معركة تعز: التسليح الحديث في مواجهة ميليشيا “الخرافة”

حين قررت الميليشيات الحوثية الدخول إلى محافظة تعز وضمها إلى قائمة المحافظات المتساقطة في سلة حركة التمرد، التي تحولت إلى سلطة أمر واقع بعصا الانقلاب، مثلت تعز مشكلة للميليشيات لاعتبارات كثيرة، ليست قوة تعز العسكرية طبعًا ما كان يقلق الانقلابيون بل طريقة الدخول والبحث عن عملية إسقاط ناعم لتعز، كما حصل في محافظة إب المجاورة لتعز ومحافظة الحديدة الساحلية.
حاولت قيادات الحركة الميليشاوية بداية الأمر استقطاب قيادات الصف الأول في السلطة المحلية والمجتمع التعزي وبيوت المال، غير أن هذه المحاولة اصطدمت بجدار رفض صلب لحضور الميليشيا الحوثية إلى تعز، وكان المحافظ شوقي أحمد هائل، وقائد المنطقة العسكرية الرابعة حينذاك، محمود الصبيحي، وقيادات الأحزاب والقوى السياسية في جبهة رفض مشتركة لأي تواجد مليشاوي في الحالمة تعز لأي طرف، سواء الإصلاح أو الحركة الحوثية.
وكعادتها في تسويق مبررات إسقاط المحافظات، كان تنظيم القاعدة هو الشماعة التي علقت عليها الحركة المتمردة مطلب الدخول للمحافظة؛ حيث طالبت قيادات الميليشيا محافظ تعز واللجنة الأمنية بالقبض على ١١ شخصًا قالت إنهم من القاعدة ومتهمين بقتل عناصر حوثية من أبناء تعز، وبذلك بدت المهمة للمحافظ كالبحث عن إبرة في كومة قش.
وتوالت التطورات وكان أمام أبناء تعز وقواها الاجتماعية والسياسية خيار وحيد هو العمل المسلح لمواجهة سلاح الجيش والميليشيا الذي يطوقها من كل الجهات ويتمركز في مواقع حساسة ومهمة؛ كون الجيش كان جيش الدولة الشرعي وتمركزه في هذه المواقع منذ عقود وليس سنينًا فقط.
حاولت المقاومة المسلحة، التي تشكلت بسرعة قياسية مستغلة البناء التنظيمي الجيد لحزب الإصلاح والدعم الخليجي الكبير، التمركز داخل المدينة لمنع دخول الميليشيات وتوسعها في قلب تعز، بل وبعد شهور من المواجهات طهرت المقاومة أحياء ومواقع مهمة من الوجود الميليشاوي والعسكري، بعد أن كانت وحدات الجيش المساند للميليشيا متواجدة على بعد أمتار من قلب تعز، تقاطع المركزي الذي يربط التحرير بشارع جمال، أكبر شوارع تعز.
الحركة الحوثية والجيش المساند لها كانت لهما خطة عسكرية؛ تتمثل في السيطرة على مداخل المحافظة وفرض حصارًا خانقًا على سكان المدينة من كل المداخل، بالتوازي مع عمليات حربية لتحقيق تقدم نحو قلب المدينة من 4 محاور.
واستمرت المواجهات والقصف الحوثي بصواريخ الكاتيوشا والمدفعية الثقيلة والدبابات كتكتيك عسكري لإرهاق المقاومة وإطالة أمد المعركة، والرهان على حرب استنزاف طويلة مع مقاتلي الشرعية والمملكة العربية السعودية، كونها الممول للمقاومة
بعد دخول معركة التحالف ضد ميليشيات الانقلاب مرحلة جديدة، عقب تحرير محافظة عدن ومناطق الجنوب بتدخل بري مباشر من دول التحالف وحضور عسكري إماراتي – سعودي كبير، كان على الميليشيات، والجيش المساند لها، أن تدخل هي الأخرى مرحلة جديدة في العمليات الحربية والسيطرة وإعادة الانتشار، وقضم مواقع جديدة لتعويض خسارة رقعة الجنوب الجغرافية، التي تقع تعز على حدود أهم مدنها ومواقعها الإستراتيجية في الجزء الجنوبي الغربي من المحافظة.
وضعت الحركة الحوثية، أو بالأصح الجيش الموالي لها، خطة جديدة لمواجهة تحرك التحالف الجديد ومثلت محافظة تعز الجنوب البديل عن الجنوب المحرر، نظرًا لارتباط تعز الجغرافي والإستراتيجي بالجنوب ومواقع التماس لحدود ما قبل الوحدة، وضعت سلطة الانقلاب وأذرعها العسكرية خطتها على تكتيك يتخذ من الجزء الجنوبي الغربي لمحافظة تعز قاعدة انطلاق وصد في المعركة مع قوات التحالف ومعها وحدات الجيش الوطني وفصائل المقاومة في الجنوب، التي تتأهب لتحرير محافظة تعز.
تتركز الخطة في وضع ٣ جدران عسكرية تبدأ من حدود محافظة لحج مع تعز وتنتهي على مدخل تعز الغربي، ويكون الجدار الأول متمرتسًا في الساحل الغربي لتعز من باب حدود رأس عمران إلى المخاء، ويكون الجدار الذي سيتعامل مع أي محاولات إنزال بحري أو تقدم من جهة عدن لحج على الخط الساحلي، وهو ما حدث فعلًا، حيث تستميت الميليشيا والجيش المساند لها في المواجهة مع زحف قوات التحالف نحو مدينة المخاء وفق تكتيك عسكري متعدد البناء يقوم على استخدام كل أدوات الحرب في المعركة.
الجدار الثاني يبدأ من حدود الصبيحة، مرورًا بالوازعية، وصولًا إلى خط البرح – تعز ـ المخاء، أهم خطوط إمداد الميليشيا والرابط بين تعز، الحديدة، حجة، وصعده، والذي يقع على مساره أيضًا وحدات اللواء ٣٥ الممتدة من بيرباشا بوابة تعز الغربية إلى المخاء على طول ١٠٠ كم.
الجدار الثالث يبدأ من دمنة خدير المحاذية لآخر مناطق التماس مع محافظة لحج مرورًا بأجزاء من جبل صبر، ثم المسراخ وجبل حبشي، وصولًا إلى الربيعي مدخل مدينة تعز ونقطة التقاطع مع محور الضباب، موقع تمركز الجيش الوطني بقيادة العميد يوسف الشراجي.
التكتيك العسكري للميليشيات والجيش المساند لها نظريًا كان أكثر من جيد ويحمل فطنة عسكرية وذكاء كبير، غير أن قوات التحالف واجهت هذا التكتيك بخطة عسكرية أكثر ذكاءً تهدف لعزل الجدار الأول عن الجدار الثالث من خلال هدم الجدار الثاني، الذي يمتد من الصبيحة – الوازعية – البرح، حيث تحركت قوات التحالف من الجنوب في ٣ اتجاهات بوقت واحد، الأول نحو المخاء، الثاني نحو الوازعية، والثالث نحو دمنة خدير، ومنحت القوة الذاهبة نحو الوازعية زخمًا كبيرًا من حيث التسليح والإمداد والإسناد الجوي عبر الطيران الحربي ومقاتلات الأباتشي لتنتهي بذلك معركة الوازعية في زمن قياسي، وتتمكن قوات التحالف من الاقتراب من تحقيق هدفها الأساسي في قطع خط البرح المخاء والتوجه في مسارين؛ الأول نحو المخاء لوضع قوات الميليشيا هناك بين فكي كماشة من جهة البرح، وجهة لحج ذباب، والالتقاء مع قوات هدم الجدار الأول في المخاء وقوات هدم الجدار الثالث في الربيعي، والالتحام بالجيش الوطني في الضباب.
ووسط جغرافيا الجدران الحوثية الثلاثة، وضع جيش صالح نصب عينيه التمركز في مواقع إستراتيجية تكون بديلة للجدران في حال هدمها كاملة أو جزءًا منها، وهذه المواقع هي جبل صبر، الذي يشرف على خطوط التحالف والمقاومة في محافظة لحج ليكون بذلك جبل صبر موقعًا بديلًا؛ نظرًا لإشرافه على الممر العسكري للتحالف من قاعدة العند حتى الحوبان وكل مدينة تعز، الموقع الثاني جبل حبشي، وهو المقابل لجبل صبر والمشرف على الممر العسكري القادم من المخاء حتى الربيعي ومدخل تعز الغربي، الموقع الثالث جبهة راسن المقاطرة، التي يتواجد بها جبل منيف وقلعة المقاطرة، واللذان بالإمكان استهداف عدن المناطق البحرية من عدن من هذه المرتفعات وقطع طريق هيجة العبد الرابطة بين لحج وتعز.
وبالتوازي مع خطط الميليشيات البديلة للتحالف والجيش الوطني وفصائل المقاومة أيضًا تكتيك مقابل، تمثل في زحف الجيش الوطني نحو نجد قسيم الذي يربط جبل حبشي بجبل صبر، وذلك من أجل قطع أي تقدم للميليشيات وجيش صالح وفتح جبهات أخرى في النشمة التربة راسن، تمكنت حتى الآن من أداء دورها بشكل جيد منعت فيه تقدم الميليشيات نحو التربة، وجعلت من المسراخ ساحة قتال ضار بعد أن كانت المليشيات عمدت إلى تحويله إلى نقطة تحرك وإمدادـ وربطه بدمنة خدير وماوية وصولًا إلى معسكرات المليشيات وجيش صالح في محافظة إب.
وهنا يجب الإشارة إلى أن كل الوحدات العسكرية التي غادرت الجنوب توجهت إلى تعز واتخذت من محافظة إب نقطة حشد رئيسية ربطت من خلالها كل الجبهات في تعز بمحافظة إب.
وتقدر المعلومات عدد القوات التي تقاتل مع الحوثي وصالح في محافظة تعز بـ٣٠ ألف مقاتل، متواجدين في تعز وإب ولديهم ترسانة سلاح كبيرة كانت موزعة على ٨ ألوية عسكرية.
وتبدو العمليات الحربية في تعز بين التحالف وحلفائه، والحوثي وجيش صالح وأنصارهم، كمباراة كرة قدم حضرت فيها تكتيكات عسكرية في سجال محتدم حيث لم تعد الحرب المفتوحة ذات جدوى في تعز، غير أن المؤشرات كلها تكشف عن تقدم للسلاح النوعي والحديث والمتنوع حسب كل معركة وليس للقوة الصاروخية، والاستبسال المعجون بثقافة عقائدية ليس لها أفق في واقع اليوم كما يعتقد الحوثيون وأتباعهم، الذين حولوا زعيمهم المختفي في الكهف إلى نصف إله يقدسون كل ما يصدر عنه، حتى وصل خط يده وهو يكتب لهم دعاء النصر إلى غاية كل مقاتل يسعى للظفر بهذا الدعاء بخط السيد.
قوات التحالف تحتاج مساحة من الوقت لإنجاز مهمة تحرير تعز بالتعاون مع الجيش الوطني والمقاومة بفصائلها المتنوعة في محافظة، يعد التنوع صبغتها الأبرز والإجماع على التخلص من وجود الميليشيات القادمة من شمال الشمال مطلب الجميع، ولن تجدي محاولات الميليشيات زراعة الألغام أو استخدام القوة الصاروخية نفعًا أمام قوة عسكرية بتسليح حديث وفتاك، وحاضن اجتماعي لكل تحركات هذه القوة، التي تحركت من جنوب اليمن لتحرير جنوب الشمال تعز.