نوبل تونسيّة…يوم أغر وتفاصيل أخرى

يوم أغر…هكذا صدّرت حركة النهضة التونسية بيانها المحتفيَ بحصول المنظمات الوطنية الأربع على جائزة نوبل للسلام اعترافًا بدور هذه المنظمات في دفع عملية الحوار الوطني بين الفرقاء الذي أوصل البلاد إلى كتابة دستورها الجديد وإلى تثبيت الهيئات الدستورية وإلى استئناف ما تبقى من المسار الانتقالي، حتى إذا جاءت الانتخابات التشريعية والرئاسيّة في نهاية هذه المسار دخلت تونس رسميًا مرحلة الجمهوريّة الثانية.
للتونسيين أن يفرحوا بهذا الإنجاز التاريخي وبهذا الاعتراف الدولي بريادة تجربتهم وتقدمها أشواطًا مهمة مقارنةً بغيرها من دول الربيع العربي، ولحركة النهضة من دون كل الأطراف المشاركة في عملية الحوار التي أطرتها و أشرفت عليها الرباعية أن تكون أكثر الأطراف انتشاءً واحتفاءً بهذا التتويج.
حصول “الرباعية” الراعية للحوار التونسي على جائزة نوبل للسّلام يغلق الباب نهائيًا أمام أية دعوات أو مساعي محتملة أو ممكنة لإقصاء النهضة من المشاركة السياسية فالاعتراف الدولي بنجاح الأطراف المتخاصمة في الوصول إلى بر سلام أنهى المسار الانتقالي يعدّ اعترافًا بكل هذه الأطراف مجتمعة، وخاصةً وأساسًا تيار الإسلام السياسي الّذي كان أحد المعنيين الأساسيين إن لم نقل أكثرهم بمسار الحوار وبمخرجاته، وهو الذي ظلت علاقته بالمنظومة الدولية طوال سنوات خلت مشوبة التوتر لسنوات طويلة.
تيار الإسلام السياسي الممثل في تونس بحركة النهضة يقف بعد هذا التتويج ثابت الأقدام واثق الموقف وهو ينفض عن أكتافه ركام ثلاثين عامًا من الاتهامات بالإرهاب والتطرّف، تلك الاتهامات التي كانت تتفنن في اختلاقها وسردها دوائر نظام بن علي ونخبه، وهي التي كانت سببًا في إقصاء الحركة من المشاركة السياسية وفي التنكيل بأبنائها والزج بهم في السجون، أما عن الرسائل التي توجهها النهضة اليوم عبر “نوبل التونسية” فهي كثيرة وفاصلة أهمها موجه نحو خصومها من دعاة الاستئصال، ومفادها أن الزمن غير الزمن وأن العهد غير العهد وأن النهضة أصبحت بإجماع العالم طرفًا في صنع السلام ومفتاحًا من مفاتيح الاستقرار، وأن نجاح الإسلام السياسي في صنع الاستقرار في تونس يعني قطعًا قدرته على النجاح في ليبيا ومصر وسوريا واليمن وغيرها من دول الربيع العربي التي أضاعت بوصلة الاستقرار.
الانتشاء بهذا الإنجاز التاريخي والغير مسبوق في تاريخ تونس لا يجب أن يخفي حقائق وتفاصيل مهمة ميّزت هذا الحوار، فالتكريم الذي نالته تونس ممثلة في “الرباعية” كان تكريمًا من أجل فكرة الحوار كإطارٍ أوحد لحل الخلافات السياسية، وكان كذلك تكريمًا لالتزام الجميع بمقررات الحوار و مخرجاته، إلا أن حركة النهضة الطرف الرئيسي في هذا الحوار ربما لم تكن لتنخرط فيه وتلتزم به لولا شدة وطأة الاغتيالات السياسية على شرعية حكمها، وتحالف جزء واسع من المعارضة مع المنظومة القديمة ضدها بالإضافة إلى الانتكاسات التي منيت بها تجارب الإسلام السياسي بعد الثورات.
من ناحية أخرى، يعلم التونسيون جيدًّا أن صورة الرباعيّ الراعي للحوار بدورها ليست بالنصاعة وبالمثالية التي تبدو لمن يتابعون المشهد من الخارج.
لنتفق أولًا أن المكونين الرئيسيين للرباعية الراعية للحوار الوطني وهما الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في تونس) والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة (منظمة رجال الأعمال) كانا المكونين الأكثر فاعلية وتأثيرًا في عملية الحوار الوطني، على عكس هيئة المحامين والرابطة التونسية لحقوق الإنسان اللتان كانا حضورهما أقل أهمية، ولنتفق كذلك أن العلاقة بين النقابيين ورجال الأعمال في المنظمتين تميّزت تاريخيًا بالشد والجذب، فلا يستقيم من حيث المبدأ أن تكون العلاقة بين النقابيين الذين لديهم في الغالب ميولات يسارية ورجال الأعمال الذين يمثلون رأس المال علاقة ود وتنسيق مشترك، وما حصل في الحوار الوطني من التقاء غير مسبوق بين المنظمتين لم يكن إلا التقاءً لمصالح اتحاد الشغل المسيس، حتى النخاع بمصالح رجال الأعمال الّذين راكم جلهم الثروة والامتيازات عبر ارتباطهم الوثيق بالنظام القديم.
إذ تمثل هدف هذا الالتقاء في إبعاد الإسلاميين من الحكم حيث لا اليسار داخل الاتحاد ولا المنظومة القديمة بكافة تمظهراتها ونوافذها كانا يرغبان في تواصل حكم الإسلاميين خاصةً وأن على جانبهم الأيسر حزبًا ثوريًا عالي السقف هو حزب المؤتمر.
تهيئة الطريق نحو محطة الحوار الوطني كان بِسيل كثيف من الاضطرابات والاعتصامات أنهكت حكومة الترويكا التي كانت تقودها حركة النهضة، آنذاك لم تبدِ منظمة رجال الأعمال حرجًا كبيرًا من منسوب الاضطرابات المرتفع الهادم للاقتصادي الوطني ولفرص الاستثمار، حتى إذا انطلق الحوار الوطني بإشراف الرباعية رفضت حركة النهضة وحزبا المؤتمر ووفاء المشاركة فيه، ذلك أن هذه الأحزاب الثلاثة كانت ترفض الجلوس جنبًا إلى جنب مع حزب نداء تونس الّذي كانت هذه الأحزاب تعتبره نسخةً معدّلةً من النظام القديم، قبل أن تغيير النهضة موقفها بعد ثمانية أشهر ساعيةً لتقليص الفترة الانتقالية بأكبر قدر ممكن.
كانت النهضة تعلم منذ البداية كما بقية الأحزاب المشاركة والمقاطعة للحوار الوطني أن أحد أهم أهداف هذا الحوار كانت إعادة الواجهة السياسية للنظام القديم وإكسابها شرعية جديدة وهو ما وجدت النهضة نفسها مرغمة على القبول به تحت وطأة الاغتيالات السياسية والدعوات المتصاعدة والصريحة إلى الانقلاب عليها.
ينسى المنتشون بخمرة هذا التكريم التاريخي أن الرباعي الراعي للحوار لم يكن متحمسًا لتلازم المسارات الذي تمسكت به النهضة بشدة، وهو الّذي ألزم المشاركين في الحوار بإنهاء كتابة الدستور وانتخاب هيئة الانتخابات وغيرها من استحقاقات المرحلة الانتقالية قبل تسلم حكومة من المستقلين لمقاليد السلطة، وينسون كذلك أن الحوار الوطني كاد يفرض اسم محمد الناصر كرئيس حكومة مستقل وهو الّذي تبين بعد أشهر انتماءه لحزب نداء تونس بل و ترشحه عن إحدى قائماته في الانتخابات التشريعية قبل توليه منصب رئيس الحزب.
أيضًا ينسون أن المهدي جمعة الذي أتى به الحوار الوطني لرئاسة الحكومة تميزت سياسته وفريقه الوزاري بالضبابية وبالارتجال وأنه قام بأكثر الأخطاء والخروقات فداحة، خاصّة في ملفي الطاقة والثروات الطبيعية وأنه ألغى مؤتمر منظمة الشفافية الدولية الذي كان مقررًا في تونس، ينسون أيضًا أن الحوار الوطني كان بوابة لعملية استئصال واسعة لمن عينتهم الترويكا في الإدارات والمؤسسات، بينما لا نسمع الآن للمنظمات الراعية للحوار صوتًا والحزب الحاكم ينشر بكثافة منتسبيه والمقربين منه في كل المواقع والمستويات في المؤسسات والإدارات.
نجح الحوار الوطني في تجنيب البلاد منزلقًا دمويًا صيف 2013 ونجح بعد عام من ذلك في بلوغ هدفه البعيد وهو إعادة جزء من المنظومة القديمة إلى الحكم، لكن الأسابيع الأخيرة أبانت عن تصدّع كبير في أجنحة هذه المنظومة، إذ وصل بها الأمر إلى سباب وتخوين بعضها البعض في المنابر الإعلامية، وعن تدهور كبير في العلاقة بين طرفي الحوار الوطني الرئيسيين اتحاد الشغل واتحاد الصناعة و التجارة وصل إلى تبادل الاتهامات حول ملف المفاوضات الاجتماعية في القطاع الخاص، وهو خلاف يكشف إلى حد ما خلفية تحالف المنظمتين عندما كان الإسلاميون في الحكم و سبب خصومتهما بعد خروج الإسلاميين منه.