أوراق من رحلتي: في ديار الأكراد

ديار بكر أو “أمد” كما يسميها الأكراد، هي أكبر مدينة فى جنوب شرق تركيا، تقع على ضفاف نهر دجلة، على موقع مدينة أميدا الأثرية اكتسبت اسمها من بني بكر بن وائل الذين سكنوا بها بعد الفتح الإسلامي فى عهد سيدنا معاوية رضي الله عنه، وغالبية سكان تلك المحافظة من الأكراد، كانت مكانتها مهمة جدًا في مختلف الحضارات التي استوطنت المنطقة بحكم موقعها الذي يشكل معبرًا بين الأناضول وإيران وبلاد الشام والعراق.
أظهرت الحفريات وجود آثار حياة في المدينة منذ أكثر من عشرة آلاف سنة، وأول حضارة كبيرة تركت آثارها واضحة في ديار بكر هي حضارة الحوريين فكانت عاصمتهم، وقد حُكمت من قِبل السومريين والميديين والحثيين والآشوريين والأرمن والسلوقيين والبارثيين، و يقال إنه تواجدت بها 33 إمبراطورية.
سيطر عليها الرومان عام 66 قبل الميلاد وأطلقوا عليها اسم آميدا، وبعد الرومان وقعت تحت سيطرة الفرس عام 359 للميلاد، ثم انتقلت من أيديهم إلى أيدي المسلمين العرب عام 639 في فترة الحكم الأموي.
أحد شوارع المدينة القديمة
تنقلت المدينة تحت سيطرة الدول والإمارات الإسلامية التي تعاقبت على المنطقة، وبعد معركة ملاذ كرد عام 1071 للميلاد سيطر عليها الأتراك السلاجقة، ثم الأراتقة، ثم الأيوبيون الذين حكموها مدة قرن كامل قبل أن يسيطر عليها المغول ثم التركمان.
احتدمت المنافسة على المدينة بين الصفويين – إثر صعود دولتهم مع مطلع القرن السادس عشر الميلادي – والعثمانيين، حيث سيطر كل من الفريقين على المدينة مرات عديدة حتى منتصف القرن السابع عشر الميلادي، بسبب وقوعها على نقطة تماس مع الدولة الصفوية، وكان لها مركز إداري كبير حيث صنفت عاصمة لمقاطعة عثمانية كبرى.
“شهدت المدينة في فترة الجمهورية التركية بعد عام 1923 زيادة كبيرة في عدد السكان ومستوى النشاط الاقتصادي، وخلال فترة إعادة تشكيل الولايات التركية في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين اختيرت ديار بكر باعتبارها مدينة كبرى لتكون عاصمة لكبرى الولايات ذات الأغلبية الكردية في تركيا”.
ديار بكر مدينة الشيخ سعيد بيران زعيم ثورة 1925 و لتي على إثرها أُعدم عدد كبير من الزعامات الدينية بعد الثورة التي أشعلوها ضد أتاتورك مطالبين بعودة الخلافة والشريعة، وتم تعليق جثث الشيخ سعيد – رحمه الله – ورفاقه بفروع شجرة عملاقة أمام الجامع الكبير، وأنقل تلك السطور التي ترجمتها من كتاب أتاتورك لـ جولسيرين أورهون لكم: “وكانوا يدّعون بالقيام بالمظاهرات لحفظ الدين الإسلامي…
على سبيل المثال ما حدث في فبراير 1925 في الأناضول الشرقية في منطقة الفرات العُليا، عندما قاد الشيخ سعيد التظاهرات – وكان شيخًا لإحدي الطُرق – مستغلاً نفوذه وسلطته الدينية ليعارض الحكومة التركية الجديدة لإسقاطها الخلافة وإقامة دولة علمانية، وتحت لواء الإسلام “الأخضر” ادعى أن ثورته من أجل عودة الشريعة فقامت قواته بالسيطرة على العديد من المكاتب الحكومية وقاموا بالتقدم إلى عدة مدن كـ “الأزيغ” وديار بكر، ولم يُهتم كثيرًا في بداية الأمر بخطورة الأمر، ولكن فيما بعد أصدر المجلس مباشرة قانونًا ينص على أنه من يستخدم الدين كوسيلة ليدمر النظام العام فسيتهم بالخيانة، وبنهاية مارس أُحيطت المنطقة أجمعها بالدبابات، ثم قدم للمحاكمة وتم إعدام الشيخ سعيد، ولقد صرح بأنه إذا كان قد تم له النجاح في ثورته لأعاد فتح المدارس الدينية وأعاد الشريعة ولعاد للناس استقلالهم”.
على جانب آخر، مما ساءني كثيرًا حين زرت ديار بكر، أنني وجدتهم يتحدثون الكردية بين بعضهم البعض، لم يسيئني تحدثهم بلغتهم الأم بالطبع، ولكن ما ساءني هو إجبارهم دومًا على أن يتحدثوا بلغة غير لغتهم، في المدارس، في المصالح الحكومية .. إلخ، هذا شعور سيء لا يعرفه إلا من يُجبر على التحدث بلغة غير لغته الأم، فمهما أتقنتها، فإن لغتك الأم تظل هي الصدر الذي ترتاح حين تتحدث به، ظُلم الأكراد كثيرًا في الفترات السابقة ما قبل أردوغان واُضطهدوا كثيرًا.
وسط مدينة ديار بكر
تحاط ديار بكر القديمة بسورعال من البازلت الأسود (يبلغ طوله 5.5 كم)، وهو أكبر سور متواجد فى تركيا ومن أكبر المدن المحاطة بأسوار على مستوى العالم أيضًا، ومن هنا بدأت رحلتي في المدينة، تسلقت السور ونظرت نظرات خاطفة إلى المدينة قبل أن أنزل مستكملاً جولتي في وسط البلد متجهًا إلى خان حسن باشا الأثري الذي تتواجد به الأسواق والمطاعم والكافيهات المتنوعة، ثم اتجهت سريعًا إلى الجامع الكبير لأصلي الجمعة، وهو جامع مبني من طرف السلاجقة في القرن الحادي عشر بالبازلت الأسود والحجر الجيري، ويعتبر من أقدم مساجد تركيا ويسع لحوالى 5500 مصلٍ، وعندما ذهبت هناك وجدت العديد من قوات الشرطة أمام المسجد، ووجدت المسجد ممتلئًا إلى آخره، ولم أجد مكانًا أصلي به بسهولة، واستمعت إلى الخطبة وكانت رائعة بحق، وبعد الانتهاء من صلاة الجمعة وجدت الإمام والمصلين يصلون جماعة من جديد، أربعة ركعات، لم أصلها معهم لعدم معرفتي ماذا يفعلون، وبعد السؤال وجدت أنهم يعيدون صلاة الظهر ثانية بعد الخطبة أو شيئًا من هذا القبيل الذي لم أره من قبل، ومن المعروف أن مذهب أهل ديار بكر شافعي بخلاف مذهب الغرب التركي الحنفي، لذا تختلف بعض الأمور كما حدث ورأيت، وكان صديقي الكردي فيما سبق يذكرني دومًا كدليل على قرب الأكراد من ثقافتنا بتشابه مذهبنا، وإذا سألتم رأيي فبالفعل ثقافة الأكراد أقرب منا من ثقافة الأتراك بوجه عام.
الجامع الكبير من الداخل
بعد الانتهاء من الصلاة اتجهت إلى قصر جميل باشا والذي سيتحول إلى متحف ولكنه فى طور التحويل الآن، فزرته لرؤية معماره، وأعجبني جدًا تصميمه الذي تشعر فيه بأصالة التاريخ التي ستُمزج بعصرية الحاضر بعد تحويله للمتحف، هو مكان يستحق الزيارة قطعًا بلا شك.
كانت الخطة التالية هي زيارة كبري العشرة أعين المبني على نهر دجلة، وهو أول جسر إسلامي يُبنى في الأناضول طوله 178 مترًا وله عشر فتحات (عيون)، لذلك سمي بجسر العشرة أعين، تم ترميمه حديثًا وانتهى ترميمه عام 2010، ومن المؤسف أن النهر لم يكن نظيفًا جدًا، ولكن لا يزال صوت تدفق المياه وتغريد الطيور صاحب تأثير ساحر على كل من يزوره، وكنت سعيدًا جدًا في هذا اليوم برؤيتي لنهر دجلة، ذلك النهر الذي طالما سمعت به ولم أتخيل يومًا أنني سأزوره.
أول جسر إسلامي يُبنى في الأناضول
بعد الانتهاء من الزيارة اتجهت إلى المنارة ذات الأعمدة الأربعة وبدأ المطر، ولكن كان لا بد لى من أن ألتقط بعدستي تلك التحفة المعمارية الغريبة كما سترونها في الصورة، من الأساطير المشاعة حول ذلك المكان أن من يمر سبع مرات بين الأعمدة الأربعة ستحقق له أمانيه!
المنارة ذات الأعمدة الأربعة
اتجهت بعد ذلك إلى كنيسة صرب جيراجوس، التي تم ترميمها بمساعدة خارجية هولندية، والتي تقوم أساسًا على التبرعات الآن، لم أقض الكثير من الوقت هناك، بعد ذلك اتجهت مباشرة إلى الطعام لأقوم بتجربة طعام ديار بكر الشهير، وبالفعل يصدق من يقول إن طعام جنوب شرق الأناضول ألذ كثيرًا من الطعام هنا في بورصة أو في المدن الغربية بوجه عام، ولكن المطبخ العربي لا يزال متربعًا على عرش قمة ذوقي الخاص.
الكنيسة من الداخل
أحد شوارع المدينة