل إيجابي لـ “الخارج”، فيما لم تحسب الجماعة حين دخلت المعركة في وسط قبلي معقد – تنشط به عناصر من القاعدة – المتغيرات الاجتماعية التي قد يؤدي لها الصراع هناك، في تحفيز مقاومة قبلية ذات محركات مذهبية وعصبوية في مواجهتهم؛ وهو الامر الذي أدخلهم في بحر من الرمال لا يزال يستنزفهم عسكريًا وسياسيًا بشكل لم يكونوا يتوقعونه، وهو ما يبدو عليه الحال الآن كما يقول الباحث الصحفي ماجد المذحجي.
قبائل قيفة وآل حميقاني تسقط الأسطورة الحوثية
لا ينفصل تاريخ البيضاء وقبائلها عن تاريخ اليمن قديمًا وحديثا، غير أن الأهمية الإستراتيجية الداخلية لموقعها جعل من المناطق المعروفة اليوم بمحافظة البيضاء مناطق تجاذبات ومد وجزر لقوى النفوذ، سواء النفوذ الذي كانت تمثله العديد من الدول والممالك اليمنية القديمة، أو نفوذ القوى المتلاحقة التي تلت ذلك خلال العصور الإسلامية وصولاً إلى العصر الحديث، إذ ظلت البيضاء منطقة تماس داخلي ساخنة بالأحداث المثيرة طوال العصور التاريخية المتلاحقة وحتى الآن.
وتتركز المواجهات والمقاومة بالبيضاء في عدد من المديريات التابعة لـ “رداع”، وهي: رداع المدينة، ولد ربيع، والقريشية، حيث انتشار قبيلة قيفة التي تقف في واجهة المعركة ضد جماعة الحوثي.
كما تدور حرب عصابات في ذي ناعم، ومديرية الزاهر حيث قبائل آل حميقاني، ولا تزال الصفة التقليدية للقبيلة العربية هي الطابع للقبائل القوية والكبيرة بهذه المحافظة، ويحتكم أبناؤها للأعراف القبلية، وهذا ما جعلها مناطق مشتعلة لا تساوم في مواجهتها للحوثيين، رغم شراء الرئيس المخلوع للولاءات والمشايخ والقيادات التابعة لحزبه في تلك المناطق.
تتعرض جماعة الحوثيين في هذه المحافظة لاستنزاف هو الأكبر على المستوى اليمني، حيث فقدت جماعة الحوثي المئات من مقاتليها سقطوا هناك قتلى، فضلاً عن مئات آخرين في عداد الجرحى، ولا تتوفر إحصائية رسمية لضحايا المواجهات هناك منذ انفجارها في أكتوبر 2014، غير أن تقديرات مصادر محلية متطابقة تشير إلى سقوط مئات القتلى أغلبهم من الحوثيين، إلى جانب سقوط العديد من أبناء القبائل، وسقط جزء منهم بالضربات الجوية لطائرات أمريكية بدون طيار التي تلاحق عناصر للقاعدة.
توجد في البيضاء ثلاثة ألوية عسكرية بشكل عام: اللواء 139 في رداع، لواء في مدينة السوادية، ولواء المجد على مشارف مدينة البيضاء، من خلالها استطاعت مليشيات الحوثي وحليفه علي صالح إيجاد مناطق نفوذ وسيطرة لها بالبيضاء.
وتبعد رداع نحو 130 كيلومترًا عن العاصمة صنعاء، وهي من المدن التاريخية الشهيرة الغنية بالمواقع الأثرية، إذ كانت عاصمة للدولة الطاهرية (1451 ـ 1517)، وقد خاض الطاهريون معارك طويلة ضد دولة الأئمة الذين يعتبر الحوثيون امتدادًا لهم.
وتشتهر رداع بقلعة تاريخية بناها أحد ملوك التبايعة (مملكة التبّع)، شمّر يهرعش، في القرن الثالث الميلادي، كما تشتهر بمسجد العامرية المبني مطلع القرن السادس عشر، والذي أبهر الهولنديين وخصصوا مبالغ كبيرة لترميمه، وضمّه لقائمة التراث العالمي.
يقول أحد أبناء رداع: “ظلت رداع التي تضم سبع مديريات (رداع، والعرش، وصباح، والرياشية، والشرية، والقريشية، وولد ربيع) تعاني منذ أكتوبر 2014 واليمن كله يتفرج وهي تقاوم مليشيات الحوثي وكتائب عسكرية موالية للمخلوع، ولكن صمود رداع كسر كبرياء الحوثيين وأسطورتهم ومرغ سمعتهم في التراب، حيث صمدت رداع أكثر مما صمدت فيه العاصمة ولا تزال حتى اللحظة تلقن الحوثيين دروسا قاسية وموجعة، وبات استمرار بعض عناصرها مكابرة”.
ويقول عمار القيفي: “اتخذت المقاومة في رداع الأسلوب الأنسب مع الجماعة المتمردة وهو أسلوب الاستدراج والاستنزاف، وهزم الحوثيين بواسطة الحرب بنفس طويل”.
ويضيف: “المقاومة تفتقد للقيادة الحقيقية فهم يحاربون ببساطة تحركات القبائل وعزيمة المحاربين القدامي، ولكنهم يستلهمون حروب الكرامة التي خدشتها المليشيات”.
وعن التواجد الحوثي في البيضاء يقول القيفي: يتواجد الحوثيون كتواجد حقيقي وعسكري في المدن الكبيرة بواسطة قوات المخلوع ومعسكراته وبعض القرى، لكن توغلهم في الريف بين أبناء القبائل كلفهم الكثير.
مشيرًا إلى ما يصفه بـ “غض الطرف من قِبل التحالف عن قبائل البيضاء المقاومة”، معيدًا ذلك – حسب ظنه كما يقول – إلى “زحمة الأحداث ربما وانشغال الإعلام بالمدن الكبيرة، حيث يتم إهمال البيضاء وجعلها كملحق للمشهد، بينما سهولة التحرك وفي البيضاء والتقاؤها مع الكثير من مناطق التماس وضع يمكن أن يطمّع في الكثير”.
المصدر: مُسند للأنباء