جدار ترامب ليس أولها.. تعرف على جدران الفصل حول العالم

قبل أيام نقلت الصحف العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي تصريحات افتراضية مثيرة نشرتها صحيفة “لو جورافي” الفرنسية، وهي جريدة أخبار زائفة ساخرة، على لسان ماري لوبان، المرشحة الرئاسية عن حزب الجبهة الوطنية اليميني المناهض للمهاجرين في فرنسا تقول فيها: “الجزائر هي مكسيكنا، وعليها تحمل مسؤوليتها في ذلك”، في إشارة إلى ضرورة التعامل مع الجزائر كما يتعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع جارته الجنوبية المكسيك، وبناء جدار عازل يحمي الحدود الفرنسية من جارتها العربية.
السياسية الفرنسية ماري لو بان رئيسة حزب الجبهة الوطنية اليميني
وعلى الرغم من أن هذه التصريحات ما هي إلا تصريحات افتراضية عبثية، فإن العديد من وسائل الإعلام تداولتها دون التحقق من مصدرها، فبعد فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية ومضيه قدمًا في تحقيق وعوده الانتخابية، لا يتوقع العالم جنونًا أقل من ماري لوبان أو من أي يميني متطرف قد يعتلي سدة الحكم في بلاده، فجلوس ترامب في مقعد رئيس الولايات المتحدة، أطلق العنان لكل العنصرية والجنون وسمح لنبرة الشوفينية الفجّة بالظهور دون مواربة أو خجل.
جدران الفصل العنصري حول العالم
أحد جدران الفصل الحدودية حول العالم
في حال قيام دونالد ترامب بتنفيذ وعده الانتخابي وقرر المضي قدمًا في إعادة تشييد الجدار العازل بين الولايات المتحدة وجارتها الجنوبية المكسيك، والذي كان قد بدأ العمل فيه في 2006 ببناء سياج حدودي يفصل بين البلدين، ثم علق الرئيس الأمريكي السابق أوباما العمل فيه عام 2010، كي يحمي أمريكا العظيمة من مهربي المخدرات والمغتصبين واللصوص – على حد قوله – فإن جداره هذا لن يكون الأول من نوعه، فتاريخ جدران الفصل العنصري البغيض، سيئة السمعة، حول العالم، يمتلئ بجدارن عديدة قسّمت أوصال العالم ومزقت البلاد ووقفت كحاجز عنصري بغيض في وجوه البشر، يمنعهم من المرور ويعرض حياتهم للخطر.
وفي هذا التقرير نلقي الضوء على بعض هذه الجدران التي مزقت العالم ووضعت بين بلدانه – وربما نفس البلد – أسوارًا عالية يصعب اجتيازها لأسباب سياسية وأخرى عسكرية ومزاعم أمنية واهية.
سور برلين
الأسلاك الشائكة فوق سور برلين
واحد من أشهر هذه الجدران ذات السمعة السيئة إن لم يكن أشهرها، ذلك الجدار الذي مزّق أواصر القربى بين العائلات وأهدر دماء العشرات الذين حاولوا اجتيازه، فوقعوا تحت نيران جنود ألمانيا الشرقية.
سور برلين، بنته سلطات ألمانيا الشرقية الشيوعية عام 1961 في مدينة برلين وبالتحديد عند الخط الفاصل بين المنطقة التابعة للاتحاد السوفياتي (برلين الشرقية) والمنطقة الخاضعة لدول الحلفاء الغربيين (برلين الشرقية)، وكان ارتفاعه يبلغ 12 مترًا، في حين امتد لمسافة تصل إلى 186 كيلومترًا ومدعمًا بالأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة وأجهزة الإنذار، وظل – حتى إعلان سلطات ألمانيا الشرقية تخفيف القيود وفتح العبور بين شطري برلين للراغبين، يوم 9 من نوفمبر 1989- حاجزًا بين الشطرين، مجسدًا أجواء الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفياتي والرأسمالي بزعامة أمريكا.
سقوط سور برلين عام 1989
وجدير بالذكر، أن سقوط هذا الجدار جاء بعد أن بثّ تليفزيون ألمانيا الغربية تقريرًاعن نيّة السلطات الشيوعية في ألمانيا الشرقية تخفيف قيود السفر على مواطنيها، حيث استند هذا التقرير إلى تصريح مرتبك لأحد أعضاء المكتب السياسي في الحزب الاشتراكي الألماني والذي فشل في توضيح بعض المحاذير فيما يتعلق بالسياسة الجديدة، ليتجمّع في الحال وفور بثّ هذا التقرير، عشرات الآلاف من الألمان على طرفي الجدار ليبدأوا في هدمه وتوحيد أوصال المدينة الممزقة.
جدار الفصل العنصري الإسرائيلي
جانب من جدار الفصل العنصري الإسرائيلي قرب حاجز قلنديا
يأتي أيضًا في مقدمة جدران الفصل سيئة السمعة جدار الفصل العنصري الصهيوني والذي بدأت إسرائيل في بنائه، في عهد رئيس الوزراء أرئيل شارون عام 2002، بطول يصل إلى 700 كيلومتر تقريبًا، وارتفاع 5.8 أمتار، ويتكون من سياجات وطرق دوريات، أما في المناطق المأهولة بكثافة مثل منطقة المثلث أو منطقة القدس، فتم نصب أسوار بدلاً من السياجات.
هذا الجدار الأسمنتي القبيح الذي يطلق عليه الفلسطينيون جدار الفصل العنصري، وتسميه إسرائيل الجدار الأمني العازل في الضفة الغربية والخط الأخضر، يلتهم مساحات واسعة من أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، كما تسبب في عزل مدن وقرى فلسطينية بأكملها وحاصر أهاليها.
جانب من جدار الفصل العنصري داخل الأراضي المحتلة في فلسطين
ويتكون من 14 مقطعًا، يعزل 64 تجمعًا فلسطينيًا يقطنها أكثر من 107 ألف فلسطيني، ويضم 107 مستوطنة/ مستعمرة إسرائيلية، يقطنها قرابة الـ 400 ألف مستوطن/ معتدِ اسرائيلي.
ويمر الجدار في مسار متعرج، حيث يحيط بمعظم أراضي الضفة الغربية، وفي أماكن معينة مثل “قلقيلية”، يشكل الجدار عازلاً، حيث تحاط مدن بأكملها من جميع أطرافها تقريبًا بالجدار.
وفي 9 من يوليو عام 2004، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا يقضي بعدم شرعية هذا الجدار، لأنه يحد من حق الفلسطينيين في تقرير المصير، حيث صوتت 150 بلدًا عضوًا في الجمعية العمومية للأمم المتحدة من ضمنهم جميع دول الاتحاد الأوروبي الخمسة والعشرين آنذاك، لصالح القرار، وبعدم شرعية الجدار، بينما عارضته 6 دول تتقدمهم الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي.
سياج سبتة ومليلية
سياج مليليلة
جداران سلكيان يفصلان بين المغرب ومدينتي سبتة ومليلية، بنتهما إسبانيا في الفترة ما بين عامي 1995 و2000، بدعم مالي ولوجيستي كبير من الاتحاد الأوروبي، بدعوى وقف عمليات الهجرة غير الشرعية وتهريب السلع، ولا يزال هذا الحاجز قيد التجديد والتعلية بين الحين والآخر.
ومدينتا سبتة ومليلية، مدينتان مغربيتان، تسطير عليهما إسبانيا منذ قرون، وتحيطهما بحواجز ليس من السهل تجاوزها، وقد لقى عدد كبير من الراغبين في الهجرة مصرعهم لدى محاولتهم القفز من فوق هذا السياج.
والحاجز عبارة عن جدار من سياجين حديديين بطول 12 كيلومترًا وارتفاع 3 – 6 أمتار مع وجود أسلاك شائكة على قمته، ومجهز بكاميرات المراقبة ومكبرات صوت وشبكة من أجهزة الاستشعار الإلكترونية وكشافات ضوء قوية ومعدات للرؤية الليلية.
مهاجرون أفارقة يحاولون دخول إسبانيا بعبور سياج سبتة ومليلية من المغرب
وجدير بالذكر أن المملكة المغربية ترفض الاعتراف بشرعية الحكم الإسباني على مدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، وتعتبرها جزءًا لا يتجزأ من التراب المغربي، حيث يتمتع سكانها من أصل مغربي بحقوق كاملة داخل المغرب كمواطنين مغاربة، ويطالب المغرب إسبانيا بالدخول في مفاوضات مباشرة معها من أجل استرجاعهما، كما تعتبرهما إحدى أواخر معاقل الاستعمار في إفريقيا، في حين واصلت إسبانيا فرض الأمر الواقع الذي تُوج عام 1995 بمنح المدينتين حكمًا ذاتيًا، كإقليمين مستقلين تحت السيادة الإسبانية، وشكلت زيارات الملك الإسباني السابق خوان كارلوس إلى سبتة إشارات سياسية لتمسك مدريد بسيادتها على المدينتين.
وتجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة لم تصنف سبتة ومليلية ضمن المناطق المحتلة الواجب تحريرها.
الجدار الكوري.. المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين
جنود من كوريا الجنوبية، يفحصون سياج المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين
بعد انتهاء الحرب الكورية، تم الاتفاق على تقسيم شبه الجزيرة الكورية إلى الكوريتين الشمالية والجنوبية على أن تفصل بينهما منطقة منزوعة السلاح، وهذه المنطقة الأكثر تحصينًا في العالم، كما أنها منطقة غير مأهولة بالسكان إلا في قريتين، لكن لا يوجد فيهما سكان بشكل دائم.
وكان الهدف الأساسي من المنطقة منزوعة السلاح حماية الجانبين من الغزو والاجتياح.
وهذه المنطقة عبارة عن جدار خرساني تم تشييده على طول المنطقة المنزوعة السلاح بين الجانبين والتي تمتد لمسافة 250 كيلومترًا بين عامي 1977 و1979م.
ويتراوح طول الجدار المشيد من 5-8 أمتار، ويبلغ سُمكه 10-19 مترًا في الأسفل، و3-7 أمتار في الأعلى.
الخط الأخضر.. الجدار الفاصل بين قبرص اليونانية وقبرص التركية
نتيجة لتوترات وصراعات دامية طالت لعقود من الزمن بين اليونانيين والأتراك، تم تقسيم جزيرة قبرص عام 1974.
ويمتد ما يُسمى بالخط الأخضر الذي يقسم شطري الجزيرة، على مسافة تبلغ قرابة 180 كيلومترًا، ويمر وسط العاصمة المشتركة نيقوسيا التي تعد آخر عاصمة مقسمة في العالم بعد انهيار سور برلين.
وكانت جزيرة قبرص قد حظيت باستقلالها من بريطانيا عام 1960، ونشبت منذ الأيام الأولى خلافات بين الأكثرية اليونانية والأقلية التركية في الجزيرة، ودارا معظم الخلافات في السنوات الأولى بعد الاستقلال عن تقاسم السلطة بين اليونانيين والأتراك، وبعد أن غيرت الأكثرية اليونانية الدستور في 1963 من طرف واحد بزعم أن حق الاعتراض الذي منح للأتراك على قرارات من السلطة يفضي إلى إصابة الجزيرة بالشلل، زاد التوتر وأفضى إلى مواجهات عنيفة.
رسم جرافيتي على الجدار الذي يقسم نيقوسيا
وفشلت محاولات توحيد الجزيرة مرتين في سبعينيات القرن الماضي، وفي 1983 أعلن الأتراك القبارصة الاستقلال من طرف واحد، واعترفت به تركيا وحدها منذ ذلك الحين.
ومنذ عام 2003 هدأت الأوضاع في نيقوسيا بعد أن فتح الجزء التركي حدوده لزيارة يوم واحد، لكن على الرغم من ذلك فإن الآمال في إنهاء حالة التقسيم لم تتحسن مع انضمام الجزء اليوناني من قبرص إلى الاتحاد الأوروبي.
جدار بلفاست أو خط السلام
خط السلام الفاصل بين أحياء البروتستانت والكاثوليك في بلفاست – أيرلندا
عاشت أيرلندا الشمالية صراعًا حادًا داميًا بين طائفة البروتستانت وطائفة الكاثوليك، اضطر القوات البريطانية في سبتمبر 1969 إلى وضع حواجز من الأسلاك الشائكة وأكياس من الرمل للفصل بين حيين في مدينة بلفاست بأيرلندا الشمالية هما حي فالس “Falls” حيث يوجد الكاثوليك، وحي الشانكيل “Shankill” حيث يوجد البروتستانت.
وعلى الرغم من التصريحات الرسمية البريطانية إبان تشييد هذا الجدار، وأنه مجرد “خط للسلام” peace line، إلا أنه مع مرور الوقت تحول هذا الجدار إلى عشرات الجدران مبنية بالأسمنت والحديد، تفصل بين عدة أحياء في مدينة بلفاست.
ورغم كل هذه الجدران واتفاقيات السلام لم تتوقف الأزمة بين الطائفتين المسيحيتين في أيرلندا الشمالية، بل تذكر التقارير أن الأحياء المحيطة بهذه الجدران هي أكثر الأحياء خطورة من حيث السلب والنهب وانتشار الجرائم والعنف.