ترجمة وتحرير نون بوست
تواصل مصر احتلالها لنطاق واسع من تغطية وسائل الإعلام، سواء على النطاق الإقليمي في العالم العربي، وأيضًا على النطاق الدولي في الإعلام الغربي؛ فمنذ عام 2013، وإبان إطاحة الجيش المصري بالرئيس محمد مرسي من منصبه في أعقاب احتجاجات واسعة النطاق، تم وصف السلطات السياسية في مصر بشكل مستمر باسم “النظام المصري”، وهو الأمر الذي درجت عليه بشكل خاص وسائل الإعلام الناطقة باللغة الإنجليزية عالميًا، ولكن هل كلمة “نظام” تنطبق حقًا على حالة القاهرة؟
في حوار ساخن بيني وبين مسؤول إيراني كبير جرى قبل بضع سنوات خلت، وصفتُ السلطات الإيرانية باسم “النظام الإيراني”، وكان ذلك نابعًا من شعوري بأن هذا النظام دعم بشكل فاضح السياسات المعيبة في سورية، وحينها اعترض المسؤول الإيراني، بشكل من الدعابة، على استخدام كلمة “النظام”، وزعم بأنها كلمة “خفيفة الوطأة” لوصف السلطات في بلاده، ولكنني مع ذلك لم أتوقف عن استخدام الكلمة.
كان للمسؤول الإيراني وجهة نظر معتبرة، فرغم أنه نادرًا ما يتم استخدام كلمة “النظام” بطريقة إيجابية عندما تُنعت بها سلطات الدولة، كونها كلمة تحمل تعبيرًا ضمنيًا سلبيًا بطريقة أو بأخرى، ولكن من وجهة نظر معينة، يمكن لهذه الكلمة أن تحمل معنى المجاملة، لأن “النظام” هو الكيان الذي يدير المؤسسات بشكل متماسك وحازم.
نظام أم لانظام؟
هل يمكن للمرء أن يصف السلطات الحاكمة في القاهرة بأنها “نظام”؟
بشكل عام، تحليل السلطات الحاكمة في البلاد ليست أمرًا يسهل الانخراط به في هذه الأيام، ولكن بدلًا من استخدام كلمة “نظام”، يمكن للمرء أن يحلل ثلاثة نماذج تنظيمية لشرح كيف تعمل – أو لا تعمل – هذه التوليفة السياسية.
الأول هو نموذج تاريخي وأيضا مألوف لمصر، وإنني لا أزعم بأنني من قمت بإيجاد هذه المقارنة، بل زميل لي تحدث تحت قواعد تشاثام هاوس، هو الذي عبّر عنها أولًا، هذا النموذج يتمثل بسلطنة المماليك في مصر، وهو نموذج جدير بالاهتمام والتأمل لفهم الكيفية التي تعمل بها مصر اليوم، لأنه في عهد مصر المملوكية، كان السلاطين يمتلكون أعدادًا هائلة من المماليك (الجنود)، ولكن أي أمير قوي كان يمكنه بذات الوقت أن يمتلك عددًا من القوات المحاربة أيضًا، فإذا اعتبرنا العهد المملوكي مجسدًا للسلطة، يضحى من الواضح لدينا بأن هذه السلطة لا تمتلك أي قوة مركزية موحدة، بل هي عبارة عن مراكز سلطة متفرقة، ولكنها متفقة بشكل كامل على انتهاج مسار أساسي واحد.
في القاهرة اليوم، يتفق العديد من المراقبين بأن السلطة متفرقة بالتأكيد، وليست موزعة بشكل جيد ضمن شبكة واحدة، بينما “النظام”، من ناحية أخرى، هو بالتأكيد أكثر تماسكًا بكثير، والجدير بالذكر هنا بأنه حتى عندما تم إزاحة المماليك من الحكم، واصلوا حيازة قدر كبير من السلطة، وأحد الأسباب التي حذت بمحمد علي في القرن الـ19 لإعلان الحرب عليهم أساسًا كانت تتمثل بقوتهم الإقطاعية، فهم كانوا يملكون، بشكل فعلي، أكثر أراضي مصر، وهذا يتعارض مع رؤية محمد علي للسيطرة على البلاد، وفي نهاية المطاف، يسجل التاريخ بأن نهاية المماليك كانت مروعة، فمحمد علي لم يكن رقيقًا بالتعامل معهم بتاتًا.
النموذج الثاني هو نموذج لدولة أخرى، ولكنها معاصرة للغاية، وهي دولة روسيا فلاديمير بوتين؛ ففي ذروة سلطنة المماليك كانت المملكة تمثل قمة العظمة السياسية والاقتصادية والثقافية في عصر القرون الوسطى، واليوم لا يمكن القول بأن روسيا بوتين تقل عن ذلك أبدًا.
روسيا قوية بالتأكيد على المسرح العالمي، ولكن بوتين لم يجعل من بلاده معقل جذب كبير للعالم، ومن ناحية أخرى، فلاديمير بوتين هو شخصية شعبية في روسيا؛ ففي عهد سلفه، كانت روسيا ترزح تحت وطأة أزمة مالية هائلة، حيث تراجع الناتج المحلي الإجمالي، أطردت معدلات الفقر، وازداد القلق بسبب اضطراب الأوضاع الأمنية الناجم عن زيادة نشاط المجموعات المسلحة.
بوتين تولى السلطة من بوريس يلتسين، وفرض النظام، وكان محظوظا بارتفاع أسعار النفط، ويكفي لنا أن نقارن بين حياة المواطن الروسي المتوسط تحت كنف بوتين مع ما كانت عليه من قبل، ليصبح من السهل علينا أن ندرك سبب الشعبية العارمة التي يتمتع بها بوتين.
الدون المصري
علاوة على ذلك، فإن القلق حول الاستقرار والنظام هو مسألة أساسية جدًا، حتى لو كان ذلك على حساب الحقوق المدنية، وهذا الواقع يبدو صحيحًا في مصر اليوم كذلك؛ فلم يكن لرئاسة عبد الفتاح السيسي أن تأتي إلى السلطة بدون وعود تحقيق الاستقرار وفرض النظام، وعلى العموم، فإن غالبية الشعب المصري، يعتبرونه راعٍ للاستقرار في البلاد، سيما في ظل الوضع الأمني الداخلي المهلهل، فضلًا عن الوضع الإقليمي الخطر.
قد لا يتمتع هذا النوع من النظام بالديمومة اللازمة، وهو الأمر الذي أوضحه العديد من النقاد من خلال أدلة حاسمة تعاضد رأيهم هذا، ولكن التصورات ليس من الضروري أن تكون صحيحة دائمًا، خاصة وأن هذا الحكم السياسي يعمل بشكل جيد، على الأقل في الوقت الحالي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن مراكز السلطة المتفرقة داخل روسيا تحمل أيضًا بعض أوجه الشبه المثيرة مع مصر، ولكن مع ذلك، فإن أيًا من أوجه الشبه تلك لا يمكن اعتبارها إيجابية بشكل خاص، فبعد كل شيء، لا يمكن أن يُنظر لروسيا باعتبارها نموذجًا للفضيلة، فهي تقبع في المركز الـ122 من أصل 167 دولة في مؤشر الديمقراطية، كما أن مشروع العدالة العالمية يصنف روسيا في المركز الـ80 من أصل 99 دولة من حيث “سيادة القانون”.
مقارنة مصر مع روسيا هي مقارنة يعتنقها العديد من المحللين، ولكن هناك نموذج أخير قد يكون من المثير للاهتمام أن نأخذه بعين الاعتبار، وهو النموذج الإيطالي، ولكن للأسف، هذا النموذج لا يمثل الدولة الإيطالية الحالية، رغم أنه كان من الرائع فعلًا أن تنطوي المقارنة على تشبيه مصر بثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، الذي يشهد ارتفاعًا ملحوظًا في مستوى التنمية البشرية، كما يتمتع بأعلى متوسط أعمار متوقع ضمن دول الاتحاد الأوروبي.
ولكن للأسف المقارنة هنا هي أقرب إلى المستوى القاعدي، فالنموذج الثالث يتمثل بمافيا صقلية، والجدير بالذكر هنا بأن صقلية كانت سلطنة عربية مسلمة، وبعض المؤرخين يقولون بأن كلمة “مافيا” مستنبطة من الكلمة العربية “مرفوض”، ولكني لا أتفق مع ذلك.
لقد شاع مفهوم “الأب الروحي” من خلال مجموعة متنوعة من الأفلام التي تحمل ذات الاسم، ولكن هذا المفهوم لم تخلقه وسائل الإعلام، وهو أحد المفاهيم التي أثارت الكثير من الجدل بين المؤرخين، الذين جادل بعضهم بأن الـ”كابو دي كابي”، أو “زعيم الزعماء”، هو شخصية خيالية، ولكن يصر آخرون على أن هذا المفهوم له تجسيد حقيقي، إنه في الحقيقة مفهوم مثير للاهتمام؛ فمرة أخرى، العديد من المراقبين للشأن المصري يقولون بأنه بدلًا من استعمال كلمة “النظام” التي تستبطن معنى التماسك، من الأجدر بنا أن ننظر إلى الحكم السياسي الحالي للبلاد بأنه عبارة عن مراكز سلطة متفرقة، تقبع على رأس هيكلها شخصية خارقة للعادة، ومن هذا المنطلق، يوجد بعض التشابه بين مصر والمافيا الصقلية.
في حالة صقلية، كل مركز سلطة “أسرة” يقبع على قمته “رئيس” أو “دون”، ومراكز السلطة الفردية تتمتع بدرجة معينة من الحكم المستقل الذاتي، وفي خضم ذلك، يحق لزعيم الزعماء استعمال حق النقض “الفيتو”، والسؤال هنا، متى يمكن له استخدام هذا الحق، وهل هو قادر على الحفاظ على مستوى معين من توافق الآراء حول القضايا الرئيسية، أم لا؟
إن استطاع الحفاظ على الإجماع، ولم تتمرد العائلات الأخرى، فسيستمر “الأب الروحي” في حكمه، وهذا لا يعني بأنه يدير مملكته بسلطات ديكتاتورية كاملة، حيث يقدم له الجميع فروض الطاعة والولاء، بل إن إدارة الأمور تعتمد على قواعد تعسفية أكثر من اعتمادها على أسس النزاهة، والمنظومة الحاكمة تعول على ديناميكيات السلطة، أكثر من تعويلها على حكم العدالة، ومن هذا المنطلق لا يمكن نعت هذه المنظومة بأنها قائمة على احترام الحقوق والمسؤوليات الأساسية.
إذن، وفقًا لما تقدم ربما لا يمكن اعتبار الحكم السياسي المصري على أرض الواقع بأنه “نظام” بالمعنى الحقيقي للكلمة. والمفارقة هنا، أنه وبشكل نسبيّ، قد يكون من الأفضل أن تكون السلطة في مصر “نظامًا”.
المصدر: موقع قناة العربية باللغة الإنجليزية