اغتيال محافظ عدن: داعش تربك الحسابات في اليمن

151206072339_aden_governer_car_640x360_bbc_nocredit

حاول الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي ورئيس حكومته خالد بحاح اعتبار عدن منطقة آمنة وعاصمة مؤقتة لهم، بعد أن تم تحرير المدينة وأجوارها من التواجد الحوثي، لإنهاء مرحلة حكومة الخارج التي تدار من الرياض، لإدارة المعركة مع الحوثيين من داخل الأراضي اليمنية.

بعد تعيين محافظ لعدن، وصلت قوة إماراتية إلى ميناء الزيت في عدن وتسلمت مهمة حماية القصر الرئاسي في المحافظة وهي إشارة أخرى لبداية عملية الاستقرار الحكومي في عدن، وأن زيارة هادي للمدينة لن تكون عابرة.

ليُفاجئ الجميع اليوم أن عدن ليست مدينة آمنة تمامًا كما أعلنها عبدربه منصور هادي من قبل، حيث استهدف تفجير موكب محافظ عدن اللواء جعفر محمد سعد، عبر سيارة ملغمة، ليلقى محافظ عدن وثمانية من مرافقيه حتفهم أثناء مرور الموكب في منطقة جولدمور بحي التواهي في المدينة.

فيما تبنى تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” العملية عبر بيان رسمي تدواله أنصار التنظيم على مواقع التواصل الاجتماعي، جاء فيه إن “هذه العملية الأمنية تم التخطيط لها بدقة، وأسفرت عن قتل المرتد رأس الكفر جعفر سعد وثمانية من زبانيته، وحراسه”، بحسب البيان.

وأضاف البيان تهديدات لجميع المسؤولين في اليمن بقوله: “الأيام بيننا، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”.

يأتي هذا التفجير ليتوج عملية الانفلات الأمني التي تعاني منها عدن عقب استعادة السيطرة عليها من أيدي مليشيات الحوثيين، إذ حدث هذا الاغتيال بعد أقل من 24 ساعة على حوادث مماثلة استهدفت المدينة، من بينها اغتيال رئيس المحكمة الجزائية واستهداف ضابط استخبارات من خلال جهات مجهولة.

أما عن الجانب الآخر فقد ارتبكت حسابات الرئاسة اليمنية، كما حدث نفس الأمر في التحالف العربي الذي تقوده السعودية للحرب في اليمن، بعد أن ظن الجميع أن مشكلة عدن قد حُلت مؤقتًا بإعلانها عاصمة مؤقتة للبلاد، وبعدما كانت تجري استعدادات لإعادة ترتيب الأوضاع الأمنية والاقتصادية داخل المحافظة المنكوبة بفعل الحرب، ومثل هذا الحادث سيوسع من فجوة الفوضى داخل عدن في الأيام القادمة.

وفي أول رد فعل للرئيس اليمني عبدربه منصور هادي على الواقعة، أمر بتشكيل لجنة تحقيق في الحادث، الذي أودى بحياة محافظ عدن للكشف عن ملابسات اغتيال اللواء جعفر محمد سعد، الذي عُين محافظًا لعدن بقرار جمهوري، في أكتوبر الماضي.

 كما أن سجل الرجل العسكري يُسجل تعيينه لواء سابق في جيش اليمن الجنوبي قبل أن تندمج الدولة الجنوبية مع شمال اليمن في العام 1990.

ويعد اللواء جعفر محمد سعد، أحد أهم القيادات العسكرية في الجيش اليمني، التي عملت مع القوات الإماراتية في حرب استعادة مدينة عدن من مسلحي الحوثي، وعليه فقد منح جعفر من قِبل الرئيس اليمني، عبدربه منصور هادي، وسام الشجاعة، تقديرًا للدور الذي قام به في عمليات الإعداد والإشراف على معركة تحرير عدن.

هذا وقد أعلن تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” عن نفسه في اليمن قبل هذا الحادث بكثير، فيما أسماه عناصر التنظيم في اليمن “بولاية صنعاء”، التي تم الإعلان عن مبايعتها لخليفة داعش “أبو بكر البغدادي” في وقت سابق.

أما عمليًا فقد استغل التنظيم حالة السيولة الأمنية في البلاد جراء الاقتتال بين الحوثيين وأنصار الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح من جانب وقوات التحالف العربي والموالين للرئيس عبدربه منصور هادي من جانب آخر، وترجم ذلك عمليًا بعدة عمليات انتحارية استهدفت مساجد وتجمعات لجماعة أنصار الله الحوثي.

التنظيم يُعتقد أنه نشأ في بيئة خصبة لديها استعداد لاحتواء عناصره، حيث يشير خبراء في الجماعات الجهادية أنه يُعتقد في غالبية المنتمين إلى ولاية صنعاء بأنهم يمنيون انشقوا عن تنظيم القاعدة في اليمن صاحب الصيت الجهادي الذائع، أو هؤلاء المتعاطفون الذين ينتظرون ظهور فرع لداعش بالقرب منهم للالتحاق به.

داعش حتى وقت قريب كان يتنكر البعض لوجوده في اليمن من الأساس، بينما كان التنظيم يُفضل الوقوف موقف المتفرج في الصراع الدائر بين الحوثيين والرئيس عبدربه منصور هادي، حتى صعد بخطاب مواجهة “الروافض” – في إشارة إلى الحوثيين – كما يُطلق عليهم التنظيم.

هذه المواجهة كانت بالأساس استهداف لتجمعات حوثية كالمساجد، لكنها امتدت إلى بعض المواجهات العسكرية مثل اغتيال قادة عسكريين ميدانيين داخل مليشيا الحوثي، أو الحدث الأكبر بالنسبة إليهم السيطرة على ثكنة جردان العسكرية التابعة للحوثيين في مدينة عتق في محافظة شبوة، ولكن هذه الضربات لم تكن تُشكل للحوثيين خطرًا عملياتيًا على الأرض في حربهم مع ما يُسمى بالمقاومة الشعبية المدعومة من التحالف العربي السعودي.

أما عملية اليوم فهي استهداف مباشر للسعودية في الحرب وتحالفها بعد إعلان تحرير عدن بالكامل، وهو ما يعني أنها رسالة إلى السعودية مفادها أن الخلاص من الحوثيين في عدن لا يعني استتباب الأمور نهائيًا، وهو إعلان جديد للتنظيم عن نفسه وميلاده في هذا الصراع الدائر باليمن.

كما أن هذا الاستهداف اليوم يُصب مباشرة في صالح الحوثيين الذين سيرون في هذه الأحداث فرصة مواتية لاستغلالها في تكريس الفوضى الأمنية داخل عدن، ولن تتوانى جماعة أنصار الله الحوثي عن استخدام هذه الأحداث للدخول في الملعب الدولي عن طريق فزاعة “داعش” والعزف على ألحان الحرب على الإرهاب لتسويق حكومتهم وسيطرتهم على مجريات الأمور في اليمن لدى الغرب من هذا الباب المفضل.

حتى الآن يمارس تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” أسلوبه المعتاد في المناطق التي يتواجد فيها، حيث التمدد داخل الفوضى، واستغلال كل فرصة سانحة للإعلان عن تواجده، فيما يحتار المحللون في حساب مآلات هذه الخطوات التي يخطوها التنظيم، وهو ما يطرح دائمًا تساؤل لصالح من يلعب تنظيم الدولة في اليمن.

فتارة يرى البعض أنه بهذه الصورة سيطيل من أجل سيطرة الحوثيين على الأوضاع في اليمن، بعد فتح جبهة جديدة أمام السعودية في حربها باليمن بالتواجد الداعشي الذي ستلتفت إليه الرياض لا محالة لتأمين حدودها منه وهو ما سيأخر معركة تحرير صنعاء، بينما يرى آخرون أن إستراتيجية داعش في سوريا هي مثيلاتها في اليمن بالتصادم مع الحوثيين تارة، والتحالف معهم تارة أخرى، وهو ما يحدث بالفعل مع نظام الأسد في سوريا.