بتواصل انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، يتواصل قلق الدول النفطية التي مُنيت بخسائر كبيرة باتت تهدد موازناتها المالية، فالجزائر مثلاً، من المتوقع أن تصل خسائرها إلى 32.2 مليار دولار بنهاية السنة الجارية، في حال استقر متوسط سعر برميل البترول عند مستوى 60 دولارًا للبرميل.
تداعيات هذه الأزمة خيمت على الوضع العام في الجزائر خاصة مع التوجه نحو فرض سياسة التقشف للحد من مصاريف الدولة، وهو ما عارضته بعض مكونات الساحة السياسية باعتباره سيؤدي لمزيد من الإضرار بالوضع الاجتماعي للجزائريين الهش بطبعه.
وبحسب خبراء الطاقة، من المنتظر أن تتواصل أزمة النفط لـ 30 سنة على الأقل، وهو ما سيضع الجزائر أمام حتمية استصلاح الأراضي الزراعية والشروع في التصنيع والاعتماد الأوسع على السياحة، أي عملية انتقال على مستوى المنوال التنموي وهو ما سيتطلب في أحسن الحالات 8 سنوات، ما سيضع الحكومة أمام ضغط شعبي حقيقي سيسببه طول فترة التقشف الاضطرارية خاصة مع التقليص المسجل في حجم الدعم ليشمل 3.6 مليون فقير من أصل قرابة 40 مليون نسمة، ورغم أن بعض الإحصائيات تشير إلى عدد 6.3 مليون يحتاجون أن يشملهم هذا الصندوق.
وفي سياق البحث عن حلول لتدارك تبعات أزمة تراجع أسعار النفط، بدأ الحديث في بعض وسائل الإعلام الجزائرية على ضرورة مضي النظام لمصالحة اقتصادية مع مبيضي الأموال الفارين من الجزائر أسوة بما طرحه سنة 1999 ضمن مشروع “الوئام المدني” عقب التحارب الداخلي المسلح أو مشروع “المصالحة الوطنية” سنة 2004، وهو نفس الموضوع الذي خلق سجالاً في الجارة الغربية مع تقديم الرئيس التونسي لمشروع قانون مصالحة مماثلة يهدف لاسترجاع أموال هربت خارج البلاد من طرف رجال أعمال تورطوا في فساد مالي في عهد النظام السابق.
في هذا السياق، يقدر خبراء اقتصاديون جزائريون أن الوضع الاقتصادي بات يحتاج قرارًا استثنائيًا من الرئيس بوتفليقة يقضي بإطلاق برنامج للمصالحة الاقتصادية يشمل رجال المال والأعمال وأصحاب “الشكارة” (الأموال بالعامية الجزائرية) الفارين إلى الخارج والمتورطين في التهرب من الضرائب وجرائم تبييض الأموال بهدف فتح الباب أمامهم لضخ أموالهم في خزينة الدولة والبنوك مع معاملتهم كما يعامل “الإرهابي التائب” في إشارة لما تم تطبيقه في مشروع الوئام المدني.
ويقدر الخبراء أن تكون عائدات مثل هذه المصالحة والتي تستوجب أن تغض السلطات الطرف عن التجاوزات التي ارتكبتها بعض الأطراف في السابق في حدود 3700 مليار دينار، وهو ما يمكن أن يمنح الحكومة أريحية في التعاطي مع أزمة البترول، خاصة إذا ما فعلت ما يعادل الـ 400 مليار دولار متوزعة بين احتياطي الصرف وصناديق الاستثمار المتنوعة والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنوك اليابان وبريطانيا وصندوق النقد الدولي.
وفي ظل العزوف عن ضخ الأموال في البنوك الجزائرية وفق ما أكدته أرقام غير رسمية، والتوجه تدريجيًا نحو اختناق على مستوى السيولة مع الأزمة السابقة ذكرها، ستحتاج الدولة بحسب خبراء إلى الدخول أيضًا في عملية مصالحة شاملة مع بارونات التجارة الموازية أو السوق السوداء الذين عادة ما يديرون أموالاً طائلة خارج إطار تحكم الدولة وقنواتها العادية فيها.
ورغم أن وزارة المالية تحدثت عن تسجيل عمليات ضخ أموال معتبرة تمت في إطار إدخال الموارد للبنوك والامتثال الضريبي التطوعي الذي أقره قانون المالية التكميلي 2015، يشير خبراء اقتصاديون إلى تسجيل عزوف حاد لدى بعض الفئات يتقدمهم التجار والفلاحون عن الاستجابة لعرض الحكومة فهؤلاء يفضلون التعاملات الموازية.
وينظر لهذه المصالحة الاقتصادية على أنها ستمكن بارونات الخفاء من الظهور إلى العلن على أن يتم منحهم إعفاءات جبائية وشبه جبائية لمدة 10 سنوات وتسهيل الإجراءات التي تدفعهم لممارسة نشاطهم بشكل قانوني حتى تكون المصالحة مع الاقتصاد الموازي أقصر الطرق للتخلص من شروره.
مثل هذا التمشي الذي تبنته تونس ويبدو أنه جاري التسويق له في الجزائر يحيل إلى حقيقة أن النفوذ الحقيقي في مختلف الأنظمة ديمقراطية كانت أم تسلطية هو بيد أصحاب الأموال، وحتى الحديث عما سيفتحه هذا الباب -المصالحة الاقتصادية – من تقنين للسرقات الضخمة وتبييض الأموال وجرائم التهرب الضريبي تصبح بلا قيمة، لدى صناع القرار، حينما تصبح الاقتصاديات تنذر بالانهيار ويصبح توفير السيولة حاجة حيوية وليس خيارًا من بين الخيارات.
وبالإضافة إلى التسوية الاقتصادية ضمن باقي التسويات التي تحتاجها دولنا العربية اليوم لخلق حالة من الانسجام الداخلي، من المهم أن تعيد الأنظمة الحاكمة النظر في الرسوم الجمركية الخرافية التي تفرضها على التجار، الذين يدخلون سلعهم لكن عوض دفع الإتاوة للدولة لتستفيد منها، يدفعونها لحيتان السوق السوداء الذي يسيطرون على الموانئ بأنواعها، لأنهم “أرأف بحالهم”.