بيرناردينو ليون عمل سراً مع الإمارات لدعم حفتر في ليبيا

000_Par8263589

ترجمة وتحرير نون بوست

كتب روري دوناغي ودانيا عقاد:

وفقاً لما كشفت عنه رسالة بريد إلكتروني اطلعت عليها صحيفة الميدل إيست آي، كان بيرناردينو ليون يعمل سراً مع دولة الإمارات العربية المتحدة لدعم أحد أطراف الحرب الأهلية الدائرة في ليبيا، أثناء عمله كمبعوث للأمم المتحدة، وفي خضم محاولاته للتوسط لإنهاء الصراع في البلاد.

في 31 ديسمبر من العام الماضي، أرسل ليون، وهو دبلوماسي إسباني من ذوي الخبرة، بريداً إلكترونياً إلى وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان، عبر وسيط الإماراتي لأسباب أمنية، أوضح فيه بأنه كان يعمل بناء على طلبات أبو ظبي في دوره كوسيط للأمم المتحدة.

“جميع تحركاتي ومقترحاتي تم التشاور بها (وفي كثير من الحالات تصميمها) مع مجلس نواب طبرق وعارف نايض ومحمود جبريل (الذي أتحدت معه بشكل يومي) وذلك بناءاً على طلبكم”، كتب ليون في رسالة البريد الإلكتروني، الموجهة إلى عبد الله بن زايد في أبو ظبي.

محمود جبريل هو سياسي ليبي بارز يعيش في دولة الإمارات العربية المتحدة، شغل سابقاً منصب رئيس الوزراء المؤقت في ليبيا أثناء الثورة المدعومة من حلف الناتو عام 2011 والتي أطاحت بمعمر القذافي، وعارف نايض هو سفير مجلس نواب طبرق إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.

أشار ليون في أكثر من موضع من البريد الإلكتروني إلى المحادثات السابقة مع عبد الله بن زايد، وإلى الطرق التي أطّر فيها خطته لكي تستفيد منها الإمارات العربية المتحدة، وفي إحدى المواضع أشار ليون إلى أن “الأمم المتحدة لا تشكل اليوم مشكلة بالنسبة لمصالح البلاد التي ناقشناها”، ويقصد هنا مصلحة الإمارات، وأردف قائلاً: “ولكن من الواضح بأنني لا أعرف ما الذي يمكن أن يحدث في المستقبل”.

نشرت صحيفة الغارديان تقريراً مطولاً عن البريد الإلكتروني المسرب يوم الأربعاء المنصرم، ناقلة أخباراً عن اعتزام ليون مباشرة العمل لصالح الإمارات ابتداءاً من ديسمبر المقبل براتب شهري يبلغ 35.000 جنيه استرليني شهرياً، بمنصب مدير أكاديمية الإمارات الدبلوماسية، وهي الأكاديمية التي تضطلع بتدريب الدبلوماسيين الإماراتيين، ويرأس مجلس أمنائها عبد الله بن زايد آل نهيان.
وفي ذات السياق، عقد ليون مؤتمراً صحفياً في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم الخميس، أوضح فيه بأنه “ملتزم بالإجراءات” فيما يخص عمله الجديد في دولة الإمارات العربية المتحدة، واعترف بأنه كان قادراً على القيام بمهمته بليبيا بشكل مختلف، ولكنه دافع عن محاولاته الحثيثية للتوصل إلى اتفاق سلام بين الأطراف المتنازعة في ليبيا.

“المئات من الليبيين عملوا بكد لمدة سنة كاملة للتوصل لهذا الاتفاق” قال ليون للصحفيين، وأردف: “هل من العدل أن نقول الآن بأن نتيجة كل هذا العمل كانت منحازة؟”.

محاولات إزالة المجلس الوطني العام

تدور اليوم حرب أهلية طاحنة في ليبيا للظفر بالسيطرة على البلاد، التي تعد أكبر دولة إفريقية في احتياطيات النفط، أحد جوانب النزاع يتمثل بالمؤتمر الوطني العام في طرابلس، المدعوم عسكرياً من قِبل تحالف مصراتة بقيادة فجر ليبيا، ويُقال أيضاً بأن المؤتمر يحصل على دعم من قطر وتركيا.

على الجهة الأخرى، تم انتخاب مجلس النواب الليبي في يونيو من العام الماضي ليحل محل المؤتمر الوطني العام، لكنه اضطر للتحرك شرقاً من طرابلس إلى طبرق، بعد أن استولت حركة فجر ليبيا على العاصمة في سبتمبر، ويتحالف مع مجلس نواب طبرق الجيش الوطني الليبي، الذي يرأسه الجنرال المخضرم خليفة حفتر، المدعوم بدوره بشكل كبير من قِبل الإمارات العربية المتحدة، ويشمل هذا الدعم الجانب العسكري الذي تجسد بمباشرة أبوظبي بقصف مواقع لفجر ليبيا في طرابلس في العام الماضي.

على الصعيد الرسمي، يحاول ليون التوسط للتوصل إلى اتفاق سلام بين مجلس نواب طبرق والمؤتمر الوطني العام لتشكيل حكومة وحدة وطنية وإنهاء الحرب الأهلية المستمرة التي أسفرت عن مقتل أكثر من 4000 شخص في غضون 18 شهراً.

ولكن على عكس المهمة المكلف بها رسمياً، أشار ليون صراحة في بريده الإلكتروني المرسل لعبد الله بن زايد، إلى أن مؤتمر السلام الذي يعامل الجانبين المتحاربين على قدم المساواة، هو أسوأ خيار حل ممكن في ليبيا، حيث جاء في الرسالة “إنه (مؤتمر السلام) أسوء خيار، كما كنتم (عبد الله بن زايد) قد أشرتم إليه بحق سابقاً، لأنه سوف يعامل كلا الجانبين كفاعلين على قدم المساواة”، موضحاً بأن مؤتمر السلام الذي سيتجاوز “شرعية” مجلس نواب طبرق.

تتضمن خطة ليون، على النحو المبين في البريد الإلكتروني، التوفيق بين حفتر وميليشيات مصراتة، و”إزالة” المؤتمر الوطني العام الذي يهمين عليه الإخوان المسلمين.

على النطاق الدولي، يعترف المجتمع الدولي بمجلس نواب طبرق على أنه البرلمان الليبي الشرعي، ولكن مع ذلك، تشهد هذه الشرعية تنافساً حامي الوطيس على الجبهة الداخلية؛ فالمحكمة العليا، التي يقع مقرها في طرابلس ضمن نطاق سيطرة فجر ليبيا، أصدرت حكماً في شهر نوفمبر من العام الماضي ينزع الشرعية عن مجلس نواب طبرق.

ومن الجدير بالذكر، أن المؤتمر الوطني العام مُهيمن عليه من قِبل أعضاء حزب العدالة والبناء، وهو فرع جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، وهي الجماعة التي حظرتها الإمارات المتحدة واعتبرتها جماعة إرهابية في نوفمبر الماضي، ولاحقت أعضائها بحزم في الداخل والخارج الإماراتي منذ عام 2011، تحت قيادة ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان.

بغية تجنب عقد مؤتمر للسلام يُعامل ضمنه المشاركون بطريقة متساوية، أخبر ليون وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة عن خططه حول “وضع إستراتيجية، أنا متأكد من أنها ستنجح، لنزع الشرعية تماما عن المؤتمر الوطني العام”.

كانت خطة ليون تتمثل بتوحيد مجلس نواب طبرق، في الوقت الذي كانت يعاني منه المجلس من اقتتال داخلي، والحصول على دعم دولي لحفتر، بالتزامن مع العمل على “لإزالة” المؤتمر الوطني العام، من خلال تقدير فيما إذا كان السياسيون “المعتدلون” في مصراتة على استعداد للانشقاق عن برلمان طرابلس.

“يمكنني أن أساعد وأسيطر على العملية طالما أنني موجود في منصبي”، كتب ليون.

التشكيك بالدور الوسيط للأمم المتحدة

بعد حوالي العام من إرسال رسالة البريد الإلكتروني، تبدو عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة في ليبيا بحالة من الفوضى؛ ففي أواخر سبتمبر، أعلن ليون أن خطة السلام الليبية قد تم استكمالها، وأن مشروع الاتفاق عُرض على الأطراف للتناقش فيه.

ولكن تبعاً لتهميشه للمؤتمر الوطني العام من خلال حصر دوره بالجانب الاستشاري بدلاً من تفويضه بصنع القرار، تم رفض الاتفاق في طرابلس، وتضاربت التقارير حول ما إذا كان مجلس طبرق، والذي خضع لضغوطات متزايدة مع انتهاء فترة ولايته الأولى في 20 أكتوبر، قد وافق على مشروع الاتفاق أم لا.

على الأرض، أشعل مشروع الاتفاق غضب المتظاهرين من كلا الجانبين، الذين ركبوا شوارع ليبيا للتعبير عن احتجاجهم، بما في ذلك مظاهرة سلمية في بنغازي أسفرت عن مقتل ستة أشخاص وإصابة تسعة آخرين بجروح، جرّاء إطلاق صواريخ على التجمع الذي يقدر بالآلاف.

أشار المشاركون والمراقبون المطلعون على عملية التفاوض لصحيفة الميدل إيست آي يوم الخميس، بأن كشف علاقة ليون مع الإمارات العربية المتحدة لم تكن حدثاً مفاجئاً بالنسبة لهم، “هذه المسألة ليست جديدة، وهناك علامة استفهام عن السبب الذي يقف خلف الكشف عن هذه العلاقة في هذا الوقت، الذي يتزامن مع اللحظات الأخيرة لترك ليون لمنصبه وتسليمه لشخص آخر”، قال محمد عبد الملك، المتحدث الأوروبي باسم حزب العدالة والبناء.

“أنا أكثر من واثق بأن الأمر لا يقتصر على ما تم كشفه فحسب”، قال محمد الجراح، الباحث الأكاديمي والناشط الليبي في طبرق، معلقاً على رسائل البريد الإلكتروني، وتابع موضحاً: “الأمر أكبر من ذلك بكثير، فهناك الكثير من الأمور الأخرى التي يمارسها الكثير من اللاعبين الآخرين، والتي تعمل على تعقيد المشكلة الليبية، في الوقت الذي لا ينبغي أن تكون فيه المشكلة الليبية معقدة لهذه الدرجة”.
واستطرد الجراح مؤكداً وجود تكهنات واسعة الانتشار حول سعي البلدان الأخرى للتأثير على الأفراد المعنيين والمشاركين بالمفاوضات، وكذلك حول دور الشركات متعددة الجنسيات.

وفي ذات السياق، وإبان المحادثة الهاتفية التي أجرتها صحيفة الميدل إيست آي مع المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، رفض المتحدث الإجابة عن التساؤل حول ما إذا بان كي مون على علم باتصالات ليون مع دولة الإمارات العربية المتحدة، “كل ما يمكنني قوله هو أن الأمين العام يتوقع من المبعوثين أن يركزوا على دورهم الحالي”، قال المتحدث، وتابع موضحاً: “الأمين العام يقدّر عمل السيد ليون، والتقدم الحاصل في عملية السلام في ليبيا يتحدث عن نفسه”.

الكشوفات التي تظهرها رسالة البريد الإلكتروني لا تثير تساؤلات حول ما تعرفه الأمم المتحدة عن هذا الموضوع فحسب، بل إنها تشكك أيضاً بالدور الوسيط للأمم المتحدة، وحتى بوساطة المجتمع الدولي، للمضي قدماً في عملية السلام الليبية.

“بغض النظر عن آرائنا بالاختيار الشخصي للسيد ليون، أعتقد بأن المشكلة الكبرى بالنسبة للأمم المتحدة تتمثل بالتوظيف الفوري للسيد ليون، بعد انتهاء مهمته، لدى طرف يتدخل بالنزاع بصورة مباشرة، وذلك من الناحية المؤسساتية”، قالت كريستينا كوش، رئيس قسم الأبحاث لأوروبا والشرق الأوسط في مؤسسة فرايد الفكرية التي تقع بمدريد، معلقة على وظيفة ليون الجديدة كمدير لأكاديمية الإمارات الدبلوماسية.

من جهته، أشار الجراح، بأن الليبيين سيشككون اليوم فيما إذا كان يمكنهم الوثوق ببديل ليون، مارتن كوبلر، الذي أُعلن عن تجهيزه للمهمة في ليبيا أواخر الشهر الماضي، حيث قال: “المسألة ستثير أيضاً موضوع كسب أحد الأطراف لكوبلر، بل ربما قد تم الاتصال مسبقاً مع كوبلر من قِبل أحد الأطراف”.

يقول عبد الملك بأنه يعرف بأن أحد كبار مساعدي كوبلر على الأقل هو من الأردن، وهو الأمر الذي يسبب له القلق، “الأردن هي دولة أخرى منحازة”، قال عبد الملك، وتابع: “نود أن نرى شخصاً من بلاد معروفة بحيادها، ومشهورة بمعاناتها من بعض أحداث الفوضى التي نشهدها، ربما شخص من إيرلندا أو فنلندا، وهي دول لا تتمتع بروابط اقتصادية مع ليبيا”.

أحد أهم أخطاء ليون، كما يقول عبد الملك، تتمثل بفصله لجانبي الصراع، وحدّه للمواجهات المباشرة بين الطرفين، ولكن ومع ذلك، يجتمع الطرفان سوياً بشكل منفصل، حيث يقول عبد الملك: “الأمور تسير بشكل جيد، وأعتقد بأننا، آخذين بعين الاعتبار ما استطاع ليون تحقيقه، سنكون قادرين على الخروج باقتراح عملي أو اتفاق”.

“قد لا تعجبنا جميع بنود الاتفاق، ولكنني أعتقد بأنه أمر قابل للتطبيق ويمكننا العمل عليه، البناء على أساساته، وتحسينه، وهو أمر مهم للغاية”، قال عبد الملك، وأضاف: “أن نبدأ من جديد، سيكون أمراً رهيباً للغاية”.

المصدر: ميدل إيست آي